أقلام وأراء

د. أحمد قنديل: “درع التنين”: هل تنجح الصين في عزل ممرات الطاقة في الشرق الأوسط عن التوترات الإيرانية؟

د. أحمد قنديل * 23-12-2026: “درع التنين”: هل تنجح الصين في عزل ممرات الطاقة في الشرق الأوسط عن التوترات الإيرانية؟

في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب، تتكاثف فيها مؤشرات عدم الاستقرار والتصعيد في منطقة الخليج العربي بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تتحرك الصين بهدوء محسوب، لا بصخب حاملات الطائرات، بل بمنطق إدارة المخاطر الكبرى. فالتنين الصيني، الذي بنى صعوده على فلسفة “السلام عبر التنمية” و”الدبلوماسية الهادئة”، يجد نفسه اليوم أمام اختبار بالغ القسوة لجوهر استراتيجيته في واحدة من أكثر مناطق العالم هشاشةً واشتعالًا.

لقد تأسست المقاربة الصينية في الشرق الأوسط تاريخيًا على قناعة مفادها أن تشابك المصالح الاقتصادية، عبر مبادرة “الحزام والطريق”، كفيل بتحييد الصراعات أو على الأقل تخفيف حدتها. غير أن التحولات المتسارعة في البيئة الإقليمية، وتصاعد احتمالات المواجهة العسكرية حول إيران، كشفت حدود هذه الفرضية. فمع مرور أكثر من خُمس واردات الصين النفطية عبر مضيق هرمز، لم يعد الحياد ترفًا سياسيًا، بل بات مخاطرة اقتصادية مباشرة تمس قلب “الأمن القومي الاقتصادي” الصيني.

هنا تبرز ما تسميه الدوائر الصينية بـ”معضلة هرمز”. فأي إغلاق أو اضطراب واسع في هذا المضيق يعني شللًا فوريًا لما يقرب من 40% من تدفقات الطاقة إلى الصين، وهو سيناريو لا يمكن لبكين تحمله، ومن ثم، لم يعد السؤال هو ما إذا كانت الصين ستتحرك، بل كيف ستفعل ذلك دون الوقوع في فخ التحالفات العسكرية المباشرة التي لطالما تجنبتها.

من التنمية إلى الأمن الوقائي

استجابةً لهذا المأزق، شرعت بكين منذ مطلع عام 2026 في بلورة مقاربة أكثر تعقيدًا، يمكن وصفها بأنها انتقال تدريجي من “السلام عبر التنمية” إلى “الأمن الوقائي”. وهذه المقاربة لا تتجسد في درع واحد صلب، بل في بناء مركب ثلاثي المسارات، يسعى إلى تحييد سلاسل الإمداد الحيوية عن تقلبات الجغرافيا السياسية، دون رفع العلم الصيني فوق الممرات المشتعلة.

المسار الأول هو المسار الدبلوماسي، القائم على لعبة توازن دقيقة بين إيران ودول الخليج العربية. فمن جهة، تستخدم الصين شراكتها الاستراتيجية مع طهران كورقة ضغط ناعمة عليها، لإيصال رسالة واضحة مفادها أن تهديد الملاحة في مضيق هرمز يمس المصالح الصينية مباشرة. ومن جهة أخرى، تقدم نفسها لعواصم الدول الخليجية كقوة “عاقلة” قادرة على لعب دور الضامن غير المعلن للاستقرار. غير أن فاعلية هذا المسار تظل رهينة بعوامل داخلية إيرانية شديدة الهشاشة. إذ قد تدفع الضغوط الاقتصادية والاحتجاجات الاجتماعية الواسعة النظام في طهران إلى استخدام ورقة تهديد الملاحة البحرية كملاذ أخير لتصدير أزماته.

أما المسار الثاني لبكين في درعها للدفاع عن مصالحها الوطنية، فهو المسار التكنولوجي-الأمني، الذي يعكس تفضيل بكين للأدوات غير المباشرة. فبدلًا من الانخراط العسكري المباشر، تعمل الصين على تصدير قدراتها في مجالات المراقبة والإنذار المبكر، بما في ذلك الطائرات المسيّرة (من طرازWJ-700) وأنظمة الاستشعار البحري، بهدف خلق “وعي بحري” إقليمي يوفر مظلة وقائية للسفن التجارية الصينية، دون رفع علم الصين فوقها، ومن دون أن تتحمل بكين كلفة الوجود العسكري العلني. لكن هذا المسار يحمل في طياته أيضا تناقضًا خطيرًا، يتمثل في تعمق التعاون العسكري الصيني-الإيراني. فبعد حربها مع إسرائيل والولايات المتحدة في حرب الإثنى عشرة يومًا في عام 2025، تسعى إيران لتعويض ثغرات دفاعها الجوي بأنظمة صينية مثل HQ-9. وتخشى بكين أن تقوم طهران بنقل تقنيات صينية متقدمة (كالصواريخ المضادة للسفن) إلى وكلائها في المنطقة، خاصة إلى الحوثيين في اليمن، وبالتالي تقويض الاستقرار الذي تبحث عنه الصين ذاتها.

المسار الثالث في “درع التنين” هو مسار تنويع البدائل، سواء عبر تسريع تطوير الممرات البرية في آسيا الوسطى، أو عبر تقليص الاعتماد الهيكلي على النفط المستورد من خلال الاستثمار المكثف في كفاءة الطاقة والتحول الطاقوي داخليًا. وفي هذا الإطار، تعكس المعايير الوطنية الجديدة التي أطلقتها الصين في مجالات الاستدامة والطاقة محاولة استراتيجية لتقليل الحساسية للصدمات الخارجية على المدى المتوسط والطويل.

مصر في صلب المعادلة الصينية

ضمن هذا البناء المركب في “الدرع الصيني”، تبرز مصر بوصفها حجر الزاوية في الرؤية الصينية للأمن البحري والتجاري. فبينما يمثل مضيق هرمز بوابة الطاقة، تشكل قناة السويس ومحور البحر الأحمر شريان الحياة للتجارة الصينية المتجهة إلى أوروبا وأفريقيا. ومن منظور بكين، فإن استقرار مصر وقدرتها على فرض سيطرة سيادية فعالة على هذه الممرات لا يمثلان مصلحة مصرية أو إقليمية فحسب، بل ضرورة استراتيجية للأمن القومي الصيني ذاته.

ولهذا السبب، لا تُفهم الاستثمارات الصينية المتنامية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، ولا التطور اللافت في التعاون العسكري والتقني بين القاهرة وبكين، بوصفها ترتيبات اقتصادية وعسكرية تقليدية، بل باعتبارها “رهانًا استراتيجيًا” على دور مصر كمرساة للاستقرار العالمي والإقليمي في لحظة سيولة جيوسياسية غير مسبوقة. فقناة السويس، من وجهة نظر بكين، ربما تكون قد تحولت من مجرد ممر تجاري عالمي إلى عنصر بنيوي في سعي الصين لتقليص اعتمادها على المسارات الخاضعة للهيمنة الغربية.

ومن ناحيتها، تنسجم هذه الرؤية من جانب الصين مع التوجه المصري الطموح لتعزيز مكانتها كمركز إقليمي للطاقة والخدمات اللوجستية، والذي تجلى مؤخرًا في توقيع صفقات للطاقة المتجددة بقيمة ١.٨ مليار دولار، وتصدير أول شحنة غاز مسال في عام ٢٠٢٦ إلى كندا، مما يعكس تنامي الدور المصري في أسواق الطاقة العالمية.

حدود “درع التنين” ومآزقه

رغم هذا البناء المتعدد، تظل استراتيجية “درع التنين” محاطة بتحديات تتجاوز قدرة بكين على التحكم الكامل. في مقدمة هذه التحديات استمرار الاعتماد غير المعلن على الوجود العسكري الأمريكي في الخليج (خاصة الأسطول الخامس) كضامن نهائي لحرية الملاحة. فالصين تستفيد من هذا الواقع، لكنها في الوقت ذاته تظل رهينة لتقلبات الإرادة السياسية الأمريكية.

ويضاف إلى ذلك صعود أدوار أوروبية مستقلة نسبيًا في البحر الأحمر (مثل “عملية “أسبيديس”)، ما يخلق بيئة أمنية أكثر ازدحامًا، قد تقيد لاحقًا قدرة الصين على فرض تصوراتها الخاصة حول أمن الممرات.

وعلى مستوى أعمق، تظل إيران نفسها عامل عدم يقين مركزيًا. فالأزمة الاقتصادية الخانقة، والتآكل الداخلي المتزايد، قد يدفعان النظام الإيراني إلى خيارات تصعيدية في المنطقة لا تنسجم مع الحسابات الصينية الباردة.

وهنا قد يتجلى المأزق الحقيقي لبكين. فالتدخل العسكري المباشر، للحفاظ على مصالحها الاقتصادية الحيوية، يقوض عقيدتها التاريخية في عدم التدخل، بينما الاكتفاء بالمشاهدة يهدد بتكلفة اقتصادية باهظة قد تمس أسس “الحلم الصيني. ومن ثم، تراهن الصين على مفهوم “الأمن التعاوني”، عبر نسج شبكة مصالح مع القوى الإقليمية المستقرة، وفي مقدمتها مصر والسعودية، لتكوين كتلة واسعة من المستفيدين من الاستقرار، وقادرة على ممارسة ضغط جماعي على أطراف الصراع.

بين مطرقة الجغرافيا وسندان المصالح

في المحصلة، لا تريد الصين (وربما لا تستطيع أيضا) أن تخوض حروب الآخرين، لكنها في الوقت نفسه لن تقبل بأن تُطفأ أنوار مصانعها بسبب صراع بعيد جغرافيًا وقريب استراتيجيًا. وفي هذا السياق، سيعتمد نجاح “درع التنين” لحماية المصالح الصينية في منطقة الشرق الاوسط والخليج العربي، في جوهره، على قدرة بكين على إدارة تناقضاتها، المتمثلة، من جهة، في ضرورة كبح طموحات إيران المزعزعة للاستقرار، دون خسارتها كشريك، ومن جهة أخرى، تعميق شراكاتها مع القاهرة والرياض، دون الانزلاق إلى محاور عسكرية صلبة.

وبالنسبة لمصر، يفتح هذا التحول نافذة تاريخية لتعزيز دورها كحارس للممرات الحيوية، وكمركز إقليمي للطاقة والخدمات اللوجستية، مع الاستفادة من نقل تكنولوجي نوعي يعزز من قدراتها السيادية على قناة السويس، خاصة فيما يتعلق بمجالات الرصد والدفاع الجوي. وفي هذه المعادلة المعقدة، تبدو القاهرة، بوزنها الجيوستراتيجي وتوازن علاقاتها، الشريك الأكثر موثوقية في نظر بكين لضمان ألا تتحول أزمات الممرات البحرية إلى “حريق عالمي”.

أما ما إذا كان “رهان التنين” سينجح في الحفاظ على أمنها الاقتصادي القومي، فذلك سؤال ستجيب عنه تفاعلات أطراف متعددة. من واشنطن وطهران، إلى الشوارع الإيرانية المضطربة، وصولًا إلى سفن الدوريات العاملة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب ومضيق هرمز. لكن المؤكد أن هذه اللعبة، بكل تناقضاتها، تمثل واحدة من أخطر وأعقد رهانات السياسة الدولية في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين.

*رئيس وحدة العلاقات الدولية ورئيس برنامج دراسات الطاقة – مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيحية

 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى