د. عبد المنعم سعيد: عالم جديد حقاً

د. عبد المنعم سعيد 14-1-2026: عالم جديد حقاً
إذا كان هناك دور للفرد في التاريخ، فإن دور الرئيس الأميركي في الزمن المقبل وبدايته العام الجديد مؤكَّد للغاية. عرفت الولايات المتحدة 47 رئيساً منذ إعلان استقلالها في 4 يوليو (تموز) 1776، وخلاصها من الاستعمار البريطاني في 1783، وانتهائها من التجربة الكونفيدرالية (1781 – 1787)، ووضع الدستور الفيدرالي الأميركي (1787)، وبدء تطبيقه (1789)، مع انتخاب الرئيس الأول جورج واشنطن (1789 – 1797). وكان دخول دونالد ترمب (2017 – 2021) إلى البيت الأبيض بداية مرحلة في الانتخابات الرئاسية الأميركية تمثل حزمة جديدة من الرؤساء سوف تظل قائمة خلال الفترة الزمنية المقبلة. التنصيب الثاني لدونالد ترمب في 20 يناير (كانون الثاني) 2025، أصبح هو العامل الأكبر في تشكيل الشؤون العالمية، وتسبب نهجه المُحطِّم للأعراف في اضطرابات التجارة الدولية، واستدعاء «مبدأ مونرو» الأميركي في القرن التاسع عشر لكي تحتكر واشنطن «النطاق الغربي». وحتى فجر العام الجديد 2026 فإن «الترمبية» الأميركية كانت تركز على السلام حتى في غزة وأوكرانيا، حيث المعضلات معقَّدة؛ وكان الظن أن الغارات على إيران واليمن لم تكن دائمة ولكنها محفزة لتغيير أوضاع إقليمية. كانت الولايات المتحدة مع اقتراب الذكرى الـ250 لتأسيسها، تشهد عهداً جديداً في اتجاه التسويات العالمية والترابط العالمي بين القوى العظمى لتنظيم مناطق النفوذ وحالة العالم.
الغزو الأميركي لفنزويلا قلب أموراً كثيرة رأساً على عقب، فلم تعد الإدارة الأميركية ساعيةً من خلال ضغوط اقتصادية وعسكرية، إلى وقف الهجرة والمخدرات إلى الولايات المتحدة، وإنما صارت احتلالاً مباشراً وصريحاً. واشنطن لم تكن مستعدة لقبول التعامل مع القيادة الفنزويلية الجديدة ممثلةً في نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز، وطاقم حكومتها من الحزب القائد في البلاد؛ ولا قبول قائدة المعارضة الحائزة جائزة نوبل للسلام ماريا ماتشادو. بات واضحاً أن الولايات المتحدة باتت ترغب في إعادة تنظيم الدولة الفنزويلية وفقاً لتصورات ترمب وجماعته القائدة، وهو ما يمهد لاحتلال طويل. ورغم أن التجربة «الفنزويلية» لا تزال في مهدها فإن التقديرات الأميركية لم تنقطع عن اعتبار احتلال كراكاس ليس إلا مقدمة لظاهرة أميركية جديدة عن استخدام القوة على الطريقة «الإمبريالية» القديمة القائمة على الغزو المباشر، والاحتلال لفترات طويلة؛ لتنظيم حال الدول والمجتمعات. من الأهداف التي ذاع سرها إعلامياً التحضير لضم غرينلاند التي باتت جزءاً من «الأمن القومي الأميركي»؛ ومعها وضع أهداف للضربات العسكرية الأميركية، في مقدمتها إيران، تحت راية إساءة معاملة المتظاهرين؛ وكولومبيا بوصفها رائدةً في عالم العصيان والمخدرات؛ ولم يستبعد أن تكون كوبا هدفاً؛ وهي التي أرهقت واشنطن منذ أزمة الصواريخ الكوبية في ستينات القرن الماضي حتى الآن بما تفرزه من حكومات «اشتراكية» في أميركا الجنوبية.
الأمر على هذا النحو يتطلب الاستعداد لما سوف يأتي في عام جديد بينما المنطقة العربية مشتعلة بالدول الفاشلة ذات الميليشيات، والواقفة على أبواب الحرب الأهلية أو داخلها، وحيث الانقسامات والفرق لا ترى في الهوية الوطنية ما يكفي لروابط الدولة، وأن التفتيت يمكنه تحقيق أنواع من السعادة الأبدية. في هذه الحالة فإن الدول العربية الناضجة ذات الهوية الوطنية التي لا تعرف الميليشيات ولا الحرب الأهلية ولديها بديل لذلك مشروع وطني تقوده رؤية ذات إطار زمني للدخول في سباق التفوق الدولي والحداثة والتقدم… هذه الدول طرحت مبدأ الاستقرار الإقليمي منذ «إعلان العلا» في يناير 2021 في أثناء قمة مجلس التعاون الخليجي، التي فتحت قنوات الاستقرار مع قطر وتركيا وإيران مع تكثيف العلاقات الاستراتيجية بين دول عربية اختارت الإصلاح طريقاً وسبيلاً إلى الرفعة. هذه الدول لكي تحقق هذا الهدف تحتاج إلى درجات أعلى من التنسيق، والائتلاف على الأهداف الاستراتيجية، والتوافق على الأهداف التكتيكية، والاستفادة من فترة كان فيها نجاح عربي للحصول على اعتراف دولي بالدولة الفلسطينية، مع تحقيق العزلة لإسرائيل على الساحة الدولية، والعبور من حرب إسرائيلية طاحنة على غزة ولبنان وسوريا، إلى إطار لوقف إطلاق النار والتقاط الأنفاس وتقديم العون للفلسطينيين لكي يكون لهم مقعد في مفاوضات مقبلة.
الدروس المستفادة من المرحلة السابقة ليست قليلة؛ والتهديد الخارجي فيها ليس غامضاً وإنما صريح من جانب إسرائيل في إعادة تشكيل المنطقة وإنشاء إسرائيل الكبرى بالضم والمستوطنات والضغط العسكري وإشعال الحرب مع أطراف إقليمية. ما ينقصنا هو رفع الطاقات الدراسية والعلمية لبحث التغييرات التي تدفع الولايات المتحدة في اتجاهها من زاوية عزلة أوروبا، وتجاهل ما تقوم به إسرائيل من اختراقات إقليمية في مناطق هشة في عمومها وعامرة ببذور الانقسام الطائفي والديني والجهويّ. التعامل مع الولايات المتحدة خلال المرحلة المقبلة يوجد له أرصدة عربية تحتاج إلى الاستخدام في الشهور المقبلة حتى لا تضيع منجزات لا ينبغي التفريط فيها.



