أقلام وأراء

د. إبراهيم نعيرات: الحرب على إيران: مكسب تكتيكي أم خسارة استراتيجية للعرب؟

د. إبراهيم نعيرات 9-3-2026: الحرب على إيران: مكسب تكتيكي أم خسارة استراتيجية للعرب؟

نادرًا ما ينظر العرب إلى أي حرب تخوضها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط باعتبارها حربًا قد تحمل لهم فائدة استراتيجية مباشرة. فالتجربة التاريخية الممتدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية تشير في الغالب إلى العكس: تدخلات عسكرية تعيد تشكيل التوازنات، لكنها غالبًا ما تترك المنطقة أكثر اضطرابًا وتعقيدًا.

ويصبح الأمر أكثر ندرة عندما يتعلق بعمل عسكري تشارك فيه الولايات المتحدة وإسرائيل معًا. ففي الوعي السياسي العربي يصعب العثور على سابقة واضحة كان فيها قرار مشترك بين واشنطن وتل أبيب يصب بشكل مباشر في مصلحة العرب.

ومع ذلك، فإن الحرب الدائرة اليوم بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تطرح سؤالًا غير مألوف: هل يمكن أن تكون هذه إحدى اللحظات النادرة التي تتقاطع فيها المصالح الأمريكية والإسرائيلية مع مصلحة عربية واضحة؟

لفهم هذا الاحتمال، لا بد من العودة إلى لحظة مفصلية في تاريخ المنطقة: الثورة الإيرانية. فمنذ ذلك التاريخ لم تعد إيران مجرد دولة إقليمية ذات سياسات تقليدية، بل تحولت تدريجيًا إلى مشروع سياسي واستراتيجي يسعى إلى توسيع النفوذ خارج حدوده الوطنية.

وعلى مدى أكثر من أربعة عقود، تمدد هذا النفوذ عبر أدوات متعددة: تحالفات سياسية، جماعات مسلحة، وحضور عسكري غير مباشر في عدد من الساحات العربية، من العراق إلى سوريا ولبنان وصولًا إلى اليمن. وبالنسبة لكثير من الدول العربية، لم يكن ذلك مجرد تنافس طبيعي بين دول متجاورة، بل تحول إلى تحدٍ استراتيجي طويل الأمد غيّر توازن القوى في الشرق الأوسط وفتح أبواب صراعات معقدة.

في هذا السياق، تبدو الحرب الحالية وكأنها تضرب قلب تلك المعادلة. فإذا انتهت بإضعاف القدرات العسكرية الإيرانية أو تقليص مشروعها الإقليمي، فقد يؤدي ذلك إلى إزالة أحد أبرز مصادر التوتر الاستراتيجي الذي ظل يضغط على المنطقة منذ أواخر السبعينيات.

لكن قراءة المشهد بهذه البساطة قد تكون مضللة. فالولايات المتحدة، كما تؤكد أدبيات العلاقات الدولية، لا تتحرك بدافع خدمة الآخرين، بل وفق حسابات دقيقة تتعلق بمصالحها الاستراتيجية: الحفاظ على توازن القوى، منع الخصوم من تهديد نفوذها، وضمان استمرار موقعها القيادي في النظام الدولي.

وهنا تبرز مفارقة أخرى أكثر تعقيدًا. فقد لا تكون إسرائيل وحدها هي المستفيد النهائي من هذه الحرب، بل قد يجد العرب أنفسهم في نهاية المطاف أمام تكلفة استراتيجية أكبر مما يبدو في البداية.

فالتحولات الجيوسياسية الكبرى في العالم اليوم لا تدور فقط حول الشرق الأوسط، بل حول المنافسة المتصاعدة بين الولايات المتحدة والصين على قيادة النظام الدولي. وفي هذا السياق، قد تتحول نتائج الحرب في الشرق الأوسط إلى جزء من ترتيبات أوسع تهدف إلى إعادة تنظيم التحالفات العالمية.

وفي أحد السيناريوهات المحتملة، قد تسعى الولايات المتحدة بعد إضعاف إيران إلى تثبيت نظام إقليمي جديد يربط الدول العربية بشكل أوثق بالاستراتيجية الأمريكية في مواجهة صعود الصين. وقد يتجسد ذلك في ضغوط سياسية أو اقتصادية أو أمنية تحدّ من قدرة الدول العربية على توسيع تعاونها مع بكين.

وهنا قد تظهر معادلة جديدة: إضعاف خصم إقليمي مثل إيران، مقابل تقييد هامش الحركة الاستراتيجية للدول العربية في علاقتها مع القوة الصاعدة في العالم.

فالعديد من الدول العربية اليوم ترتبط بعلاقات اقتصادية متنامية مع الصين، سواء في مجال الطاقة أو البنية التحتية أو التكنولوجيا. وإذا تحولت المنطقة إلى جزء من خط المواجهة في المنافسة الأمريكية الصينية، فقد تجد هذه الدول نفسها مضطرة إلى الاختيار بين شراكاتها الاقتصادية وموقعها في المنظومة الأمنية التي تقودها الولايات المتحدة.

وفي هذه الحالة، قد لا تكون المشكلة في الحرب نفسها، بل في الترتيبات التي قد تأتي بعدها.

أما السيناريو الأسوأ للعرب، فيكمن في احتمال أن تؤدي الحرب إلى نتيجة مزدوجة: تراجع النفوذ الإيراني من جهة، مقابل إدخال المنطقة في معادلة صراع عالمي أكبر بين القوى الكبرى. وفي مثل هذا الوضع قد يصبح العرب طرفًا في مواجهة استراتيجية لا تخصهم بالضرورة، لكنهم يتحملون تبعاتها.

لهذا السبب، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بنتيجة الحرب، بل بالمرحلة التي ستليها. فإذا استطاعت الدول العربية التعامل مع التحولات القادمة بقدر أكبر من التنسيق والرؤية الاستراتيجية، فقد تتحول هذه اللحظة إلى فرصة لإعادة بناء توازن إقليمي أكثر استقرارًا.

أما إذا تُركت ترتيبات ما بعد الحرب لتُصاغ بالكامل من خارج المنطقة، فقد يجد العرب أنفسهم مرة أخرى أمام نظام إقليمي جديد تُحدد قواعده قوى أخرى.

ففي الشرق الأوسط، كثيرًا ما تبدأ التحولات الكبرى بالحرب، لكن آثارها الحقيقية تظهر في النظام الذي يولد بعدها.

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى