د. إبراهيم نعيرات: مجلس السلام لغزة: بطة عرجاء ووصفة للفشل

د. إبراهيم نعيرات 2-2-2026: مجلس السلام لغزة: بطة عرجاء ووصفة للفشل
أُعلن عن “مجلس السلام” الذي اقترحه الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب لإعادة إعمار قطاع غزة وتحقيق الاستقرار، وسط زخم سياسي وإعلامي كثيف، بدا للوهلة الأولى وكأنه استجابة دولية لحجم المأساة الإنسانية. غير أن التمعّن في طبيعة هذا المجلس، وخلفياته، ومسار تشكّله، يكشف أنه أقرب إلى تجربة سياسية هشّة ومخادعة، لا تهدف إلى معالجة جذور الصراع، بقدر ما تسعى إلى احتوائه مؤقتًا بما يخدم مصالح الإدارة الأميركية وإسرائيل، وبعض الأنظمة العربية.
الزخم الذي أحاط بالمجلس لم ينبع من شرعية دولية راسخة، ولا من توافق فلسطيني–عربي–دولي، بل من شخصية ترامب نفسها، ومن أسلوبه القائم على الصدمة الإعلامية، ومن رغبة أطراف مختلفة في امتصاص اندفاعه لتحقيق أهداف آنية، في مقدمتها وقف العدوان الإسرائيلي وإنقاذ المدنيين من الكارثة الإنسانية في غزة، مع تأجيل الحديث عن الحقوق والسيادة الفلسطينية إلى وقت لاحق. هذا الرهان على “الحل المؤجَّل” ينطوي على خطورة كبيرة، لأنه يترك غزة مكشوفة للهيمنة الإسرائيلية، ويقوّض قدرة الشعب الفلسطيني على ممارسة حقه في تقرير مصيره، بينما يُستخدم المجلس كواجهة لإدارة الأزمة بدل حلّها.
يعاني المجلس من هشاشة بنيوية لافتة منذ لحظة تعريفه. فقد تحوّل، في فترة وجيزة، من هيئة إدارية انتقالية لإعادة إعمار غزة، إلى كيان دولي فضفاض يُفترض به فضّ النزاعات، دون ارتباط واضح بالقضية الفلسطينية، ودون ضمانات قانونية أو شرعية فلسطينية. هذا التحوّل عزّز الانطباع بأن المجلس ليس سوى أداة سياسية مرنة بيد ترامب، تخضع تفاصيلها لمزاجه وصلاحياته الفردية، حيث يمكن تعديل العضويات والمهام والقرارات كيفما يشاء، كما لو كان يدير مبادرة شخصية لا إطارًا دوليًا محترمًا.
في هذا السياق، يظهر الاحتلال الإسرائيلي شريكًا فاعلًا في “صناعة السلام”، بينما يُقصى الشعب الفلسطيني عن أي موقع قرار حقيقي، ويُختزل حقه في الحرية والسيادة إلى ملف أمني واقتصادي تُدار تفاصيله من فوق، وكأن العدالة مسألة ثانوية يمكن ترحيلها إلى مرحلة لاحقة. وحين يغيب الهدف المعلن بوضوح، لا يصبح المجلس بلا أهداف، بل بلا هدف مُعلَن، وهو فارق جوهري في السياسة، لأن الغموض هنا لا يُستخدم لتسهيل التوافق، بل لتجنّب الالتزام.
ومن زاوية أكثر خطورة، يتحوّل المجلس إلى أداة لإبعاد الأنظار عن حجم الكارثة التي حلّت بغزة، عبر إغراق المشهد بسلسلة لا تنتهي من اللجان والمداولات والخطط والمؤتمرات حول إدارة القطاع وإعادة إعماره. في هذا الإطار، يصبح الزمن نفسه أداة سياسية، تُستنزف خلالها الطاقة الدولية والمحلية في إدارة الشكل بدل معالجة الجوهر، بينما يعيش الفلسطينيون حالة انتظار طويلة ومؤلمة، ويتراجع الاهتمام العالمي تدريجيًا بالقضية، لتتحوّل غزة إلى مساحة يُدار فيها صراع البقاء اليومي، لا مستقبل سياسي واضح.
الدول العربية والسلطة الفلسطينية، رغم سعيها لوقف الحرب وإنقاذ الناس، تجد نفسها مضطرة للتعامل مع واقع مؤقت لا ينسجم مع طموحاتها الوطنية. الأوروبيون يبدون حذرًا، والمانحون الدوليون لم يفرضوا شروطهم بعد، لكنهم، في حال انخراطهم، سيسعون إلى تضمين أي خطة لإعادة الإعمار إشارات إلى الحقوق والسيادة الفلسطينية. وإذا جرى تجاهل هذه الحقوق، فإن المجلس، بصيغته الحالية أو برؤيته الاستثمارية المجردة، سيكون مهددًا بالانهيار.
حتى على الأرض، قد تنجح المشاريع الإنسانية والإغاثية في تحسين بعض الظروف المعيشية أو إعادة تأهيل محدود للبنية التحتية، لكنها تبقى عاجزة عن فرض انسحاب إسرائيلي كامل أو معالجة قضايا السلاح والسيادة، لأن هذه الملفات لا تُحل عبر إدارات انتقالية أو مشاريع اقتصادية، بل من خلال حل سياسي حقيقي يعترف بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.
الأخطر من ذلك هو اختزال القضية الفلسطينية في إدارة أزمة اقتصادية وأمنية، وتحويل مأساة شعب بأكمله إلى مشاريع استثمارية بلا أفق سياسي. ففلسطين، وإن لم تحصل بعد على استقلالها الكامل، فإن شعبها يمتلك سيادة وحقوقًا لا يمكن تجاهلها أو مصادرتها. إن معالجة آثار الاحتلال دون معالجة الاحتلال نفسه لا تصنع سلامًا، بل تؤجّل الانفجار.
في هذا الإطار، تحاول الولايات المتحدة، من خلال “مجلس السلام”، إخراج إسرائيل من المأزق الأخلاقي والسياسي الذي وقعت فيه بعد الحرب، وتخفيف الضغوط الدولية المتصاعدة عليها. فالمجلس يقدّم صورة لجهود إنسانية ودولية، لكنه في جوهره أداة لإدارة الانطباع العام، أكثر منه مسارًا لتحقيق سلام عادل، ما يسمح للإدارة الأميركية بالظهور بمظهر الوسيط الإنساني، دون تحدي مصالح حليفتها الاستراتيجية.
بتقديري، لا يمتلك هذا المجلس مقومات النجاح الحقيقي على الأرض، وإن كان قادرًا على تحقيق أهداف خفية لدى من صاغوه، تتعلق بالسيطرة على مسار إعادة الإعمار وتوجيهه وفق مصالح محددة. وفي أفضل الأحوال، سيبقى “مجلس السلام” بطة عرجاء: كيانًا يحمل اسمًا كبيرًا وصورة رسمية، لكنه يفتقر إلى القدرة والإرادة لفتح الطريق أمام حل يعترف بحقوق الفلسطينيين وسيادتهم.
في نهاية المطاف، يظهر المجلس كأداة مؤقتة لإدارة الغضب الدولي وتخفيف الاحتقان، لا كوسيلة لإنهاء الصراع. وأي إنجاز شكلي أو مرحلي لن يغيّر جوهر الواقع، ولن يمنع انفجار الأزمة مجددًا، لأن الشعوب تمتلك حقوقًا وسيادة لا يمكن التفاوض عليها، حتى في غياب الدولة المستقلة، والاعتراف بهذه الحقيقة هو المدخل الوحيد لأي سلام حقيقي ومستدام.



