د. إبراهيم نعيرات: حين لا تكون الحرب فوضى: من الضغط المحسوب إلى استعادة المبادرة
د. إبراهيم نعيرات 1-4-2026: حين لا تكون الحرب فوضى: من الضغط المحسوب إلى استعادة المبادرة
ليس من السهل إقناع الرأي العام بأن حرباً لا تنتهي بسرعة قد تكون، رغم ذلك، تسير وفق خطة. فالصورة الأكثر رواجاً تفترض أن ما يجري هو انزلاق غير محسوب تقوده قرارات متسرعة من دونالد ترامب. غير أن هناك قراءة أخرى، أقل جاذبية شعبوياً ربما، لكنها أكثر براغماتية في فهم سلوك الدول: ما يبدو فوضى قد يكون، في جوهره، إدارة خشنة لأدوات الضغط، ومحاولة واعية لإعادة التموضع لا مجرد ارتباك في القرار.
فخلال السنوات الأخيرة، وجدت الولايات المتحدة نفسها تتحرك في بيئة دولية مختلفة؛ لم تعد الفاعل الوحيد الذي يحدد الإيقاع، بل طرفاً يتفاعل مع تحولات كبرى، في مقدمتها صعود الصين كمنافس جدي. هذا التحول نقلها، جزئياً، من موقع المبادِر إلى موقع المتلقي. ومن هنا، يصبح استخدام القوة — حتى بشكل محدود — أداة لإعادة قلب المعادلة: من ردّ الفعل إلى الفعل، ومن انتظار خطوات الآخرين إلى فرضهم على التفاعل مع خطواتها.
من هذه الزاوية، لا تبدأ الحكاية بسوء تقدير، بل بإعادة تعريف الهدف. فالمسألة ليست إسقاط النظام في طهران، ولا تكرار سيناريو الغزو الشامل، بل فرض معادلة جديدة: تقليص القدرة، ورفع الكلفة، ودفع الخصم إلى طاولة التفاوض بشروط مختلفة. في هذا السياق، تصبح الضربات الجوية أداة كافية — ليس للحسم، بل لإعادة تشكيل التوازن. فالحروب الحديثة لا تُخاض دائماً لاحتلال الأرض، بل أحياناً لإعادة رسم حدود السلوك، وإجبار الخصم على إعادة حساباته ضمن قواعد جديدة.
هنا تحديداً، يفقد النقد الذي يربط النجاح بضرورة الحسم البري كثيراً من صلابته. صحيح أن تجارب مثل حرب فيتنام أو حتى حرب العراق أثبتت أن القوة الجوية لا تكفي لإسقاط الأنظمة، لكن هذا الاستنتاج يفترض أن إسقاط النظام هو الهدف أصلاً. ماذا لو لم يكن كذلك؟ ماذا لو كان المطلوب فقط هو “تعديل السلوك” لا “تغيير النظام”؟ عندها، لا يعود غياب الحسم دليلاً على الفشل، بل نتيجة طبيعية لاختلاف الهدف.
بهذا المعنى، يصبح الحديث عن “الفشل” مبكراً، لأنه يقيس النتائج على هدف لم يُعلن أساساً، ويتجاهل أن ما يجري قد يكون محاولة لإعادة ضبط التوازن لا كسره، وتحريك الخصم من موقع الفعل إلى موقع ردّ الفعل.
ثم إن فكرة “الانزلاق الحتمي” إلى حرب شاملة تبدو، في هذه القراءة، مبالغة في تقدير فقدان السيطرة. الولايات المتحدة، بخبرتها الطويلة منذ الحرب في أفغانستان، لم تعد تتعامل بخفة مع خيار التدخل البري. كلفة الجيوش على الأرض لم تعد فقط عسكرية، بل سياسية وانتخابية أيضاً. لذلك، فإن تجنب هذا السيناريو ليس عجزاً، بل خياراً واعياً. التصعيد هنا مضبوط الإيقاع، لا مفتوحاً على المجهول، لأنه جزء من إدارة محسوبة للضغط، لا اندفاع نحوه.
الأهم من ذلك أن القوة، في هذا النموذج، ليست بديلاً عن التفاوض، بل مقدمة له. التاريخ الحديث مليء بلحظات لم تبدأ فيها المفاوضات إلا بعد استعراض قوة قاسٍ. الضغط العسكري، في هذه الحالة، ليس هدفاً بحد ذاته، بل لغة تفاوض. كل صاروخ يسقط لا يهدف فقط إلى التدمير، بل إلى إرسال رسالة واضحة: كلفة الرفض أعلى من كلفة القبول، وأن الاستمرار في المسار القائم لم يعد خياراً منخفض الكلفة.
وفي المقابل، يفترض هذا الطرح أن الطرف الآخر ليس فاعلاً حراً بالكامل، بل مقيد بحسابات داخلية وخارجية. فالدولة التي تواجه ضغوطاً اقتصادية، وتوازنات داخلية حساسة، لا تندفع بسهولة نحو حرب شاملة. قدرتها على الرد موجودة، لكنها غالباً ما تكون محكومة بسقف. وهذا السقف هو ما تراهن عليه الاستراتيجية المقابلة: ردٌّ محسوب لا يكسر الخطوط الحمراء، وتصعيدٌ مضبوط لا ينفجر إلى مواجهة مفتوحة، بما يحفظ التوازن دون الانزلاق إلى حرب لا يريدها أحد.
وفي الحالة الأمريكية تحديداً، لا يمكن فصل هذا السلوك عن إدراكٍ راسخ بأن إيران باتت تتحرك وتؤثر في مناطق تُعد تقليدياً ضمن نطاق النفوذ الأمريكي. هذا التمدد — سواء كان سياسياً أو عسكرياً أو عبر وكلاء — يُنظر إليه في واشنطن باعتباره تحدياً مباشراً لا يمكن القبول به على المدى الطويل. فالدول العظمى لا تتعامل فقط مع التهديدات المباشرة، بل مع اختلالات ميزان النفوذ أيضاً. ومن هنا، يصبح الضغط وسيلة لإعادة رسم الحدود غير المعلنة لهذا النفوذ، ومنع تثبيت واقع جديد على حسابها.
وفي المقابل، يبدو أن إيران نفسها قد قرأت هذه النوايا بدقة، وتعاملت معها بقدرٍ عالٍ من الحذر. فهي، رغم امتلاكها أدوات الرد، لم تنزلق إلى التهور، ولم تتصرف بجنون يدفع نحو مواجهة شاملة، بل سعت إلى ضبط ردودها ضمن هامش محسوب. هذا السلوك لا يعكس ضعفاً بقدر ما يعكس فهماً لطبيعة اللحظة: الرد بما يحفظ التوازن ويؤكد القدرة، دون كسر السقف الذي قد يفتح الباب أمام حرب لا يمكن السيطرة عليها.
أما الحديث عن أن بنيامين نتنياهو هو من يدفع الولايات المتحدة إلى الحرب، فيبسط علاقة أعقد بكثير. فالتقاطع في المصالح لا يعني التبعية، والقرار في النهاية تحكمه حسابات أمريكية أوسع: موازين القوى، وأسعار الطاقة، ومكانة الدولة في النظام الدولي. قد تلتقي الرغبات، لكن هذا لا يعني أن أحد الطرفين يقود الآخر، بقدر ما يعكس تلاقي مصالح ضمن سياق استراتيجي أوسع.
في ضوء ذلك كله، تبدو الحرب — أو ما يشبهها — أقل عشوائية مما يُصوَّر. هي ليست طريقاً بلا نهاية، بل مسار ضغط متدرج، قد يتوقف عند حد معين إذا تحققت غايته: تعديل السلوك، لا إسقاط النظام؛ فرض معادلة، لا احتلال عاصمة. وهي، في الوقت ذاته، ليست مجرد إدارة أزمة آنية، بل محاولة أوسع لاستعادة موقع المبادرة في نظام دولي يتشكل من جديد.
وهنا تنقلب الصورة: ما يُقرأ كفشل في الحسم، قد يكون نجاحاً في تجنبه. وما يبدو تردداً، قد يكون في الحقيقة انضباطاً. وبين الفوضى والاستراتيجية، لا يكون الفارق دائماً في ما يحدث على الأرض، بل في كيفية قراءة ما يحدث — وفي الأهداف التي نعتقد أن الحرب تسعى لتحقيقها، وفي ما إذا كانت هذه الحرب، في جوهرها، معركة عسكرية تقليدية، أم أداة لإعادة ترتيب موازين القوة، ونقل الآخرين من موقع الفعل إلى موقع ردّ الفعل.



