أقلام وأراء

د. سنية الحسيني: ماذا تخطط إسرائيل للفلسطينيين في الضفة؟

د. سنية الحسيني 5-2-2026: ماذا تخطط إسرائيل للفلسطينيين في الضفة؟

تتصاعد السياسات والإجراءات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين في الضفة الغربية منذ صعود حكومة بنيامين نتنياهو اليمينية الحالية إلى الحكم منذ نهاية العام ٢٠٢٢، وباتت تلك السياسات والإجراءات أكثر وضوحاً بعد هجمات السابع من أكتوبر في العام التالي، وأكبر قابلية للتنفيذ بعد وصول دونالد ترامب لرئاسة الولايات المتحدة، حيث لم يخف نتنياهو وأعضاء حكومته ومؤيديه دعمهم ورضاهم لذلك. ورغم أن هذه السياسات والإجراءات غير منقطعة من سياسات بنيوية، قامت سلطات الاحتلال بإرسائها تدريجياً عبر العقود الماضية في الضفة، إلا أنها تشكل اليوم بتطوراتها منظومة متكاملة لرؤية الاحتلال القادمة للضفة الغربية، والتي لا تنفصل بأي حال من الأحوال عن رؤيته لمستقبل غزة.

يعكس عدد من الانتكاسات التي طرأت على سياسات الاحتلال تجاه الفلسطينيين وأرضهمفي الضفة الغربية خلال العامين الماضيين إستراتيجية ممنهجة تكشف عن أهداف الاحتلال القادمة فيها. يفصحتزايد أعداد الشهداء والمصابين والمعتقلين والأسرى في الضفة الغربية، خلال العامين الماضيين، وبشكل استثنائي، بالإضافة لهدم المنازل والمخيمات وتهجير عشرات آلاف الفلسطينيين عن منازلهم سياسة إسرائيلية جديدة، تعكس استهتاراً بالغاً بحياة الفلسطينيين، ومستقبلهم، خصوصاً مع الوضع في الاعتبار للجرائم التي ارتُكبت بحق مئات آلاف المدنيين في غزة والتدمير الهائل لاحياء القطاع ومرافقهخلال الحرب الأخيرة. لا ينفصل ذلك عن تصاعد اعتداءات المستوطنين، بشكل بلغ ذروته خلال الفترة الماضية، والذي تؤكد سلطات الاحتلال عدم قدرتها على ردعها، الأمر الذي يعطي مؤشراً على أدوار مستقبلية لهؤلاء أشد خطورة.

لا تنفصل الإجراءات الأخيرة بوضع الحواجز والبوابات الحديدية، التي تقطّع أوصال قرى ومدن الضفة الغربية وتُحدث تعطيلاً لحياة الفلسطينيين، عن سياسة أوسع تستهدف مكانة السلطة الفلسطينية نفسها. فالوضع الاقتصادي في الضفة الغربية على حافة الهاوية، فقد شكلت تلك الحواجز والازدحام المروري الناتج عنها تعطيلاً اقتصادياً جسيماً للسكان. يأتي ذلك في ظل إلغاء معظم تصاريح العمال الفلسطينيين، الذين يعملون داخل الخط الأخضر، ويتخطى عددهم المائة ألف عامل، الأمر الذي حرم مناطق الضفة الغربية من خمس دخلها تقريباً. كما تستهدف إسرائيل السلطة الفلسطينية اقتصادياً بشكل متعمد، فهي تواصل حجز أموال المقاصة، والتي تشكل أكثر من ثلثي ميزانية السلطة، حيث بدأ ذلك الاستهداف في موجته الأخيرة متدرجاً منذ العام ٢٠١٩، حتى وصل ذروته بعد أحداث السابع من أكتوبر وبحجج متضاربة واهية، وهو ما يراكم الديون على السلطة، ويحرم الموظفين العموميين والمتقاعدين، والذين يتخطى عددهم المائة ألف، من الحصول على رواتبهم كاملة منذ سنوات.

وتزداد الأمور وضوحاً بعد اغراق السلطات الإسرائيليةالبنوك الفلسطينية بفائض الشيكل، وحرمانهم من تحويله، وذلك بفرضها القيود على التحويلات المالية في مناطق السلطة، الأمر الذي يُعيق النظام المالي برمته، كما يعيق دفع المستحقات المالية من قبل السلطة الفلسطينية لشركات الطاقة والكهرباء وغيرها الإسرائيلية، ويفسر النقص في توريد تلك المنتجات للفلسطينيين. كما يعيش النظام المصرفي الفلسطيني في حالة من القلق المستمر، بسبب تهديدات إسرائيل بإنهاء العمل بالإعفاء المصرفي للبنوك الإسرائيلية من المسؤولية عند تعاملها مع نظيراتها الفلسطينية، وهو ما يُعرف بالمراسلة المصرفية. ويعني ذلك، إن حدث، عدم قدرة البنوك الفلسطينية على العمل من خلال البنوك الإسرائيلية الوسيطة في معاملاتها الخارجية، ما سيؤدي لانهيار العمل المصرفي في الأراضي الفلسطينية المحتلة بالكامل.

يبدو أن حكومة الاحتلال الحالية تضغط بشكل جلي لإضعاف السلطة الفلسطينية، ضمن رؤيتين يتبناهما تياران في الحكومة الإسرائيلية الحالية. يتبنى نتنياهو ومؤسسة الجيش الرؤية الأولى، والتي لا تمانع بالاحتفاظ ببقاء السلطة، لكن وفق صلاحيات محدودة، ومقلصة عن حدود أوسلو، تفقدها سيادة التمثيل الشعبي، العنصر المكمل لشروط وجود الدولة، وهو ما نشهده بشكل متدرج. في حين يمثل وزير المالية، سموتريتش التوجه الثاني، والذي يرفض وجود السلطة الفلسطينية من أصله، ويدعو لإنهاء مهامها، ويقدم رؤية تقوم على أساس السماح بوجود نوع من الحكم الذاتي للفلسطينيين في المناطق المأهولة بالفلسطينيين في الضفة. ويبدو أن الهدف المشترك من الرؤيتين شبيه بما تحاول إسرائيل فرضه في غزة، إذ يقوم على أساس السماح للفلسطينيين بإدارة شؤونهم، وفق قواعد وشروط يضعها الاحتلال، بغض النظر عن تلك الإدارة الفلسطينية، فإما سلطة فلسطينية ضعيفة مغلوبة على أمرها، أو سلطة مختارة ويتم تنظيم عملها بمعرفة الاحتلال نفسه، يمثل هدف الاحتلال اليوم.

تأتي تلك التطورات في ظل توجه إسرائيلي واضح بضم الضفة الغربية بشكل كامل، تحسم من خلاله إسرائيل قضية فرض السيادة على الأرض، رغم عدم الإعلان عن ذلك صراحة، وانتهاك ذلك لقواعد القانون الدولي وتوجهات المجتمع الدولي. لقد تصاعدت وتسارعت خلال العامين الماضيين المشاريع الاستيطانية في الضفة الغربية عن المرحلة السابقة. بدأ المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية على أساس بنيوي متدرج خلق معه عبر العقود الماضية واقعاً جديداً لصالح المستوطنين اليهود الجدد على حساب السكان الفلسطينيين الأصليين. لم تنجح اتفاقيات أوسلو بتغيير ذلك الواقع، بل على العكس، فقد رسخت هذه الاتفاقيات ذلك عندما نصت على تقسيم أراضي الضفة الغربية لثلاث فئات، يقع معظمها “مناطق ج” تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة. ورغم أن تلك الترتيبات كان يفترض أن تنتهي بعد خمس سنوات من توقيع أوسلو، أي في العام ١٩٩٩، إلا أن تلك السيطرة استمرت وتوسعت ونمت عبر السنوات التالية. 

في السنوات الأخيرة، خصوصاً بعد صعود حكومة نتنياهو اليمينية الحالية لسدة الحكم نما النفوذ السياسي للحركة الاستيطانية، وباتت أفكارها محركةً للسياسات الرسمية. وبدأت المشاريع الاستيطانية تشير لمخططات لحسم الصراع على الأرض مع الفلسطينيين. تصاعد حجم البناء الاستيطاني بشكل خطير، كما يجري تقنين البؤر الاستيطاني بشكل لم يكن متعارفاً عليه قبل صعود الحكومة الحالية. خلال العامين الماضيين، لم تمنح سلطات الاحتلال مطلقاً تصاريح بناء للفلسطينيين في المناطق المصنفة ج، وتقوم اليوم بهدم جميع المنازل والمؤسسات المنشأة بدون تصريح والتي يصعب الحصول عليها من قبل سلطات الاحتلال في تلك المناطق، وتتجاوز عدد قرارات هدم المباني الفلسطينيين السنوي الألف قرار في تلك المناطق. كذلك تتشابه قرارات مصادرة الأراضي وهدم المنشآت في القدس الشرقية أيضاً، التي تشهد تصعيداً خطيرا يهدد البنية السكانية الفلسطينية في المدينة المقدسة. في القدس أيضاً، جرى البدء في تنفيذ مشروع E1، الذي تعطل تنفيذه لعقدين كاملين، بسبب الفيتو الأميركي والدولي. ويفصل المشروع الضفة لشطرين، ويفصل المدينة المقدسة عن محيطها، ويسيطر على مساحات شاسعة من أراضي الفلسطينيين. 

في الضفة الغربية وفي القدس الشرقية، وفي تحول خطير، تقوم سلطات الاحتلال بتسوية الأراضي، أي تسجيلها في دائرة التسجيل الإسرائيلية “الطابو”، وذلك بتحديد مالكها القانوني، بشكل نهائي، غير قابل للطعن به. تأتي القرارات الإسرائيلية الأخيرة التي تركز على تسوية أرضي الفلسطينيين، أي تسجيلها إسرائيلياً، خصوصاً في المناطق المصنفة ج، التي تشكل ثلثي مساحة الضفة، وكذلك في القدس الشرقية، وتمدد ذلك أيضاً للأراضي المصنفة ب، يعد تعدٍ مباشر على سيادة تلك الأراضي من قبل الدولة القائمة بالاحتلال. وقام الاحتلال بوقف تسجيل الأراضي في العام ١٩٦٨، بعد احتلاله للضفة الغربية. وفي القدس الشرقية لم يتم تسجيل غالبية الأراضي بعد احتلال المدينة بسبب الظروف السياسية المعقدة بعدها. ويفرض الاحتلال شروطاً قاسية لإثبات ملكية الأرض، ويُرجعها لملكية الدولة، في حال لم ينجح المالك بإثبات الملكية، وفق تلك الشروط. وطرح مشروع قانون في الكنيست مؤخراً يسمح بتملك اليهود الإسرائيليين لتلك الأراضي، ما يعقّد الإجراءات أكثر. وستؤدي تلك الإجراءات لنزع ملكية الفلسطينيين لأراضيهم، وتحويلها لسلطات الاحتلال.

وتحاصر سلطات الاحتلال في الضفة الغربية والقدس وكالة غوث اللاجئين “الأونروا”، فهدمت مقراتها في القدس، وألغت وجودها، وصادرت امتيازاتها في الضفة، وهاجمت مخيمات اللاجئين، وهدمت المدارس والمستوصفات الصحية والمنازل، وهجرت عشرات آلاف الفلسطينيين منها. ويستهدف الاحتلال بذلك قضية اللاجئين الفلسطينيين وحقوقهم. وكلها سياسات تصب في حسم صراع دام لعقود، لصالح المحتل، وإنكار لحق السكان الأصليين. كما يعد ذلك التصعيد على الفلسطينيين في مخيماتهم في الأراضي المصنفة أ، والتي تدار من قبل السلطة، وهدم وترحيل أعداد كبيرة منهم، وبشكل جماعي، نهج خطير، يوحي بقادم أصعب.

وفق تلك التطورات في الضفة الغربية، بات إجراء إعلان السيادة وضم الأرض، مجرد إجراء شكلي، بعد أن عمل الاحتلال على ترسيخه جوهرياً. في غزة، لعل ما كشفت عنه التطورات الأخيرة، من تعيين اللجنة الإدارية لقطاع غزة، وقرار إغلاق عشرات المؤسسات الإنسانية غير الحكومية الدولية، وفتح معبر رفح بشكل مهين، وتحت إدارة وسلطة ورقابة الاحتلال المباشرة، يوضح حقيقة الدور الذي يتطلع إليه الاحتلال في غزة. وهو نفس الدور الذي يتطلع له في الضفة، ويعمل من أجل ترسيخه. فهل هناك موقف فلسطيني وعربي ودولي موحد ومتكامل يتصدى لمخططات الاحتلال التي باتت جلية؟ قد يكون البيئة الفلسطينية، في ظل الاعتبارات المحلية الحالية، والتصعيد الإسرائيلي الأكثر تأهيلاً لفوز قيادة فلسطينية جديدة شابه، تستفيد من تجربة القيادة في الضفة وغزة. كما تبدو التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط، وانكشاف الدور الإسرائيلي والأميركي في المنطقة، محفزاً لاقطابها لاعادة النظر في تحالفها مع الولايات المتحدة، وابداء اهتمام أكبر بحل القضية الفلسطينية التي طالما شكلت عقدة صعبة من عقد المنطقة. وأظهرت الكتلة الأوروبية، في مواجهة الهجوم الروسي على أوكرانيا، قدرتها على اتخاذ موقف صلب وموحد دفاعًا عن القانون الدولي، كما أثبتت، في ملف جرينلاند، استعدادها لتحدي الإرادة الأميركية عندما تعارضت مع مصالحها ورؤيتها السيادية. فهل تعيد أوروبا اليوم حساباتها، وتنصف الفلسطينيين، وتتحدى إسرائيل، في قضية لا تستطيع أي دولة في العالم إنكار عدالتها، ولا الظلم التاريخي الواقع على شعب دفع ثمن هذا التخاذل عبر أجيال متعاقبة.

مركز الناطور للدراسات والابحاثFacebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى