د. سنية الحسيني: الحرب على إيران، وأميركا في قلب العاصفة
د. سنية الحسيني 5-3-2026: الحرب على إيران، وأميركا في قلب العاصفة
بينما تتواصل معاناة المنطقة، في ظل استمرار الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران، تتواصل الدعوات الدولية لوقف التصعيد. فقد توقفت حركة الطيران في بلدان عديدة، وتصاعدت الأزمة الاقتصادية، في منطقة تعتبر عصبا اقتصاديا عالميا، ويتزايد القلق من التداعيات. ورغم آثار الحرب الكارثية، على إيران، التي فقدت أكثر من ١٠٠٠ شهيد، خلال الأيام الخمسة الأولى من الحرب، عدد منهم من قياداتها المركزية، وإصابة دول الخليج العربي بصدمة غير معهودة، بسبب الهجمات الإيرانية المرتدة على مراكز وقواعد أميركية أو إسرائيلية في تلك البلدان، تمس استقرارها وأمنها، إلا أن الولايات المتحدة لم تسلم أيضاً. قد تكون إسرائيل الرابح الأكبر، إن لم يكن الوحيد. ويمكن استنباط مكاسب إسرائيل من خلال قراءة سريعة لتوصيات تقارير مراكز التفكير الإسرائيلية المركزية حول فوائد الحرب على إيران، بل قد تقدم أيضاً استشرافا لمسارها وأهدافها الإسرائيلية. يطرح ذلك سؤالاً حول استراتيجية ومكاسب الولايات المتحدة من هذه الحرب.
تركز توصيات مراكز التفكير الإسرائيلية على عدد من الأهداف الإسرائيلية الضرورية التحقق عند شن عدوان مزدوج مع الولايات المتحدة على إيران. أوصى مركز دراسات الأمن القومي إسرائيل بضرورة العمل على منع إيران من إعادة بناء برنامجها النووي أو الصاروخي بعد الحرب، والذي يتطلب ضرب البنية التحتية النووية ومنع إعادة بناء برنامج الصواريخ وتعطيل الصناعات العسكرية الإيرانية. ونصح تقرير آخر لنفس المركز بضرورة مواصلة إسرائيل استراتيجيتها «الحرب بين الحروب» ضد إيران، أي مواصلة عمليات استخباراتية سرية، وعسكرية محدودة، وعقوبات اقتصادية وضغوط دبلوماسية، بالتنسيق مع الولايات المتحدة. وفي تقريرها الثالث، حثت المؤسسة حكومتها على أهمية العمل على تقليل احتمال أن تساعد روسيا أو الصين إيران في إعادة بناء قدراتها العسكرية. وقال مركز القدس للاستراتيجية والأمن، إن الهدف الاستراتيجي لإسرائيل يجب أن يركز على تفكيك شبكة حلفاء إيران الإقليمية.
في حين، اعتبر تقرير لمركز بيغين للدراسات الاستراتيجية أن الحرب مع إيران يجب أن تُستخدم لخلق تحالف أمني إقليمي يضم إسرائيل والولايات المتحدة ودولا عربية، بهدف تثبيت إسرائيل كقوة عسكرية مركزية في المنطقة. إن العديد من دراسات مراكز التفكير الإسرائيلية شددت على أهمية تشكيل النظام الأمني في الشرق الأوسط في أعقاب الحرب، واعتبر عدد منها أن إضعاف إيران قد يفتح الباب لتوسيع اتفاقات التطبيع مع الدول العربية، خصوصاً السعودية. وتنصح تلك التقارير حكومتها بإبقاء الحرب قصيرة، وتجنب الغزو البري، في إطار خطة تركز على حرب جوية مركزة قصيرة، أي حملة تستمر أسابيع لا سنوات، تتطلع فيها لإسقاط النظام أو إضعافه.
قد تجيب تلك التوصيات، والتي تفسر الكثير من سياسات إسرائيل تجاه إيران، ولبنان، ودول المنطقة، عن تساؤل مهم أثير خلال الأيام القليلة الماضية، ومن قبل ناشطين وإعلاميين أميركيين، حول توجه إسرائيل لإقحام دول الخليج العربي في الحرب على إيران. فقد أنكرت إيران أنها تقف خلف هجوم صاروخي على منشآت «أرامكو» النفطية السعودية، قبل أيام. واتهم الإعلامي الأميركي تيكر كارلسون إسرائيل بافتعال أحداث من شأنها إجبار دول الخليج على الدخول في حرب مع إيران. ولعلها أفكار لا تغيب عن الذهن الإسرائيلي، فقد دعا أحدهم في العام ٢٠٢٤ لضرب إسرائيل المسجد الأقصى، وإلقاء اللوم على إيران، لحث الدول العربية على خوض حرب معها، لخلق صراع إقليمي واسع.
على الجانب الآخر، يواجه الرئيس الأميركي، حليف إسرائيل وشريكها في شن العدوان على إيران تحديات عديدة، بسبب هذا العدوان. ويقف ترامب عاجزاً عن تبرير الحرب أمام شعبه ومؤيديه، بعد أن عجز عن تسويقها داخليا، ولم يقدم دليلاً على عدوانية إيران أو استفزازها الذي يحث على استخدام القوة ضدها. وتشير استطلاعات الرأي الأخيرة إلى أن حوالى ربع الرأي العام يؤيد هذه الحرب، بينما ترفض الغالبية خوض بلادها لها. وتزايدت الأصوات الرافضة للحرب، خصوصاً بعد سقوط قتلى في صفوف الجيش الأميركي، ما فاقم تلك الأزمة، والتي ستتصاعد مع استمرار الحرب، وسقوط المزيد من القتلى والجرحى، في حرب لا يعتبرها الكثير من الأميركيين أنها حرب بلادهم. وبينما ينقسم الكونغرس بين المؤيدين للحرب بأغلبية جمهورية، والمعارضين لها بأغلبية ديمقراطية، يتفق الجميع على عدم وجود استراتيجية لدى إدارة ترامب لما بعد الحرب. ويعول ترامب فقط على إسقاط النظام، والذي لا يقدم، حتى وإن حدث، إجابة حول مستقبل إيران، بعد هذه الحرب. يأتي ذلك في ظل مراجعات أميركية عديدة أجريت حول تجارب مشابهة، لم يكتب لها تحقيق الأهداف، تشكك في جدوى ومكاسب هذه الحرب.
وفي سياق متصل، وفي أعقاب الحرب الهجومية على إيران، تواجه الولايات المتحدة موجة غضب ضدها من قبل العديد من شعوب دول عربية وإسلامية وحتى غربية، تجسدت بالاعتداء على السفارات الأميركية في تلك الدول أو احتجاجات عمت عواصم تلك الدول. وهو ما يفسر دعوات إدارة أميركا لرعايا بلادها للخروج من ١٤ دولة معظمها عربية وبعضها حليفة لأميركا، نتيجة لتلك التفاعلات. وقد حذر العديد من خبراء السياسة الأميركيين الإدارات الأميركية المختلفة من مثل هذا الثمن، في حال استمرارها في دعم مصالح إسرائيل، على حساب دول المنطقة.
كشفت هذه الحرب مشكلة القواعد الأميركية في دول المنطقة، والتي تسببت في استهدافها، بدلاً من مساهمتها في حمايتها. ورغم أن السعودية والإمارات أعلنتا صراحة رفض استخدام القواعد الأميركية الموجودة فوق أراضيها لضرب إيران، إلا أنها لم تسلم من ضربات إيران المرتدة، على القواعد الأميركية الموجودة في دول الخليج العربي، وكذلك الأردن وقبرص. وقد رفضت إسبانيا صراحة استخدام القواعد الأميركية الموجودة فوق أراضيها، في حرب الولايات المتحدة على إيران، ما لحقه تهديد ترامب بقطع للعلاقات التجارية معها. ورغم وجود قواعد عسكرية أميركية في تركيا، لم تستخدم هذه القواعد ضد إيران، سواء بحجة دفاعية أو هجومية. فقد رفضت تركيا في العام ٢٠٠٣ استخدام القواعد الأميركية فوق أراضيها لضرب العراق، رغم الأزمة التي ترتبت على الموقف التركي تجاه الولايات المتحدة، إلا أنها ساهمت في صقل العلاقات بين البلدين، لصالح تركيا.
يقف العالم، اليوم، منقسما بين من يقف إلى جانب الولايات المتحدة وإسرائيل في عدوانها على إيران، وبين من يعتبر ذلك خرقا للقانون الدولي، وجاء من خارج الإطار الشرعي المؤسسي. وتكمن خطورة هذه الحرب بأنها قد تشكل شرارة تشعل حرباً أوسع، فخطأ في الحسابات قد يدمر المنطقة والعالم.
مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook



