أقلام وأراء

د. حسن نافعة: ماذا بعد عودة قانون الغاب إلى الساحة الدولية؟

د. حسن نافعة 9-1-2026: ماذا بعد عودة قانون الغاب إلى الساحة الدولية؟

كلّنا يتذكّر كيف استهلّ ترامب فترة ولايته الحالية بتصريحات مثيرة كشفت نواياه التوسّعية. ففي موجة مبكرة من التصريحات، قال إنّ كندا ينبغي أن تصبح “الولاية الأميركية رقم 51″، معلّلاً ذلك بأنّ الحدود بين كندا والولايات المتحدة “مصطنعة” وبأنّ حال كندا سيكون أفضل إذا أصبحت جزءاً من الولايات المتحدة.

وفي موجة تالية، عبّر عن رغبته في “الاستحواذ على جزيرة غرينلاند، “عن طريق الشراء أو بوسائل أخرى”، مستنداً في ذلك إلى “ضرورات أمنية وجيوسياسية”، من دون أن يعبأ كثيراً بأنّ كندا والدنمارك عضوان في حلف تقوده الولايات المتحدة! وفي موجة ثالثة، كشف عن رغبته في “استعادة السيطرة على قناة بنما”، معلّلاً ذلك بضرورات “استراتيجية”، بل إنّ بعض وسائل الإعلام نسبت إليه ما يفيد اهتمامه بالمكسيك وكوبا أيضاً، قائلاً إنه “قادم إليهما”!!.

لم يرَ معظم المحلّلين في هذه التصريحات ما يثير القلق في ذلك الوقت، ربما لاعتقادهم بأنها تعكس سمات شخصية لقيادة مغرمة بإثارة صخب إعلامي حول ذات متضخّمة بأكثر مما تعبّر عن سياسة رسمية للإدارة الأميركية. غير أنّ قراره بشنّ هجوم عسكري كاسح لاختطاف رئيس دولة جارة، وما أعقب هذا القرار من تهديدات وجّهت لدول أخرى في أميركا اللاتينية، مثل كولومبيا وشيلي وكوبا وغيرها، أعاد التذكير بخطورة رجل عاد ليمسك بمقاليد السلطة في أقوى دول العالم قاطبة، وبالتالي بما قد تنطوي عليها هذه العودة من تأثيرات محتملة على مستقبل النظام الدولي.

فترامب، الذي تتمحور سياسته الخارجية حول شعار “أميركا أولاً”، لا يؤمن بوجود قواعد قانونية أو أخلاقية يتعيّن الاستناد إليها عند اتخاذ القرارات على الصعيد الدولي، ما يعني عدم استبعاد إقدامه على اتخاذ قرارات كارثية في أيّ وقت، تخالف كلّ ما هو مستقرّ في قواعد القانون الدولي وفي مصفوفة القيم الأخلاقية والإنسانية. وإذا صح هذا الاستنتاج فسيعود النظام الدولي خطوات إلى الوراء، وستعلو لغة القوة والغلبة فوق لغة التسامح وسيادة القانون، ما يعني العودة من جديد إلى قانون الغاب.

تجدر الإشارة هنا إلى أنّ البشرية استغرقت ثلاثة قرون كاملة، منذ نشأة الدولة القومية في منتصف القرن السابع عشر وحتى منتصف القرن العشرين، قبل أن يتمكّن قادة العالم من التوافق معاً على إنشاء إطار مؤسّسي يلزم الدول كافة بعدم التدخّل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وباللجوء إلى الوسائل السلمية وحدها لحلّ ما قد ينشب فيما بينها من نزاعات، ويحرّم استخدام القوة في العلاقات الدولية، أو حتى مجرّد التهديد بها.

الغريب أنّ هذه الخطوة المتقدّمة على طريق التطوّر البشري، والتي جسّدها قيام الأمم المتحدة عام 1945، لم تنضج إلّا بعد أن مرّ العالم بسلسلة لم تنقطع من الحروب الدامية، منهما حربان عالميتان راح ضحيتهما عشرات الملايين من البشر.

لذلك فعندما يقوم رئيس الدولة الأقوى في عالمنا المعاصر، بإصدار تعليمات إلى قيادات جيشه باختطاف رئيس دولة، أياً كانت الأسباب التي استند إليها، من الطبيعي أن يرى كثيرون في تصرّفه هذا دليلاً قاطعاً على سقوط القانون الدولي وغيابه على أرض الواقع، وأن يتولّد لدى الجميع شعور طاغ بأنّ العلاقات الدولية عادت لتدار خارج الأطر المؤسسية للنظام الدولي، وأصبحت تستند من جديد إلى قواعد الغلبة والقوة وعلاقات التبعيّة بدلاً من قواعد القانون الدولي الذي ينطلق من مبدأ المساواة السيادية بين الدول.

قد يقول قائل إنه سبق للعديد من الدول، كبيرها وصغيرها، انتهاك ميثاق الأمم المتحدة والخروج على قواعد القانون الدولي، من دون أن يتعرّض أيّ منها للمحاسبة أو يفرض عليها عقاب من أيّ نوع، بل وسبق للولايات المتحدة نفسها أن قامت بغزو عسكري شامل لدولة مستقلة، هي بنما، ألقت خلاله القبض على رئيسها نورييجا ودفعت به عنوة للمثول أمام المحاكم الأميركية التي قضت بسجنه، في سابقة يرى البعض أنها تشبه ما يحدث لفنزويلا ورئيسها في الوقت الراهن.

غير أنني أعتقد أننا إزاء حالتين مختلفتين في السياق والمضمون. فنورييجا هو في الأصل عميل للمخابرات الأميركية، وسبق له التعاون معها قبل أن يحاول التمرّد عليها. وبينما وقع الغزو الأميركي لبنما في وقت كانت الحرب الباردة قد انتهت فعلاً، بسقوط حائط برلين، وكان الاتحاد السوفياتي على شفا الانهيار، وكانت الولايات المتحدة تتهيّأ لقيادة منفردة للنظام الدولي، وكانت الأمم المتحدة لا تزال قادرة على القيام بأدوار مهمة في النظام الدولي، تجلّت بوضوح إبّان أزمة احتلال العراق للكويت في آب/أغسطس 1990، أما الأزمة الفنزويلية الحالية فتجري في سياق دولي مختلف تماماً، حيث تواجه كلّ من الولايات المتحدة والنظام الدولي أزمة مزدوجة ومتزامنة.

فالأزمة التي تواجهها الولايات المتحدة ناجمة عن عجزها عن الاحتفاظ بهيمنتها المنفردة على النظام الدولي، وذلك بسبب تآكل قدرتها التنافسية على الصعيد الاقتصادي وعجزها عن اللحاق بفاعلين آخرين أصبحوا في وضع تنافسي أفضل، أما الأزمة التي يوجهها النظام الدولي فناجمة عن حالة السيولة التي يمرّ بها حالياً، بسبب انشغال كلّ من روسيا والصين بالدفاع عن مجالهما الحيوي، من ناحية، وعجز الأمم المتحدة عن القيام بأدوار تمكّنها من المحافظة على تماسك النظام الذي تشكّل إطاره المؤسسي، من ناحية أخرى.

يدّعي ترامب أنّ ما دفعه لاختطاف مادورو يعود إلى تزعّم الأخير عصابة تتولّى تهريب المخدّرات إلى الولايات المتحدة، ما يعرّض حياة مواطنيها للخطر. وبافتراض صحة هذا الادّعاء، فمن الطبيعي أن نتساءل عن الأسباب التي دفعته لتهديد الرئيسة الحالية لفنزويلا، والتي تتولّى مؤقتاً مقاليد القيادة، وتوعّدها بمصير أسوأ ما لم تستجب لكلّ مطالبه، خصوصاً ما يتعلّق منها بالسماح للشركات الأميركية باستعادة سيطرتها على قطاع النفط في فنزويلا.

ألا يعدّ ذلك دليلاً قاطعاً على كذب ادّعاءاته وكاشفاً للسبب الحقيقي لاختطاف مادورو، ألا وهو عودة الولايات المتحدة للسيطرة على دولة تختزن في جوفها أكبر احتياطي للنفط في العالم، بل وفاضحاً لشعار “أميركا أوّلاً”، الركيزة الأساسية لسياسة ترامب الخارجية، والذي يفصح مضمونه الحقيقي عن سعي حثيث لتمكين الولايات المتحدة من سرقة مقدّرات الشعوب الأخرى أو الاستيلاء عليها بقوة السلاح.

فأميركا، في إدراك ترامب، تقتصر على سكانها البيض البروتستانت المؤمنين بالعقيدة الصهيونية والمدافعين عن “إسرائيل الكبرى”، ويجب أن تكون خالية من كلّ المهاجرين “غير الشرعيّين”، خصوصاً الملوّنين منهم والمسلمين، وقادرة على التحكّم في نوعية المهاجرين القادمين إليها، وساعية للسيطرة على دول الجنوب الغنية بالمعادن النادرة أو التي لديها فوائض مالية كبيرة أو التي تختزن في جوفها مواد أولية ذات قيمة استراتيجية.

صحيح أنّ إدراكه هذا يستند إلى افتراض ضمنيّ مفاده أنّ الطريقة الوحيدة التي تسمح للولايات المتحدة بالفوز في سباق التنافس على قمة النظام الدولي، وربما تمكّنها من العودة إلى الهيمنة المنفردة عليه من جديد، تكمن في قدرتها على تكديس الثروات، وعلى توفير احتياجاتها من المواد الأولية والمعادن النادرة، ولو بالقوة، غير أنّ هذه الفرضيّة تستند بدورها إلى حسابات خاطئة.

فالفوز في سباق التنافس على قمة النظام الدولي يتوقّف على حيوية وجاذبية وإبداع النظام السياسي للدولة المتنافسة، خصوصاً حين يكون قادراً على تعبئة وحشد وإدارة موارد الداخل، البشرية والمادية، والتحوّل إلى نموذج يحتذى في الخارج، ولا يقاس بالقدرة على السيطرة والاستحواذ.

ويوجد إجماع بين الخبراء على أنّ النموذج الأميركي التقليدي فقد بريقه، وأنّ النموذج الذي يطرحه ترامب، من خلال شعار “أميركا أوّلاً”، لا يمكن أن يشكّل بديلاً أكثر فاعليّة، لاحتوائه على تناقضات بنيوية أكثر بكثير مما يختزنه من عناصر الجذب التي تغري بالاقتداء به وتقليده، خصوصاً وأنّ كليهما؛ النموذج التقليدي والنموذج الترامبي، ارتبطا عضوياً بمشروع صهيوني استيطاني عنصري توسّعي لا مستقبل له.

لا شكّ أنّ اختطاف مادورو يؤسّس لمرحلة جديدة في تطوّر النظام الدولي، ليس لأنّ هذا الاختطاف يشي بعودة قانون الغاب كأساس لإدارة العلاقات الدولية فحسب، ولكن أيضاً لأنه جرى في سياق تبدو فيه القوى المتنافسة على قمة النظام الدولي، وهي الولايات المتحدة والصين وروسيا الاتحادية، منشغلة بتأمين مجالها الحيوي أكثر من انشغالها بالبحث عن قواعد جديدة لإدارة نظام دولي تحوّل، وللمرة الأولى في تاريخ البشرية، إلى نظام كوني.

فالولايات المتحدة تبدو في ظلّ الولاية الثانية للرئيس ترامب منشغلة بالهيمنة المنفردة على نصف الكرة الغربي بأكثر بكثير من انشغالها بالهيمنة المنفردة على نظام كوني لم يعد بمقدورها أن تهيمن عليه منفردة.

والصين تبدو مصمّمة ليس على استعادة تايوان إلى حضن الوطن الأم فحسب، وفقاً لصيغة “وطن واحد ونظامان”، ولكن أيضاً على السيطرة على مجال حيوي يشمل: شرق آسيا وغرب المحيط الهادي (بحر الصين الجنوبي والشرقي وسلاسل الجزر وشبه الجزيرة الكورية) كدائرة أولى، وحزام بري قاري (يشمل: كازاخستان، أوزبكستان، تركمانستان قيرغزستان، طاجاكستان) كدائرة ثانية.

أما روسيا الاتحادية فتبدو منشغلة بالحرب مع أوكرانيا، ليس في ذاتها ولكن باعتبارها المدخل الرئيسي لتأمين مجال حيوي واسع يستهدف تحييد دول أوروبا الشرقية وإعادة صياغة العلاقة مع أوروبا الغربية بطريقة تؤدّي إلى نظام مستقر للأمن الإقليمي.

ليس من المستبعد، في سياق ما تقدّم، أن يسعى ترامب قبل نهاية فترة ولايته الحالية لوضع اللبنات الأولى نحو تأسيس نظام دولي ثلاثيّ القطبيّة، تقوده الولايات المتحدة وروسيا والصين، مع تقسيم الجنوب العالمي إلى مناطق نفوذ بين هذه الأقطاب الثلاثة على نحو ما جرى في مؤتمر يالطا عام 1945.

مركز الناطور للدراسات والابحاثFacebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى