أقلام وأراءغير مصنف

د. علي الجرباوي: هل تكتمل هذه الحرب على إيران؟

د. علي الجرباوي 4-3-2026: هل تكتمل هذه الحرب على إيران؟

تأتي الحرب الإسرائيلية – الأميركية الحالية على إيران لاستكمال الحرب القصيرة التي شُنّت عليها في الصيف الماضي، والتي وصفتها حينذاك بنموذج عن الحرب غير المكتملة (“الأيام” 25-5-2025). فالهدف المُسعى له كان وما زال يتمثّل بإسقاط نظام الحكم في إيران، واستبداله بآخر مُدجّن يُلبّي كامل الاشتراطات الإسرائيلية – الأميركية.

واضح أن نتنياهو كان يحاول منذ سنوات جرّ واشنطن للقيام بالمهمة نيابة عن تل أبيب، كي يحقق هدف إسرائيل بتدجين كامل المنطقة والهيمنة الكاملة عليها، وهو أمر لن يُحرَز مع استمرار وجود قوة إقليمية قوية تناصب إسرائيل العداء، وتكبح جماح سيطرتها المطلقة على كامل الإقليم. لهذا الغرض، قامت إسرائيل بتهويل القدرة العسكرية الإيرانية، وتعظيم مخاطر برنامجها النووي، لتثير رعب الكثيرين، داخل الإقليم وخارجه. ويجدر الانتباه الى أن سياسات ومراوغات إيران منحت إسرائيل مساحة مريحة لتقوم بذلك.

أما انخراط إدارة ترامب في الحربين المتواليتين على إيران، فمع أنه يبدو انجراراً يتماهى مع الغرض الإسرائيلي فقط، إلا أنه يجدر الانتباه إلى أن واشنطن المذعورة من الاندحار المستمر لهيمنتها المطلقة على النظام الدولي، بفعل تسارع الصعود الصيني، من جهة، واستعادة روسيا بعضاً من مكانتها المفقودة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، من جهة ثانية، يجعل لأميركا أهدافاً خاصة تريد تحقيقها أيضاً. لا تتنافى الأهداف الأميركية مع الهدف الإسرائيلي، بل تتقاطع معه، إذ تمنحها سيطرة الحليف العضوي المؤتمن على المنطقة، تأمين المصالح الأميركية على المدى البعيد. يضاف إلى ذلك أن واشنطن، في سعيها لتأمين استمرار هيمنتها العالمية، تستهدف محاصرة الصعود الصيني تحديداً، وذلك من خلال السيطرة المطلقة على أوسع مناطق إنتاج النفط في العالم، كونه الشريان المُغذّي لازدهار الاقتصاد الصيني. فبالسيطرة على النفط الفنزويلي، من جهة، وإطباق حلقة التحكم بنفط “الشرق الأوسط”، من جهة ثانية، يصبح شريان إمداد الصين بما تحتاج إليه من هذه المادة الأساسية والحيوية، خاضعاً للتحكم الأميركي.

لهذه الأسباب المتقاطعة، ولكن المتوائمة، يصبح التخلُّص من النظام الإيراني أولوية حيوية لإسرائيل وأميركا. ولكن بما أن إسرائيل لوحدها لا تستطيع إسقاط هذا النظام، فإنها كانت دائماً بحاجة إلى إسناد أميركي يقوم عنها بالمهمة. ولكن أميركا، التي تريد أيضاً إسقاط النظام الإيراني، كان لديها كابح ذاتي نتيجة تجربتها في حربين مريرتين على أفغانستان والعراق، ويتمثّل بعدم رغبتها في خوض “مغامرة” عسكرية جديدة تورّطها في حرب مفتوحة جديدة. لذلك، انحصرت وسيلتها في تحقيق إسقاط النظام في الحرب القصيرة الأولى على إيران، والحرب الحالية أيضاً حتى الآن، بشنّ “حربٍ عن بُعد” عليها، بهجماتٍ من الجو والبحر، دون غزوٍ بريّ تحاول جاهدةً تلافيه. ولكن، من المعروف من التجارب التاريخية أن إسقاط نظام حكمٍ راسخ بتدخل حربي خارجي من الصعب أن يتحقق من خلال شنّ “الهجمات عن بُعد”، ويتطلّب في نهاية المطاف التدخُّل البري لتحقيق الغرض. فهل ستكتفي واشنطن باقتصار حربها على إيران بالضربات عن بُعد أم أنها ستتورط في حرب طويلة ومكلفة لا تحظى بتأييد من الرأي العام الأميركي؟

***

يوجد ثلاث إمكانيات (سيناريوهات) لإسقاط النظام الإيراني من خلال شنّ حرب أميركية – إسرائيلية “عن بُعد”:

الأول، استمرار القيام بهجمات متواصلة من الجو والبحر على إيران بهدف ضرب مقدرات النظام وتقويض قدرته على استمرار التماسك والسيطرة، ما يتيح المجال لقوات من معارضة منظمة للاستيلاء عليه من الداخل، أو السماح لقوات حليفة من الخارج للقيام بالمهمة. ولكن تبقى هذه الإمكانية ضعيفة، كون المعارضة المنظمة المتمثلة بحركة “مجاهدي خلق” لا تمتلك وجوداً حيوياً داخل إيران، ولأن توظيف قوات حليفة لتقوم بالمهمة بواسطة التسلل من الخارج يحتاج لوجود مثل هذه القوات القادرة على تنفيذ المهمة، وقبولها بالقيام بها، وهو أمر ليس بالمتاح أو المضمون حالياً.

الثاني، هو الاعتماد على هبة من الفئات الشعبية الغاضبة على النظام، والتي ترغب في زواله، وذلك بأن تؤدي الهجمات الأميركية والإسرائيلية إلى إضعاف سيطرة النظام على الأوضاع الداخلية، ما يتيح لهذه الفئات الخروج للشوارع بأعداد كبيرة وكافية للإجهاز على النظام القائم، وتسليمه لقيادة جديدة موالية لأميركا وإسرائيل. وفي بداية هذه الحرب أعرب الرئيس الأميركي عن تعويله على هذا السيناريو، وذكر بأن ما تقوم به أميركا حالياً هو إعداد الأرضية المناسبة لحصول هذه الإمكانية. ولكن هذه الإمكانية تبقى ضعيفة حالياً لأن النظام الإيراني نظام عقائدي يستند بالأساس لدعم قاعدة جماهيرية مضمونة الولاء له على أسس عقائدية، ولأن الفئات الأخرى من المتوقع أن تتكاتف معه أثناء حصول عدوان خارجي على البلاد، ولأن المتوقع أن يستشرس النظام نفسه في الدفاع عن ذاته وهو يتعرض لعدوان خارجي يستهدف إزالته، ما يعني عدم سماحه لأية معارضة “جماهيرية” غير محكمة التنظيم من استغلال الفرصة للإطاحة به.

ثالثاً، أن تعوّل أميركا وإسرائيل على إحداث التغيير في النظام الإيراني من داخله، بحصول “انقلاب ناعم” يُبرز قيادة جديدة تكون مواتية للتوصل إلى “تفاهمات” تحقق الاشتراطات الأميركية والإسرائيلية، وتقلب الأوضاع الإيرانية تدريجياً في الاتجاه المرغوب من واشنطن وتل أبيب. لهذا جاءت الضربة الأولى مستهدفة المرشد العام ذاته ومجموعة كبيرة من قيادات الصف الأول، وخصوصاً العسكرية منها، ما يفتح المجال لحراك قيادي جديد. وقد عبّر الرئيس الأميركي عن تعويل واشنطن على هذا الخيار أيضاً بتصريحه عن إمكانية تولّي ثلاث شخصيات يبدو أنها من قيادات النظام الحالي قيادة إيران في المرحلة المقبلة. هذه الإمكانية تبقى الأكثر أهمية واحتمالية من الإمكانيتين السابقتين، ولكنها تفتح المجال للتساؤل حول إذا ما كانت صفقة قد أُبرمت مع أطراف من النظام الإيراني الحالي على “الانقلاب الناعم” عليه عندما تفعل الهجمات العسكرية مفاعيلها بإنهاكه. ومع أن هذا الاحتمال وارد ويُعيد للأذهان ما حصل في فنزويلا، إلا أن تركيبة النظام الإيراني أكثر تعقيداً وتتضمن وجود العديد من صمامات الأمان الحامية للنظام، وخصوصاً “الحرس الثوري” الذي إن لم يكن قد اختُرق، فإنه سيكون ليس فقط المدافع عن استمرار النظام، بل على ضمان استمرارية توجهه العقائدي.

***

مدفوعة من إسرائيل، ولكن أيضاً لتحقيق أهداف أميركية، من الواضح أن إدارة ترامب بدأت حرباً لتستكمل من خلالها الحرب السابقة لتغيير النظام الإيراني. وواضح أيضاً أنها بدأت هذه الحرب دون وجود خطة واضحة لكيفية تحقيق هذا الهدف، إذ أن الإمكانيات المتاحة لتحقيقه من خلال شنّ “حرب عن بُعد” هي إمكانيات تبقى ضعيفة وغير مؤكدة. إن لم تتحقق إحدى هذه الإمكانيات الثلاث المشار إليها أعلاه في وقت قريب، قد يجد ترامب نفسه متورطاً في حرب برية طويلة، مرهقة، وغير مضمونة النتائج، لا تريدها أو تؤيدها أغلبية الشعب الأميركي، ولا حتى هو نفسه. إن حصل ذلك يكون نتنياهو قد جرّ الرئيس الأميركي إلى مواجهة موحلة ستُربك له بقية ولايته.

ملاحظة على الهامش: على عكس هدف ترامب بأن تكون هذه الحرب خاطفة، قد يتمثّل هدف النظام الإيراني حالياً بتوسيع رقعتها وتطويل أمد استمرارها، ففي ذلك إنهاك لذوي النفَس القصير، وترامب يتصدر القائمة.

ملاحظة أخرى في صلب الموضوع: ستكون هذه الحرب، إذا لم تحقق الأهداف الأميركية الإسرائيلية بشكل سريع وحاسم، مسماراً مهماً آخر في نعش العلاقة العضوية الأميركية – الإسرائيلية. فهناك الكثير من التغيير الحاصل داخل الساحة الأميركية بهذا الاتجاه، وستكون هذه الحرب كاشفة لهذا التحوّل الحاصل.

 

 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى