أقلام وأراء

د. إبراهيم نعيرات: الحرب لم تضعف إيران… بل قد تمنحها موقعًا جديدًا في العالم

د. إبراهيم نعيرات 8-4-2026: الحرب لم تضعف إيران… بل قد تمنحها موقعًا جديدًا في العالم

بعد مرور شهر على اندلاع الحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، لم تعد هذه المواجهة مجرد حدث عسكري عابر، بل تحوّلت إلى لحظة مفصلية أعادت تشكيل كثير من التصورات التي كانت سائدة قبل اندلاعها، وأعادت رسم الصورة الذهنية عن إيران بالنسبة للعالم.

في بدايات الحرب، كان هناك تصور شبه راسخ لدى كثير من المراقبين والدول بأن إيران، بوصفها دولة شرق أوسطية، قد تواجه مصيرًا مشابهًا لما حدث في العراق أو ليبيا أو سوريا، حيث يؤدي الضغط العسكري المكثف إلى إرباك النظام، ومن ثم تخلخله، وصولًا إلى حالة من الفوضى والانهيار الداخلي. كان الاعتقاد السائد أن مجرد إرباك النظام سيكون كافيًا لدفعه نحو التفكك.

إلا أن الواقع جاء مختلفًا تمامًا. إيران لم تنهار، بل صمدت وأظهرت قدرة واضحة على إدارة الحرب بحكمة، وقراءة خصومها بعناية، والتعامل مع خططهم بذكاء ودون ارتباك. هذا الصمود لم يكن مجرد قدرة عسكرية، بل تحول إلى عامل نفسي وسياسي داخلي وخارجي. داخليًا، تعززت قناعة لدى النظام الإيراني بأنه يقف على أرضية صلبة، وأنه يمثل دولة عصية على الانهزام. ومع استمرار الحرب دون تحقيق اختراق حاسم ضده، بدأت هذه القناعة تترسخ بشكل أكبر.

أما خارجيًا، فقد بدأت ملامح قناعة مشابهة تتشكل—ولو بشكل غير معلن بالكامل—لدى العديد من الأطراف الدولية. فقد أدرك العالم أن إيران ليست مجرد دولة يمكن إخضاعها بسهولة، بل كيان يمتلك مقومات جيوسياسية وعمقًا استراتيجيًا وثقلًا ديموغرافيًا لا يمكن الاستهانة به، ما جعل من فكرة الحسم السريع أمرًا غير واقعي.

في المقابل، دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل هذه الحرب بهدف التفرد باستعراض القوة وفرض معادلة ردع واضحة، كما كانت إسرائيل تسعى إلى جر الولايات المتحدة نحو مواجهة مباشرة مع إيران، ضمن استراتيجية تستهدف تحقيق الحسم السريع على الأرض وفرض الهيمنة. لكن بعد شهر من القتال، يبدو أن النتائج جاءت أكثر تعقيدًا مما كان متوقعًا. فبدلًا من أن تؤدي الحرب إلى إضعاف إيران، فإنها—حتى الآن—ساهمت في تكريس وجودها كقوة إقليمية لا يمكن تجاهلها، وربما كفاعل دولي يفرض نفسه على حسابات الجميع، ويجعل من الضروري على العالم التعامل معها على هذا الأساس.

من هذه المنطلقات، يمكن قراءة تعنّت إيران في مواضيع التهدئة وعدم تجاوبها مع مقترحات الوسطاء، بل وحتى تفاوضها من منطلق أرض صلبة. فكلما استنزفت الولايات المتحدة كلما زاد رصيد إيران الاستراتيجي والسياسي. وفي النهاية، يشبه هذا المشهد إلى حد كبير رعونّة دونالد ترامب وبنيامين نتانياهو في تصرفاتهما وعدم حساباتهما، ما أعطى إيران هامشًا أكبر للتصرف بمرونة وتحقيق مكاسب على الأرض.

يمكن القول الآن إن الاستراتيجية الأمريكية وخططها قد ترتد عليها. فبدلاً من أن تؤدي إلى إضعاف إيران، يبدو أنها قد تجعلها أقوى، من خلال إكسابها بعدًا استراتيجيًا أوسع على المستوى السياسي والدولي، مع أنها ستظل تواجه ضغوطًا عسكرية واقتصادية واقعية. بمعنى آخر، الحرب قد تقلل من قدراتها العسكرية نسبيًا، لكنها تمنحها عمقًا استراتيجيًا أكبر، وصورة دولية لا يمكن تجاهلها، وتضعها على طريق التبوؤ ضمن مراتب الدول الكبرى، وربما تمنحها موقعًا جديدًا في العالم.

انطلاقًا من هذه الطروحات، وفي حال إدراك الولايات المتحدة لهذه الأبعاد لنتائج الحرب، فإن خطورة الانزلاق إلى حرب شاملة تصبح محتملة، لا سيما إذا ترافق ذلك مع تدخل بري مباشر أو استخدام أسلحة غير تقليدية، مع احتمال انضمام حلف الناتو إلى الصراع، إذ لن تسمح دوله بحدوث تصعيد يهدد مصالحها أو استقرار المنطقة، ما يزيد من تعقيد المشهد ويحوّل الصراع إلى مواجهة أوسع.

في هذا السياق، يُظهر الشهر الأول من الحرب أن إيران استطاعت تثبيت نفسها كدولة عصية على الانكسار، وأجبرت الجميع—داخليًا وخارجيًا—على إعادة تقييم موازين القوة في المنطقة. بينما فشلت محاولات الولايات المتحدة وإسرائيل في جرها نحو الانهيار السريع، وبيّن الواقع أن مجرد استخدام القوة العسكرية ضدها لا يضمن النتائج المرجوة.

ومن هنا يمكن القول إن أهداف بنيامين نتانياهو في إعادة تشكيل الشرق الأوسط، وأهداف دونالد ترامب في إعادة صياغة النظام الدولي بما يخدم مصالح الولايات المتحدة، ربما تحققت”ولكن” ليس لصالحهما، بل على العكس. فالصمود الإيراني وما أظهرته الحرب من قدرة على التكيف والإدارة الذكية جعل سيناريوهاً جديدًا ومعاكسا لحساباتهما يتشكل، يثير القلق والرعب لديهما. في النهاية، هذا هو الثمن الطبيعي للتهور وعدم تقدير قوة الخصم واستراتيجياته بعمق.

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى