أقلام وأراء

د. إبراهيم نعيرات: غزة أولاً من جديد….. والضفة؟

د. إبراهيم نعيرات 26-1-2026: غزة أولاً من جديد….. والضفة؟

غزة في قلب المشهد مرة أخرى، كل الأنظار عليها، بينما الضفة الغربية كأنها غائبة عن الحسابات. “غزة أولًا” ليست مجرد وصف للحرب، بل تذكير بمأزق سياسي متكرر: إنقاذ القطاع بلا ربطه بالضفة يعني إعادة إنتاج صراع مجتزأ، بدل حل شامل.

غزة أولًا، عبارة تعود اليوم بقوة إلى الواجهة، لا بوصفها توصيفًا للحرب وحدها، بل كمدخل سياسي يعيد إلى الأذهان لحظة فلسطينية سابقة لم تُحسم نتائجها حتى الآن. فحين نعود إلى عام 1994، نستذكر إصرار ياسر عرفات على تضمين أريحا إلى جانب غزة في الاتفاق الأول المنبثق عن أوسلو. لم يكن ذلك تفصيلًا جغرافيًا عابرًا، بل تعبيرًا صريحًا عن تخوف عميق من أن يُفتح المسار السياسي من بوابة غزة وحدها، ثم يُغلق قبل أن يصل إلى الضفة الغربية. كان يدرك أن البدء المجتزأ يحمل في داخله خطر التحول إلى نهاية مجتزأة، وأن غزة إذا تُركت وحدها قد تصبح عنوانًا لحل ناقص لا يكتمل.

ذلك التخوف لم يكن نابعًا من تشكيك بالعملية السياسية بحد ذاتها، بل من فهم مبكر لطبيعة المقاربة الإسرائيلية للحل، وهي مقاربة تقوم على تجزئة الجغرافيا، وتفكيك القضية إلى مراحل وملفات منفصلة، يسهل التحكم بها وإدارتها دون الوصول إلى حل شامل. جاءت صيغة غزة أريحا أولًا كمحاولة لكبح هذا المنطق، أو على الأقل لتقييده، وربط القطاع بالضفة منذ اللحظة الأولى. لكن ما كان يُراد له أن يكون بداية مرحلية، تحوّل مع مرور الزمن إلى نمط دائم، حتى أصبحت التجزئة واقعًا سياسيًا وجغرافيًا، لا مجرد احتمال.

اليوم، وبعد ثلاثة عقود تقريبًا، يعود المشهد ذاته ولكن في ظروف أشد قسوة. التركيز ينصب بالكامل على غزة، فيما تُغيَّب الضفة الغربية عن المعادلة السياسية، لا بالرفض العلني، بل بالإهمال المقصود. تُترك الضفة تتأرجح بين تسارع الاستيطان، وتآكل الأرض، وتغييب الأفق السياسي، كأنها مساحة معلقة خارج أي تصور للحل. لا حضور لها في صيغ وقف إطلاق النار، ولا في خرائط ما بعد الحرب، ولا في التصورات التي يجري تداولها حول مستقبل الصراع.

في المقابل، تُحمل غزة اليوم عبئًا مضاعفًا. المطلوب إنقاذها من براثن الحرب، والقلوب ترجف لمجرد هاجس العودة إلى الدمار والموت. المشهد الإنساني الطاغي يجعل كل العيون مشدودة إليها، وكل الأنظار مركّزة على ما سيجري فيها، وكيف ستُدار، ومن سيتحكم بمستقبلها. هذا التركيز مفهوم إنسانيًا، لكنه خطير سياسيًا، لأنه يُعاد إنتاجه دون أي ربط واضح بوحدة القضية والمسار.

في هذا المناخ، تجد السلطة الفلسطينية نفسها مرة أخرى في موقع الدفاع عن النفس. ليست في موقع المبادرة، بل في موقع الساعي لمنع تجاوزها. تُستدعى عند الحاجة، وتُستبعد عند رسم التصورات، ويُعاد التعامل معها كعنوان إداري أو أمني، لا كحامل لمشروع سياسي. وكما في محطات سابقة، يُعاد إنتاج الحل من فوق، دون شراكة حقيقية مع من يفترض أنهم أصحاب القضية.

إسرائيل، من جهتها، ليست مدفوعة إلى البحث عن حل بدافع الرغبة في السلام، بل لأنها باتت مجبرة على الاختيار، أو على الأقل على إدارة هذا الاختيار. فهي اليوم تتعامل مع كيان فلسطيني غير معلن، لكنه متجسد على الأرض كشعب كامل، لا يقل تعداده عن تعداد الإسرائيليين. هذا الواقع الديمغرافي والسياسي يفرض نفسه، ويجعل من استمرار الوضع القائم قرارًا بحد ذاته، لا حالة حياد.

من حيث المبدأ، الخيارات واضحة. إما الضم الكامل، وما يحمله من تبعات قانونية وأخلاقية وديمغرافية، أو منح الفلسطينيين الحرية والسيادة الكاملة. لكن إسرائيل، بسبب هواجسها الأمنية، لا تريد هذا ولا ذاك. لا تريد الضم بثمنه، ولا تريد السيادة الفلسطينية بتداعياتها. وهنا تبدأ المنطقة الرمادية، حيث تُدار السياسة عبر حلول مؤقتة، وترتيبات هجينة، وصيغ لا تقول اسمها الحقيقي.

من هذا المأزق، يبرز ما يسميه نتنياهو واليمين الإسرائيلي تفكيرًا خارج الصندوق. وهو في جوهره بحث عن حل إبداعي بصيغة غير مسبوقة، خصوصًا في الضفة الغربية. لا يجري التركيز على الأرض كوحدة سياسية، بل على التجمعات السكانية. فصل الناس عن الأرض، وإدارة الفلسطينيين كمجموعات بشرية منفصلة، لا كجماعة سياسية ذات حقوق جماعية. حكم ذاتي موسّع هنا، إدارة مدنية هناك، ترتيبات أمنية مشددة في كل مكان، دون سيادة، ودون أفق، ودون حل نهائي.

في هذا الإطار، تصبح غزة مرة أخرى مختبرًا، فيما تتحول الضفة إلى ملف مؤجل، أو إلى ساحة تجريب لصيغ جديدة من إدارة الصراع. وهنا يكمن الخطر الحقيقي، ليس فقط في تجزئة الجغرافيا، بل في إعادة تعريف القضية الفلسطينية نفسها، من قضية تحرر وحق تقرير مصير، إلى مسألة إدارة سكان.

التحذير السياسي هنا لا يحتمل التخفيف. أي مسار يبدأ من غزة، ويتجاهل الضفة، ويتعامل مع الفلسطينيين كأرقام وتجمعات لا ككيان سياسي واحد، هو مسار يعيد إنتاج الصراع بدل حله. غزة تستحق أن تُنقذ من الحرب، نعم، لكن إنقاذها خارج سياق وحدة القضية سيجعلها مرة أخرى بوابة لحل ناقص، يُطلب من الفلسطينيين التعايش معه باعتباره أقصى الممكن.

التاريخ لا يعيد نفسه حرفيًا، لكنه يعيد منطقه بإصرار. وما لم يُكسر منطق الحل المجتزأ، ستبقى الحلقة ذاتها تدور، غزة أولًا، ضفة معلّقة، حلول إبداعية بلا عدالة، وواقع يُفرض ثم يُطلب القبول به. هذه ليست قراءة متشائمة، بل خلاصة تجربة طويلة تقول إن ما لا يُحسم سياسيًا، يُستنزف زمنيًا، حتى يفقد معناه.

مركز الناطور للدراسات والأبحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى