أقلام وأراء

د. إبراهيم نعيرات: العدالة الانتقالية الفلسطينية: مسار للاعتراف بالأخطاء، المصالحة الوطنية، وبناء مستقبل سياسي واجتماعي جامع

د. إبراهيم نعيرات 24-3-2026: العدالة الانتقالية الفلسطينية: مسار للاعتراف بالأخطاء، المصالحة الوطنية، وبناء مستقبل سياسي واجتماعي جامع

تمر فلسطين اليوم بمرحلة حرجة نتيجة تراكم الانقسامات الداخلية وأثر الاحتلال المستمر، مما جعل معالجة آثار الماضي ضرورة وطنية عاجلة. لم يكن الانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة مجرد خلافات سياسية بين الفصائل، بل امتد أثره ليشمل الشعب الفلسطيني بأسره، فقد تأثر المواطنون في حياتهم اليومية، سواء على صعيد الحقوق الفردية والاجتماعية، أو في فرص العمل والتعليم والخدمات الأساسية، كما تراجع مستوى الثقة بالمؤسسات الوطنية. علاوة على ذلك، تأثرت القضية الفلسطينية برمتها، إذ أضعف الانقسام التمثيل الوطني الموحد، وقلل قدرة المجتمع الفلسطيني على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، بما في ذلك السياسات الإسرائيلية، مما أوجد حاجزًا مزدوجًا أمام الوحدة الوطنية والتحرك الدولي الفعال. في هذا السياق، يظهر بوضوح أن الشعب الفلسطيني هو الضحية الحقيقية للانقسام والتراكمات السياسية والاجتماعية، وليس طرفًا واحدًا من الفصائل، ما يجعل العدالة الانتقالية ضرورة وطنية شاملة لاستعادة الوحدة الوطنية والثقة بين المجتمع والدولة.

يمكن الاستفادة من تجارب العدالة الانتقالية التي طبقتها دول أخرى. ففي المغرب، نجحت تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة في تحقيق توازن بين كشف الحقيقة، جبر الضرر، وإصلاح المؤسسات، دون اللجوء إلى محاكمات قضائية واسعة، مما عزز الاستقرار السياسي والعدالة الرمزية للضحايا. أما جنوب إفريقيا، فقد أظهرت تجربة لجنة الحقيقة والمصالحة أهمية مبدأ “الاعتراف مقابل العفو” لتجاوز إرث الفصل العنصري وبناء مجتمع متماسك على أساس المصالحة والاعتراف المتبادل. وتجربة تونس بينت ضرورة وجود إطار قانوني ومؤسساتي واضح لمعالجة انتهاكات الماضي، بينما ركزت رواندا على العدالة المجتمعية والمصالحة المحلية بعد الإبادة الجماعية، مستفيدة من التقاليد المجتمعية لضمان إعادة بناء النسيج الاجتماعي. هذه النماذج تؤكد أن التوازن بين الاعتراف بالخطأ، جبر الضرر، إصلاح المؤسسات، والمصالحة الجماعية هو عامل أساسي في بناء وحدة وطنية مستدامة، ويمكن تكييف هذه الدروس مع خصوصية الواقع الفلسطيني لتعزيز أثرها الإيجابي.

تبرز العدالة الانتقالية الفلسطينية كمسار وطني حيوي يسمح لكل الأطراف السياسية بالاعتراف بأخطائها والتعلم من تجارب الماضي، وتحويل الأخطاء السابقة إلى قاعدة لبناء مستقبل سياسي واجتماعي جامع. المطلوب هو أن تتحمل الفصائل مسؤوليتها في الاعتراف بالخطأ، ليس فقط على مستوى الأفراد، بل على مستوى المؤسسات والمجتمع بأسره، لضمان عدم تكرار الانتهاكات والتجاوزات، وخلق بيئة يمكن فيها إدارة الخلافات السياسية والاجتماعية ضمن حدود القانون والمؤسسات، بعيدًا عن العنف أو الإقصاء. وتكتسب العدالة الانتقالية الفلسطينية بعدًا استراتيجيًا إضافيًا، إذ تمثل أداة لقطع الطريق أمام محاولات الاحتلال لاستغلال الانقسام وإضعاف اللحمة الوطنية، كما تمثل استجابة لمطلب شعبي واسع، يضغط على الفصائل للتعامل بإيجابية مع مسار المصالحة الوطني. فالعودة إلى الشعب عبر الانتخابات وحدها لا تكفي لمعالجة الانقسامات أو إعادة الثقة بين الأطراف، وإذا لم يتم تأسيسها على قاعدة مصالحة وطنية شاملة، فإنها ستفشل في تحقيق التغيير المرجو. أما إذا تم التوافق على هذا المقترح وتطبيقه بجدية، فإن الانتخابات تصبح خطوة فعّالة، مبنية على أساس من الوحدة والمساءلة والشفافية، وتؤسس لمسار ديمقراطي مستقر وقابل للاستدامة.

ويتمثل المقترح التفصيلي للعدالة الانتقالية الفلسطينية في مجموعة من الإجراءات المتكاملة:

بناء التوافق السياسي: عبر اتفاق وطني شامل بين جميع الأطراف على معالجة الماضي والاعتراف بالأخطاء، مع إشراف جهة مستقلة تمثل المجتمع المدني والقوى الوطنية لضمان حياد المسار، وإشراك جميع الفصائل في صياغة خريطة الطريق للمصالحة. هنا يمكن معالجة التحديات السياسية عبر وضع سيناريوهات مرنة لمواجهة المقاومة، مثل إنشاء حوارات ثنائية وفصلية في البداية بين الأطراف الأكثر تحفظًا لضمان مشاركتهم، ثم توسيع نطاق التوافق ليشمل الجميع، مع تقديم ضمانات بأن المسار لن يستخدم لتصفية حسابات سياسية.

إنشاء هيئة الحقيقة والإنصاف الفلسطينية: هيئة مستقلة تضم شخصيات قضائية وحقوقية ومجتمعية، تكلف بتوثيق الانتهاكات والاستماع للضحايا من جميع أنحاء فلسطين، وإعداد تقرير شامل يبني ذاكرة جماعية وطنية تعكس الاعتراف بأن الشعب الفلسطيني كله هو الضحية، ويضمن الاعتراف بالخطأ على المستوى الفردي والجماعي، مع نشر نتائج عملها بشفافية لتعزيز الاعتراف الجماعي. ويمكن تطوير مؤشرات لقياس نجاح الهيئة مثل: عدد الضحايا المستفيدين، مدى رضاهم عن العملية، عدد المبادرات التي تمت بناءً على توصيات الهيئة.

برنامج وطني لجبر الضرر: يتضمن توفير التعويض المادي والاجتماعي والنفسي لكل المتضررين من الانقسام، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي، وإعادة إدماج المتضررين في المؤسسات والوظائف الوطنية، إلى جانب برامج تأهيلية وتدريبية، مع الاعتراف الرسمي بالمتضررين لاستعادة كرامتهم وتعزيز شعورهم بالعدالة.

مقاربة مرنة للمساءلة: تعتمد مبدأ “الاعتراف مقابل التخفيف”، مع التركيز على المسؤولية الأخلاقية والسياسية، وتجنب المحاكمات القضائية الواسعة التي قد تعيق المصالحة الوطنية، لضمان أن يصبح الاعتراف بالخطأ جزءًا من التعلم الجماعي وليس أداة للانقسام. وللتأكيد على التوازن بين العدالة والمصالحة، يمكن وضع إطار يوضح أن المسار يدمج بين العدالة الرمزية، الاعتراف بالضرر، والمسؤولية القانونية المحدودة، بما يمنع تكرار الانتهاكات دون تسييس العدالة.

إصلاح وتوحيد المؤسسات: يشمل إصلاح الأجهزة القضائية والإدارية والأمنية لضمان الشفافية والعدالة، وتعزيز استقلال القضاء والمهنية في الإدارة، ووضع ضوابط واضحة لمنع تكرار الانتهاكات.

إشراك المجتمع في المصالحة: من خلال دعم مبادرات الصلح المحلي والمجتمعي، وإشراك المجتمع المدني والأطر المحلية في إدارة الحوار الوطني، لتعزيز ثقافة الاعتراف والمصالحة والمشاركة المجتمعية، مع ضمان أن يشمل المسار كل شرائح المجتمع المتضررة، بما في ذلك الشباب والمرأة والفئات المهمشة. ويمكن تعزيز ذلك عبر آليات تواصل إعلامية ومجتمعية مستمرة، مثل برامج حوار مفتوحة، منتديات إلكترونية، وحملات إعلامية تفاعلية تتيح للمواطنين المشاركة في صياغة الحلول.

إدارة ملف الاحتلال بشكل موازٍ: عبر توثيق الانتهاكات الإسرائيلية بشكل منهجي عبر المسارات القانونية والدولية، مع فصل هذا الملف عن مسار المصالحة الداخلية لضمان تركيز الجهود على معالجة الانقسامات الداخلية والمصالحة الوطنية.

إدماج الذاكرة في التعليم والإعلام: من خلال تضمين مفاهيم العدالة الانتقالية والاعتراف بالأخطاء والمصالحة في المناهج الدراسية، وإنتاج برامج إعلامية تهدف لتعزيز ثقافة الاعتراف والمساءلة والتسامح بين جميع مكونات المجتمع، ما يساهم في توعية الأجيال الجديدة بقيمة المصالحة والوحدة الوطنية.

آليات متابعة وتنفيذ: لضمان استمرار المسار وعدم الانحراف، تشمل مراقبة تنفيذ توصيات هيئة الحقيقة والإنصاف، وآليات مستقلة لتقييم التقدم، وضمان الفصل بين السلطة السياسية والقضائية. يمكن إضافة مؤشرات تقييم مرحلية لقياس مدى تقدم المسار وفاعليته بشكل دوري.

مرونة زمنية وتدرج في التنفيذ: مع جدول زمني واضح لكل مرحلة من مراحل المصالحة، يسمح بالتقييم الدوري والتعديل حسب النتائج على الأرض.

من المتوقع أن يؤدي هذا المسار إلى أثر متعدد الأبعاد؛ سياسيًا، من خلال تعزيز الوحدة الوطنية، تقليل الانقسام، وزيادة شرعية المؤسسات؛ ومجتمعيًا، عبر استعادة الثقة بين المواطنين، وتعزيز المشاركة المدنية، ونشر ثقافة المصالحة والتسامح على مستوى المجتمع بأكمله؛ وقانونيًا ومؤسساتيًا، من خلال تطوير منظومة العدالة، وتعزيز استقلال القضاء، وتحسين أداء الأجهزة الأمنية والإدارية؛ ودوليًا، عبر تعزيز صورة فلسطين كمجتمع يسعى للحكم الرشيد واحترام حقوق الإنسان، وجذب الدعم الفني والحقوقي؛ وعلى المدى البعيد، من خلال بناء دولة قانون قوية ومستقرة، تقليل احتمالات الصراعات الداخلية، وتمكين المجتمع الفلسطيني من العمل بشكل موحد على مستقبل سياسي واجتماعي شامل يضمن مشاركة الجميع دون إقصاء.

إن هذا النموذج الفلسطيني للعدالة الانتقالية يمثل مسارًا للاعتراف السياسي بالأخطاء والتعلم منها من قبل كل الفصائل، مع وضع الخلافات ضمن حدود القانون والمؤسسات، ومعالجة الضرر الذي طال الشعب الفلسطيني بأسره والقضية الوطنية برمتها. كما يوفر قاعدة صلبة تجعل أي انتخابات مستقبلية مجدية وفعّالة، لأنه يضمن أن التنافس السياسي سيقوم على أرضية من الوحدة والمساءلة والشفافية، وليس على الانقسام أو استغلال الانقسامات السابقة. عبر هذا المسار، تتحول التجارب المؤلمة إلى قاعدة لبناء مستقبل شامل، حيث يُدار الاختلاف السياسي بشكل بناء، ويصبح الاختلاف وسيلة للحوار، لا أداة للصراع أو الانقسام، ليتمكن المجتمع الفلسطيني من استعادة وحدته وقوته، وإطلاق مشروعه الوطني بشكل متماسك ومستدام، مستفيدًا من دروس النماذج الدولية مثل المغرب وجنوب إفريقيا وتونس ورواندا في الاعتراف بالماضي، جبر الضرر، وإصلاح المؤسسات كأساس لأي مصالحة وطنية حقيقية.

 

 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى