د. إبراهيم نوار: صواريخ إيران تسقط أهداف الحرب الإسرائيلية الأمريكية
د. إبراهيم نوار 18-3-2026: صواريخ إيران تسقط أهداف الحرب الإسرائيلية الأمريكية
لم يعد التحالف الإسرائيلي – الأمريكي يأمل في إسقاط النظام الإيراني، ولا دفع إيران للاستسلام. تل أبيب وواشنطن، بدلا من ذلك، تتعاملان حاليا مع الأعراض الجانبية للحرب، التي دخلت أسبوعها الثالث، من دون تحقيق إنجاز استراتيجي طويل المدى، فلا تزال الصواريخ الإيرانية والمسيرات الانتحارية والقنابل العنقودية تهدد إسرائيل والقواعد الأمريكية في الخليج، ولا تزال إيران تحافظ على ما تملك من اليورانيوم المخصب، ولا يزال الحرس الثوري الإيراني قادرا على تجديد إمكاناته البشرية والمادية، التي تؤهله للاستمرار في حكم إيران من دون معاناة تعرقل هذا الاستمرار.
وقد أثبتت تطورات الحرب في النصف الأول من الشهر الحالي، أن إسرائيل والولايات المتحدة والدول الحليفة لها في الخليج تواجه معضلة كبرى في التعامل مع قدرة إيران على المقاومة والرد، ويخضع الدفاع الجوي الإسرائيلي لاختبار صعب للمرة الأولى على الإطلاق. وتعتبر المعضلة بالنسبة لدول الخليج التي تتلقى ضربات متتالية مع استمرار الحرب من دون القدرة على الرد أكثر الآثار الجانبية تكلفة، عسكريا واقتصاديا ومدنيا، كما يعاني العالم كله من تداعيات الحرب في سوق النفط والغاز، مع استمرار تهديد الملاحة في مضيق هرمز، وعجز العالم عن ابتكار صيغة لفتح الممر، وتأمين مرور الإمدادات من مناطق الإنتاج إلى مناطق الاستهلاك.
ورغم الضبابية الراهنة وعدم اليقين الكامل بشأن سيناريوهات اليوم واليوم التالي، فإننا نستطيع رصد ثلاثة ملامح جوهرية للصورة الراهنة بعد أكثر من إسبوعين على اندلاع الحرب.
أولا: سقوط أهم أهداف الحرب:
أقرّ رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، يوم الخميس 12 من الشهر الحالي، بأنه غير متأكد من قدرة الشعب الإيراني على إسقاط نظام الجمهورية الإسلامية، حالما تهيئ إسرائيل والولايات المتحدة الظروف اللازمة لذلك. وقال في أول مؤتمر صحافي له منذ الهجوم الإسرائيلي الأمريكي على إيران: «يمكنك أن تقود شخصا إلى الماء، لكن لا يمكنك إجباره على الشرب». في اليوم التالي قال ترامب إن تغيير النظام في إيران يواجه عقبات كبيرة. وكان ترامب في 7 من الشهر الحالي قد طالب إيران بإعلان الاستسلام التام، وذكر أن لديه قيادات جاهزة لتولي السلطة في طهران، وإن كان يفضل أن تكون القيادة الجديدة من الداخل! وتوقع أن تفوز إيران بمستقبل جيد في ظل القيادة الجديدة. في ذلك الوقت كانت مراكز الأبحاث السياسية المرتبطة بالبيت الأبيض والمجلس اليهودي العالمي في الولايات المتحدة ترسم خرائط لتفتيت إيران إلى أقاليم ودويلات، استعدادا لسقوط الدولة الإيرانية. الآن لا تتعامل تل أبيب وواشنطن مع خطة ما بعد الحرب، ولكن محاولة احتواء تداعيات الحرب نفسها.
وزير الدفاع يسرائيل كاتس (14 من الشهر الحالي) قال، إن الحرب ضد إيران «تتصاعد» وتدخل الآن «مرحلة حاسمة ستستمر ما دام ذلك ضرورياً». وعبر عن اعتقاده بأن «الشعب الإيراني وحده قادر على وضع حد لهذا الصراع من خلال نضال حازم، حتى سقوط النظام (الإرهابي) وإنقاذ إيران». ويعبر كاتس عن تيار الاستمرار في الحرب مهما كان الثمن حتى سقوط النظام القائم في إيران، رغم أن النتيجة الفعلية لمحاولة تغيير النظام هي تشديد قبضة الحرس الثوري الإيراني على السلطة، وإضعاف تيار من يمكن وصفهم بالمعتدلين مثل رئيس الجمهورية مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي. وقد تجسد ذلك في رفض رئيس البرلمان الإيراني قاليباف أي دعوة لوقف إطلاق النار أو الوساطة.
ثانيا: بدء ظهور حالة إرهاق عسكري military fatigue في كل من الولايات المتحدة وإسرائيل:
فقد أفرطت الدولتان في استخدام الأسلحة والذخائر، خلال أول أسبوعين من الحرب على أمل الحسم ووقف إطلاق النار، كما حدث في حرب الـ12 يوما في صيف العام الماضي. ولا يبدو أن القيادات العسكرية في كل من البلدين تملك خطة واضحة لإنهاء الحرب، ما يضع جميع الأطراف والدول الحليفة في حالة من التخبط وعدم الوضوح. جيش الاحتلال الإسرائيلي كما أعلن رئيس الأركان لديه خطة للاستمرار في العمليات لمدة ثلاثة أسابيع فقط، حتى عيد الفصح اليهودي، بينما القوات الأمريكية لا تعرف على وجه التحديد اتجاه العمليات في المرحلة التالية، لأن الرئيس الأحمق الذي يقرر هذه الاتجاه يريد عمليات حربية لغرض التسلية for fun كما وصفها عندما عبر عن رغبته في الاستيلاء على مستودعات تصدير النفط الإيراني في جزيرة «خرج»، مع أن مثل هذه العملية تتطلب وجودا عسكريا على الأرض. وسط حالة الإرهاق العسكري، قامت إيران بإعادة نشر منظومات الصواريخ المتوفرة لديها في كل أنحاء البلاد تقريبا، طبقا لتقدير المخابرات الإسرائيلية. ورغم أن جيش الاحتلال يؤكد أنه تمكن من القضاء على نحو ثلاثة أرباع القوة الصاروخية الإيرانية، منذ نهاية الأسبوع الأول من الحرب، فإن الضربات الصاروخية التي تتلقاها إسرائيل لم تتوقف ولم تهدأ، بل إن حجم ونوعية الأهداف التي ضربتها يشير إلى انتقال نوعي باستخدام صواريخ ذات قدرات تدميرية أكبر مثل، صواريخ «سجيل» الباليستية والصواريخ الفرط صوتية والقنابل العنقودية، إضافة إلى انتقاء أهداف عسكرية واقتصادية أكثر حساسية، ما يضع الدفاع الجوي الإسرائيلي، أمام اختبار حاسم للمرة الأولى في تاريخ الحروب الإسرائيلية في المنطقة، ويسبب ارتباكا يوميا في الجبهة الداخلية الإسرائيلية، حيث يلجأ ملايين السكان إلى الملاجئ الحصينة كل يوم عدة مرات هربا من القصف. هذا الارتباك يعني خسارة ساعات العمل في حالات الهجوم خلال أوقات النهار، كما يعني زيادة معدلات الخوف والقلق في ساعات الليل. في مثل هذه الحالة لا تفيد بيانات السياسيين والعسكرية في محاولة طمأنة السكان.
وعلى العكس من ذلك، أثبتت إيران قدرتها على إعادة بناء منصات إطلاق الصواريخ بسرعة فائقة، إذ تمكنت في غضون ثمانية أشهر تقريبا بعد حرب يونيو الماضي من إعادة بناء عدد من منصات إطلاق الصواريخ، التي دمرها الجيش الإسرائيلي، وتجاوزت هذا العدد بكثير، حيث بلغ عددها نحو 200 منصة، حسب تقدير الجيش الإسرائيلي. وعندما سُئل الجيش عما إذا كانت جميع الهجمات التي شنها على سلسلة الإمداد الأوسع ستمنع إيران فعلاً من إعادة بناء منظومتها الصاروخية الباليستية، أم أنها ستؤدي فقط إلى إضعاف جوانب أخرى من قوتها العسكرية بشكل عام، لم يُقدّم إجابة واضحة. وتتجه القيادة العسكرية الإسرائيلية حاليا إلى تحديد مجرد «أهداف كمية» للحرب مع عدم وجود أي «أهداف عسكرية نوعية» بهدف تخفيض قدرة إيران على الرد، ما يعني أن الحرب قد تستمر، من دون أي تغيير جوهري في ميزان القوى، حيث تستمر إسرائيل في الضرب، وتستمر إيران في الرد. كذلك تنتقي إيران أهدافا نوعية لضربها على الأرض في القواعد العسكرية الأمريكية في دول الخليج. واحدة من أهم هذه العمليات كانت ضرب وتدمير خمس طائرات للتزود بالوقود «محطات وقود طائرة» في ضربة واحدة في 13 من الشهر الحالي في قاعدة الأمير سلطان. هذا غير الطائرة التي سقطت في اليوم السابق في حادث تصادم مع طائرة أخرى ومقتل طاقمها المكون من 6 أفراد. استهداف محطات الوقود الطائرة يقلل قدرة الطيران الإسرائيلي والأمريكي على توجيه ضربات في العمق الإيراني. وطبقا لتقدير «وول ستريت جورنال» فإن الولايات المتحدة خسرت 7 طائرات للتزود بالوقود منذ بدأت هذه الحرب. وعندما تجري طقوس تشييع القتلى الأمريكيين في الحرب، فإن ضجيج الرأي العام سوف يعلو، ما يمثل قيدا على حرية الحركة العسكرية خصوصا مع اقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.
ثالثا: انتشار أضرار الحرب خارج حدود الدول الثلاث المتحاربة وارتفاع التكلفة على وجه الخصوص بالنسبة لدول الخليج العربية:
أخطر التداعيات يتعلق بسوق النفط والطاقة في العالم، بسبب شبه إغلاق مضيق هرمز. وفي هذا السياق تحاول إسرائيل دفع دول الخليج إلى إعلان الحرب على إيران والاستعانة عليها باستخدام مظلة دفاعية إسرائيلية، بعد أن فشلت الولايات المتحدة في تقديم ذلك. تحت هذا الغطاء تتم حاليا في السر اتصالات إسرائيلية – خليجية من أجل بناء تحالف عسكري مشترك، أهمها زيارات رون درمر مبعوث نتنياهو ووزير الشؤون الاستراتيجية السابق لكل من الرياض وأبوظبي في الأيام الأخيرة. أما ترامب فإنه يحاول تشكيل تحالف دولي ضد إيران تحت غطاء مسؤولية الدول المستهلكة للنفط عن تحمل تكلفة تأمين الإمدادات عبر مضيق هرمز، بسبب حرب أمر بها مع نتنياهو ضد إيران. ردود الفعل على الدعوة تتراوح بين الرفض القاطع أو الاستقبال الفاتر من دول حلف الأطلنطي ودول الاتحاد الأوروبي وشرق آسيا.
مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook



