أقلام وأراء

د. إبراهيم نعيرات: أهداف الحرب على إيران بين أيدينا… لكنها تبدو ضائعة

د. إبراهيم نعيرات 13-3-2026: أهداف الحرب على إيران بين أيدينا… لكنها تبدو ضائعة

في السابع من أكتوبر، تعرضت إسرائيل لهجوم مفاجئ أعاد الشرق الأوسط إلى دائرة التوترات القصوى. ومن منظور تل أبيب، لم يكن هذا الهجوم مجرد حادثة عابرة، بل امتدادًا لاستراتيجية إيران في المنطقة، التي تمارس استنزافًا طويل المدى عبر وكلائها في غزة ولبنان وسوريا والعراق. كل حركة، كل صاروخ، وكل تهديد يُنظر إليه في إسرائيل على أنه اختبار لجدوى عقيدتها الردعية، حيث يعتبر أي تهديد وجوديًا مبررًا للرد الحاسم والسريع. وقد تجاوز رد إسرائيل حدود العملية العسكرية ليصبح رسالة رمزية وعقابية في الوقت نفسه، تهدف إلى معاقبة إيران على دعم وكلائها، وتأكيد استمرار وجود إسرائيل، وأن أي حلم بالتهديد الوجودي قد انتهى.

هذا الرد الحازم ليس عشوائيًا، بل ينبع من عقلية إسرائيلية محكومة بغريزة البقاء. فالوجود الإسرائيلي محاط ببيئة تاريخية وجغرافية وسياسية صعبة، تعتبرها الدولة بمثابة محيط “طارد بالجوهر”، سواء من حيث التهديدات المباشرة أو البيئة الإقليمية المعادية. ولذلك يُنظر إلى أي تهديد، حتى لو كان محدودًا، باعتباره اختبارًا لبقاء الدولة. ومن هنا تنبع شدة وسرعة الرد الإسرائيلي، فالدولة تتعامل مع كل تهديد كفرصة لترسيخ ردع طويل الأمد، وغريزة البقاء تجعل الاستجابة سريعة وحاسمة أحيانًا، بغض النظر عن التكاليف الإقليمية أو الطويلة المدى. هذا يفسر جزئيًا الفجوة مع الولايات المتحدة، التي تميل إلى رؤية الصراع عبر منظور استراتيجي أوسع وأكثر تحفظًا، بينما تركز إسرائيل على التهديد المباشر والوجودي في اللحظة الراهنة.

في هذا الإطار، انساقت الولايات المتحدة وراء الرغبة الإسرائيلية في الانتقام والردع، ولم تُحضّر أهدافها مسبقًا، ولم تكن مستعدة لحرب بهذا الحجم، لأن الهدف الأساسي كان إسرائيليًا بحتًا، وهو إنزال العقاب بإيران وترك النتائج اللاحقة مفتوحة للتعامل مع الظروف حينها. ومن بين الأهداف الإسرائيلية الأكثر طموحًا وربما الأقل منطقية من منظور الاستراتيجية التقليدية، كانت محاولة إحداث فوضى داخل إيران وتحريك المياه الراكدة. فالنظام الإيراني متحفظ جدًا ويعمل بحذر دون تعريض نفسه للملاحقة المباشرة، ما يجعل أي تدخل خارجي لإحداث اضطراب داخلي صعبًا للغاية. وقد شكلت هذه الرغبة لإسرائيل تحديًا واستفزازًا مغريًا في الوقت ذاته، لأنها توفر وسيلة لإضعاف إيران دون مواجهة مباشرة مع مؤسساتها المتماسكة.

وهنا تتضح فجوة الأهداف بين إسرائيل والولايات المتحدة. فإسرائيل تريد عقابًا سريعًا ورسالة ردعية شاملة، بينما الولايات المتحدة تدرك أن أي محاولة لتغيير النظام الإيراني بالكامل ستتطلب سنوات من التدخل البري، ما يجعل تغيير النظام هدفًا بعيدًا وغير واقعي في المرحلة الحالية. كما أن أسلوب إدارة الصراع الأمريكية يعكس نوعًا من الفوضى المتعمدة أكثر من التخطيط الاستراتيجي الدقيق، إذ تتناقض الرسائل وتتغير التوجهات العسكرية والسياسية بشكل سريع، مما يضع الحلفاء والأسواق في حالة ترقب دائم. في المقابل، توسع إسرائيل نطاق أهدافها لتشمل المنشآت الحيوية للطاقة والقدرات الصاروخية الإيرانية، في محاولة لتعظيم الضغط على النظام، بينما تحاول واشنطن ضبط الوتيرة وتقييد أهدافها لتجنب الانزلاق نحو حرب واسعة غير محسوبة.

كما أن رد إسرائيل لم يقتصر على مواجهة إيران فقط، بل امتد ليحمل رسائل واضحة إلى باقي دول المنطقة. من منظور تل أبيب، كل عملية عسكرية تُرسل إشارة بأن إسرائيل قادرة على حماية نفسها وردع أي تهديد، وأن أي محاولة لإضعافها أو اختبار قدرتها ستقابل برد حاسم وفوري. هذه الرسائل تهدف أيضًا إلى تذكير الحلفاء والخصوم على حد سواء بأن إسرائيل ليست فقط دولة موجودة، بل قوة استراتيجية يمكنها فرض قواعد اللعبة في المنطقة. فالتصعيد في مواقع مختلفة، سواء في غزة أو جنوب لبنان، أو استهداف قدرات إيران الصاروخية والطاقة، لا يُنظر إليه في إسرائيل على أنه مجرد عملية عسكرية، بل كجزء من استراتيجية الردع المستمرة لتجديد الهيبة الإقليمية، والتأكيد على أن أي محاولة للتهديد الوجودي الإسرائيلي هي خط أحمر لا يمكن تجاوزه.

وبالتالي، أصبحت الحرب على إيران ساحة تصادم بين عقيدة الردع الإسرائيلية، وغريزة البقاء التي تحكم كل قرار واستجابة، والفوضى الأمريكية، واستراتيجية الاستنزاف الإيرانية عبر وكلائها في المنطقة. إذ يحمل كل أسبوع احتمالات جديدة من تصعيد غير متوقع أو مفاجآت دبلوماسية أو ردود فعل من إيران عبر وكلائها. وقد يؤدي السيناريو الأكثر طموحًا لإسرائيل، المتمثل في تغيير النظام الإيراني أو خلق فوضى داخلية، إلى فوضى إقليمية عميقة تشمل انهيار الدولة وصراعات داخلية وموجات لجوء كبيرة، بينما السيناريو الأكثر ترجيحًا للولايات المتحدة، مع إدراكها للقيود والنتائج، يقتصر على نصر جزئي وإنزال العقاب، مع التعامل مع النتائج لاحقًا وفق الظروف السائدة.

في النهاية، الحرب على إيران ليست مجرد صراع عسكري، بل هي حرب رمزية للردع انساقت فيها الولايات المتحدة وراء أهداف إسرائيل الانتقامية، مفتوحة النتائج بعد ذلك، وتهدف أيضًا إلى زعزعة استقرار نظام محصن داخليًا. وهي تذكير بأن إسرائيل باقية، وأن أي تهديد وجودي يُقابل برد حاسم، وأن التداعيات الإقليمية والنتائج الطويلة المدى ستُدار وفق المعطيات المتاحة في اللحظة نفسها، ما يجعل الصراع معقدًا ومليئًا بالتناقضات منذ بدايته.

 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى