أقلام وأراء

د. إبراهيم نعيرات: بين خطاب “إسرائيل الكبرى” وتطبيع الضم في الوعي العربي

د. إبراهيم نعيرات 4-3-2026: بين خطاب “إسرائيل الكبرى” وتطبيع الضم في الوعي العربي

في كل موجة توتر في المنطقة، يعود خطاب “إسرائيل الكبرى” إلى الواجهة لا كتحليل سياسي، بل كحقيقة شبه مقدسة في بعض المنابر. يُقدَّم باعتباره مشروعًا حتميًا لابتلاع الإقليم من النيل إلى الفرات، ويُستدعى كل تصريح متشدد ليُدرج في خانة الدليل القاطع على أن التوسع هو الهدف النهائي. لكن السؤال الذي نادراً ما يُطرح بجدية هو: هل نحن أمام خطة استراتيجية قابلة للتنفيذ، أم أمام سقف أيديولوجي يُستخدم في سياق سياسي تفاوضي؟

القراءة النقدية تفرض علينا التمييز بين الشعارات الكبرى وسقوف التفاوض، بين خطاب التعبئة وسياسات التنفيذ، بين أقصى الطموح وأقصى الممكن.

تاريخيًا، ارتبط مفهوم “إسرائيل الكبرى” بتيارات قومية ودينية داخل إسرائيل، خصوصًا بعد حرب 1967 واحتلال الضفة الغربية وغزة وسيناء والجولان. آنذاك، لم يكن النقاش نظريًا، بل ارتبط مباشرة بإعادة تعريف الجغرافيا والهوية. شخصيات مثل مناحيم بيغن عبّرت بوضوح عن رؤية تعتبر الضفة الغربية جزءًا من “أرض إسرائيل التاريخية”. ومع صعود اليمين في العقود الأخيرة، تعزز هذا الخطاب مع قيادات مثل بنيامين نتنياهو، الذي لم يُخفِ مواقفه بشأن توسيع المستوطنات وفرض السيادة على غور الأردن، وطرح صراحة سيناريوهات لضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية. كما أن تصريحات بعض المسؤولين الأميركيين، مثل مايك هاكابي، التي قلّلت من شأن فكرة الدولة الفلسطينية أو أعادت تعريف الصراع سياسيًا وقانونيًا، أضافت وقودًا إلى هذا التصور التوسعي.

لكن تحويل كل تصريح متشدد إلى خريطة حرب إقليمية شاملة يطرح إشكالية منهجية خطيرة. في علم السياسة، رفع السقف التفاوضي ليس اكتشافًا جديدًا، بل أداة كلاسيكية: تعلن أقصى ما تريد، لتصل في النهاية إلى ما تستطيع تثبيته. حين يُتحدث عن “السيادة الكاملة” أو يُنكر الوجود السياسي لفلسطين، قد لا يكون الهدف إعادة رسم خرائط المنطقة برمتها، بل تثبيت وقائع تدريجية على الأرض في الضفة الغربية — وقائع تصبح بمرور الوقت غير قابلة للعكس.

المفارقة الأكثر إيلامًا أن التهويل المستمر لفكرة “الابتلاع الشامل” قد يخدم — دون قصد — سياسات الضم التدريجي. حين يُضخَّم الخطر إلى مستوى ابتلاع الإقليم بأكمله، يعاد تشكيل سلم الأولويات في الوعي الجمعي. ومع تكرار السيناريوهات القصوى، يتشرب الشارع العربي صورة الكارثة الكبرى حتى تصبح مألوفة، قابلة للتخيل، بل متوقعة. وعندها، إذا طُرح ضمّ الضفة الغربية أو الجزء الأكبر منها، قد يبدو — بالمقارنة — كخسارة “أقل”، كواقع مرّ لكنه ليس النهاية.

هنا تكمن الخطورة الحقيقية: تطبيع الصدمة عبر المقارنة. عندما يُقدَّم الأسوأ بوصفه الاحتمال المرجّح، يصبح الأدنى منه مقبولًا نسبيًا. تتحول المقارنة إلى أداة تكييف نفسي، ويتحوّل الانحدار إلى تدرّج منطقي. وبدل أن يكون ضم فلسطين صدمة سياسية وأخلاقية وقانونية كبرى، يصبح محطة ضمن مسار صُوِّر سلفًا بأنه أكثر ظلمة واتساعًا.

هذا لا يعني إنكار وجود تيارات أيديولوجية تؤمن فعلًا بفكرة التوسع، ولا التقليل من خطورة الاستيطان والضم الجزئي؛ فهذه سياسات واقعية وقابلة للتنفيذ، ولها آثار استراتيجية بعيدة المدى. وأي تغيير أحادي في وضع الأراضي المحتلة يقوّض أسس القانون الدولي ويعمّق مأزق الصراع. لكن الفرق شاسع بين ضم أجزاء من الضفة الغربية — وهو سيناريو طُرح سياسيًا بوضوح — وبين مشروع توسعي يمتد إلى دول عربية مجاورة، وهو طرح يفتقر إلى مقومات القوة الواقعية في النظام الدولي المعاصر وتوازناته المعقدة.

الإشكال أن المبالغة في تصوير المشروع الصهيوني كخطة متكاملة لابتلاع المنطقة قد تحجب النقاش الأهم: كيف نواجه السياسات الفعلية التي تُنفّذ يوميًا؟ كيف نتصدى للخرائط التي تُعاد صياغتها عبر الاستيطان، والقرارات الإدارية، والقوانين، والوقائع الميدانية؟ الانشغال بالخرائط المتخيلة قد يكون — من حيث لا ندري — أفضل خدمة يمكن أن تُقدَّم للخرائط الحقيقية.

المسؤولية الفكرية والإعلامية اليوم ليست في إعادة تدوير السقف الأقصى للخطاب، بل في تفكيكه. ليست في تضخيم السيناريو الكارثي، بل في حماية معيار الرفض ذاته من التآكل. فحين نُقنع أنفسنا بأن الأسوأ قادم لا محالة، نصبح أكثر استعدادًا لقبول ما هو أدنى منه. وحين تصبح الكارثة الكبرى مألوفة في المخيال، تغدو الكارثة الأصغر تسوية معقولة.

عندها، لا تكون الخسارة في الأرض وحدها، بل في الحسّ الأخلاقي والسياسي الذي يحدد ما يُقبل وما يُرفض. ذلك أن أخطر أشكال التراجع لا يحدث دفعة واحدة، بل عبر سلسلة مقارنات تُخفض السقف قليلًا في كل مرة — حتى نجد أنفسنا ندافع عن الحد الأدنى الذي كنا نرفضه بالأمس.

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى