أقلام وأراء

د. إبراهيم نعيرات: وهم سقوط إيران وصعود إسرائيل: قراءة في سردية الهيمنة في الشرق الأوسط

د. إبراهيم نعيرات 8-3-2026: وهم سقوط إيران وصعود إسرائيل: قراءة في سردية الهيمنة في الشرق الأوسط

في كل مرة تتصاعد فيها المواجهة بين إسرائيل وإيران، يعود خطاب سياسي وإعلامي قديم إلى الواجهة: إذا سقطت إيران أو تراجعت قوتها، فإن إسرائيل ستصبح القوة المهيمنة في الشرق الأوسط. تبدو هذه الفكرة للوهلة الأولى منطقية في ظل التفوق العسكري والتكنولوجي الإسرائيلي، والدعم الاستراتيجي الذي تحصل عليه من الولايات المتحدة. لكن التمعن في بنية النظام الإقليمي يكشف أن هذه السردية أقرب إلى الوهم السياسي منها إلى قراءة واقعية لموازين القوى.

الشرق الأوسط تاريخياً لم يكن إقليماً يسمح بهيمنة قوة واحدة لفترة طويلة. فمنذ نهاية الحرب الباردة تشكلت المنطقة حول توازنات متحركة بين قوى إقليمية عدة، أبرزها إيران وتركيا والسعودية وإسرائيل. هذه القوى تختلف في أدواتها: فبعضها يعتمد على الثقل الاقتصادي والديني، وبعضها على القوة العسكرية أو النفوذ الجيوسياسي، لكن أياً منها لم يتمكن من فرض هيمنة شاملة على الإقليم.

في هذا السياق، تمثل إيران حالة خاصة. فالقوة الإيرانية لا تقوم فقط على القدرات العسكرية التقليدية أو البرنامج الصاروخي والنووي، بل أيضاً على شبكة نفوذ إقليمية تمتد عبر حلفاء محليين في عدة ساحات. لذلك فإن الحديث عن “سقوط إيران” كحدث عسكري سريع يتجاهل طبيعة القوة الإيرانية نفسها، التي بُنيت خلال عقود عبر مزيج من السياسة والتحالفات والقدرة على العمل في بيئات إقليمية مضطربة.

في المقابل، لا شك أن إسرائيل تمتلك تفوقاً نوعياً في مجالات التكنولوجيا العسكرية والاستخبارات وسلاح الجو، إضافة إلى تحالفها العميق مع الولايات المتحدة. كما أن التحولات الدبلوماسية التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد اتفاقيات التطبيع مع بعض الدول العربية، عززت حضور إسرائيل السياسي والاقتصادي في الشرق الأوسط. لكن هذا الصعود النسبي لا يعني بالضرورة انتقال المنطقة إلى نظام إقليمي تقوده إسرائيل.

فهناك قيود بنيوية تحول دون ذلك. أولها أن إسرائيل، رغم قوتها العسكرية، تبقى دولة صغيرة نسبياً من حيث المساحة والسكان مقارنة بدول المنطقة. وثانيها أن البيئة السياسية في الشرق الأوسط ما تزال شديدة الحساسية تجاه فكرة الهيمنة الخارجية، ما يجعل أي مشروع للسيطرة الإقليمية محفوفاً بالمقاومة السياسية والشعبية. وثالثها أن القوى الإقليمية الأخرى، وعلى رأسها تركيا والسعودية، لن تقبل بسهولة بفراغ استراتيجي يسمح لقوة واحدة بالسيطرة على التوازنات الإقليمية.

وحتى في السيناريو الافتراضي الذي تخسر فيه إيران الحرب وتخرج من موقعها كقطب إقليمي، فإن إرث نفوذها لن ينتقل تلقائياً إلى طرف واحد. على العكس، من المرجح أن يتحول هذا الإرث إلى مجال تنافس بين عدة قوى إقليمية. فالدول التي بنت سياساتها الأمنية خلال العقود الماضية على مواجهة صعود إيران – مثل إسرائيل وتركيا ومصر والسعودية – ستجد نفسها أمام مساحة أوسع لإعادة التموضع الاستراتيجي وتعزيز حضورها في الساحات التي كانت طهران فاعلاً رئيسياً فيها.

ذلك أن جزءاً كبيراً من تركيز هذه الدول ومواردها كان موجهاً لاحتواء النفوذ الإيراني أو موازنته. وإذا اختل هذا التوازن بخروج إيران أو تراجعها، فإن جميع هذه القوى ستحصد نوعاً من الرصيد الاستراتيجي: موارد عسكرية وسياسية كانت مخصصة للمواجهة قد يعاد توجيهها لتعزيز المكانة الإقليمية، وملفات نفوذ كانت مغلقة نسبياً قد تتحول إلى ساحات تنافس جديدة بينها.

لكن العامل الأكثر أهمية في هذا المشهد قد لا يكون إقليمياً فقط، بل دولياً أيضاً. فعلى الرغم من الحديث المتكرر خلال السنوات الماضية عن احتمال انسحاب الولايات المتحدة التدريجي من الشرق الأوسط، فإن المعطيات الاستراتيجية الأوسع تشير إلى أن واشنطن قد لا تغادر المنطقة بسهولة. فالتحدي الذي تواجهه الولايات المتحدة لم يعد مقتصراً على إيران أو على إدارة الصراعات التقليدية في الشرق الأوسط، بل يرتبط أيضاً بالصعود المتسارع للصين كقوة عالمية منافسة.

ومن هذا المنظور، قد تتحول المنطقة مرة أخرى إلى ساحة مهمة في التنافس بين القوى الكبرى. فوجود موارد طاقة ضخمة، وممرات بحرية استراتيجية، وأسواق مالية واستثمارية ضخمة، يجعل الشرق الأوسط جزءاً مهماً من الحسابات الجيوسياسية المرتبطة بالصعود الصيني.

لذلك من المرجح أن تسعى الولايات المتحدة إلى إعادة صياغة حضورها في المنطقة لا عبر الانسحاب، بل عبر بناء شبكة أوسع من التحالفات الإقليمية. وقد يكون هذا الإطار التحالفي في معظمه عربياً، وربما سنياً في بنيته السياسية، مع الاعتماد على الثقل الاقتصادي الكبير لدول الخليج والدول العربية الكبرى من أجل موازنة النفوذ الصيني المتنامي.

وفي هذا السياق، قد يصبح الشرق الأوسط مسرحاً لتقاطع عدة مستويات من التنافس: تنافس إقليمي بين القوى الكبرى في المنطقة، وتنافس دولي بين الولايات المتحدة والصين، مع حضور روسي يسعى بدوره إلى تثبيت موقعه في المعادلة.

من هنا، فإن تصوير أي حرب محتملة ضد إيران باعتبارها الطريق إلى “شرق أوسط تقوده إسرائيل” يعكس في جانب منه خطاباً سياسياً أو دعائياً أكثر مما يعكس واقعاً استراتيجياً. فحتى لو تعرضت إيران لضربات قاسية أو تراجعت قدرتها العسكرية، فإن ذلك سيؤدي على الأرجح إلى إعادة توزيع النفوذ بين عدة أطراف، وليس إلى ظهور قوة مهيمنة واحدة.

الشرق الأوسط، بحكم تاريخه وتركيبته السياسية والديموغرافية، يميل دائماً إلى التوازنات المعقدة لا إلى الهيمنة المطلقة. ولهذا فإن الحديث عن سقوط إيران وصعود إسرائيل كقوة مهيمنة في الإقليم قد يبدو جذاباً في العناوين الإعلامية، لكنه يظل أقرب إلى الوهم السياسي منه إلى التحليل الواقعي لمستقبل المنطقة.

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى