د. إبراهيم نعيرات: حين يغيب الطريق: المجتمع الفلسطيني والسياسة المكسورة
د. إبراهيم نعيرات 9-2-2026: حين يغيب الطريق: المجتمع الفلسطيني والسياسة المكسورة
المشهد السياسي الفلسطيني اليوم يبدو كفضاء ضبابي يصعب الإمساك بأركانه، ليس فقط بسبب تعقيد الواقع الاستعماري المفروض، بل نتيجة تشوّه داخلي عميق تراكم عبر سنوات طويلة من الانقسام والعجز. السياسة، التي يُفترض أن تكون أداة لتنظيم الصراع وتوجيهه وفتح أفق له، تحولت إلى عبء ثقيل على الناس، وفقدت قدرتها على الإقناع وصناعة المعنى، فبدا الشعب كمن يعرف عدوه جيدًا، لكنه لا يرى الطريق إليه. هذا الفقدان للبوصلة لا يعني غياب الوعي أو انطفاء الإرادة، بل يعكس انفصالًا متزايدًا بين التجربة اليومية القاسية للفلسطينيين، وبين الخطاب السياسي الذي يُفترض أنه يمثلهم ويقودهم.
الانقسام لم يعد مجرد خلاف مؤقت أو حدث طارئ يمكن احتواؤه بصفقة أو تسوية داخلية، بل تحوّل إلى بنية راسخة، تُنتج مصالحها الخاصة ولغتها المغلقة، وتعيد إنتاج ذاتها باسم الواقعية تارة، وباسم الضرورة تارة أخرى. ومع مرور الوقت، تآكلت فكرة المشروع الوطني الجامع، وحلّ محلها تعدد روايات متصارعة، تدّعي كل منها امتلاك الحقيقة الكاملة، بينما تعجز جميعها عن تقديم إجابة عملية ومقنعة عن سؤال المستقبل.
ولم يعد الانقسام مقتصرًا على الفصائل أو النخب السياسية فقط، بل امتد إلى المجتمع نفسه. صار الناس لا يعرفون ما العمل، وبماذا يؤمنون سياسيًا، وكيف يمكن الخروج من هذه الحالة المعلّقة. تعددت الأفكار الفردية والتجارب المعزولة، حتى أصبح كل رأي قائمًا بذاته، منفصلًا عن أي مشروع جماعي واضح أو أفق مشترك. في هذا الفراغ، لم تعد السياسة فعل تغيير، بل إدارة أزمة دائمة، ولم يعد الهدف كسر موازين القوى، بل التكيّف معها بأقل الخسائر الممكنة.
في هذا السياق، وجد الاحتلال بيئة مثالية لتعميق سيطرته، لا فقط لأنه يخفف كلفة المواجهة المباشرة، بل لأنه يراقب تفكك المجال السياسي الفلسطيني من الداخل، دون حاجة إلى تدخل دائم أو مكشوف. التفكك هنا لا يُفرض بالقوة وحدها، بل يُنتَج من داخل الواقع الفلسطيني نفسه، عبر غياب المشروع، وتآكل الشرعية، وتحويل السياسة إلى ممارسة منفصلة عن الناس.
الجماهير اليوم بعيدة عن المشاركة السياسية، صامتة أو منسحبة، لكن هذا الانسحاب لا يمكن فهمه بوصفه لا مبالاة أو سلبية. هو تعبير عن إحباط عميق ومتراكم. الشك في جدوى المشاركة في الآليات الديمقراطية بات مفهومًا، لأن الناس لم يعودوا يرون في هذه الآليات أفقًا أو هدفًا واضحًا. حين تتحول الديمقراطية من أداة نضال وتغيير إلى طقس شكلي بلا مضمون، يفقد الفعل السياسي معناه. لم يعد السؤال: من ننتخب؟ بل: لماذا ننتخب؟ وإلى أين يقودنا هذا المسار أصلًا؟
الصورة قاتمة، والإحباط واسع، والأطر السياسية فقدت شرعيتها تدريجيًا. ليس لأن الجماهير قررت نزع هذه الشرعية فجأة، بل لأنها عجزت عن تجديد نفسها، وعن بناء علاقة ثقة حقيقية مع الناس. الشرعية اليوم لم تعد تُستمد من التاريخ وحده، ولا من التضحيات السابقة فقط، بل من القدرة على قراءة الواقع كما هو، وتمثيله بصدق، وتقديم أفق معقول للخروج منه.
ومع تكرار الخيبات، يميل كثير من الناس إلى النجاة الفردية، أو إلى الفعل العفوي غير المنظم، تعبيرًا عن الغضب أكثر مما هو مسار سياسي مستدام. يظهر ذلك في هبّات غير مؤطرة، أو مبادرات محلية محدودة، أو أشكال مقاومة يومية خارج الأطر التقليدية. هذه الأفعال، رغم محدوديتها، تكشف عن أمر مهم: السياسة لم تختفِ من المجتمع، لكنها انسحبت من مؤسساته الرسمية. ومع تعدد الأفكار الفردية داخل المجتمع، صار كل فرد يبحث عن معنى خاص به، في غياب المشروع الجامع القادر على جمع هذه الطاقات وتحويلها إلى قوة منظمة.
ورغم هذا كله، لا يزال الوعي الشعبي حاضرًا. يظهر في المبادرات القاعدية، وفي أشكال التضامن المحلي، وفي قدرة الفلسطينيين الدائمة على إعادة تعريف أنفسهم خارج الأطر الرسمية حين تفشل. خطورة اللحظة الراهنة لا تكمن فقط في قتامة الصورة، بل في الفراغ الذي يتسع مع تآكل الشرعية وغياب المعنى. هذا الفراغ لن يبقى محايدًا؛ إما أن يُملأ بمبادرات جديدة تنبع من المجتمع، تعيد بناء الفعل السياسي على أسس مختلفة، أو يُترك ليستثمره الاحتلال ومشاريع التفكيك والاحتواء.
الخروج من هذا التيه لا يبدأ بالدعوة المجردة إلى المشاركة، ولا بإحياء آليات فقدت روحها، بل بإعادة طرح الأسئلة الكبرى التي جرى تأجيلها طويلًا: ما الهدف المرحلي الممكن اليوم؟ ما شكل المشروع الوطني القابل للحياة في ظل موازين القوى القائمة؟ وكيف يمكن إعادة بناء السياسة كفعل جماعي يعكس مصالح الناس الفعلية، لا كإدارة مغلقة تُمارَس فوق رؤوسهم؟
استعادة البوصلة تتطلب شجاعة في النقد، واعترافًا صريحًا بحجم الانكسار، واستعدادًا للتفكير بصيغ تمثيل جديدة أو مُجدَّدة، تنطلق من الواقع الاجتماعي والسياسي كما هو، لا كما يُراد له أن يكون. قد تكون هذه الصيغ قاعدية، أو عابرة للأطر التقليدية، أو مرتبطة بالمجتمع أكثر من ارتباطها بالمؤسسات، لكنها في جميع الأحوال يجب أن تعيد وصل السياسة بالناس، لا أن تعيد إنتاج القطيعة نفسها بأسماء جديدة.
قد لا يكون الطريق قصيرًا أو واضحًا، لكن استعادة المعنى هي الخطوة الأولى. من دونها، ستبقى الجماهير على هامش السياسة، وستبقى السياسة تدور في فراغها الخاص، بينما يتعمق الشرخ بين الشعب ومن يدّعون تمثيله. الخروج من هذه اللحظة القاتمة ممكن، لكنه مشروط بولادة سياسة تشبه الناس، تعترف بإحباطهم، وتعبّر عنه بصدق، وتحوّله من حالة شلل وانتظار إلى طاقة تأسيس لمسار وطني جديد.
مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook



