حسن عصفور: هل لا تزال إسرائيل عدو مركزي..؟!

حسن عصفور 9-2-2026: هل لا تزال إسرائيل عدو مركزي..؟!
السؤال ليس من باب الدعابة، لكنه من واقع المشهد السياسي الإقليمي، الذي تكون ويتكون منذ توقيع اتفاقات إبراهيم 2020، وصولا لمؤامرة 7 أكتوبر 2023 وما أنتجه تطورات إقليمية خارج الممكن العقلي عربيا قبل سنوات..
بعد حرب الخليج وتحرير الكويت من “الغزوة العراقية الحمقاء”، وفي ظل انهيار نظام عالمي مع تفكك المنظومة الاشتراكية، تفردت الولايات المتحدة بحركة القرار الدولي والإقليمي، وسارعت بالعمل عل ترسيخ ذلك عبر واقع سياسي جديد لفرض دولة الاحتلال كجزء من “المنطقة”، بتصميم ما عرف مؤتمر مدريد – واشنطن 1990/1991، بمساريه “متعدد الأطراف” “و”الثنائي”.
القضية المركزية التي حكمت الموقف الأمريكي انطلقت من قاعدة، فتح الباب واسعا لدولة الكيان الاحتلالي إقليميا، مقابل تقزيم الوجود الفلسطيني وتمثيله، عبر حصار منظمة التحرير ومكانة القدس، باعتبارها حجر الزاوية المقدس في الحل الوطني العام.
وخلافا لكل ما كان سائدا، بأن الفلسطيني كان جزءا من “الهزيمة” فالانتفاضة الوطنية الكبرى، وقفت جدارا راسخا لكسر المحاولة الأمريكية وبعض العربية، فكانت القوة التي فرضت المعادلة الأهم استراتيجيا، عندما فتحت حكومة رابين قناة تفاوضية مع منظمة التحرير وقائدها الخالد ياسر عرفات، ديسمبر 1992، أدت لاحقا لتوقيع أول اتفاق متوازن بين حكومة إسرائيلية ومنظمة التحرير (اتفاق إعلان المبادئ 1993)، الذي أقر بفلسطنة أرض الضفة الغربية والقدس ووحدتها الجغرافية.
كان توقيع الاتفاق صدمة كبرى لاستراتيجية أمريكا، وخاصة يهودها، مع غالبية المكون السياسي في دولة الاحتلال، الذين رأوه ضربا لقلب المشروع التوراتي، فبدأت حركة التآمر لتطويقه ومنع الذهاب بعيدا في بناء الكيان الفلسطيني الأول، واستخدمت واشنطن كل أسلحتها لتحقيق الهدف، حتى وصلت عبر يهود براك – شارون لتدمير مقوماتها واغتيال مؤسسها، بعدما اغتالوا رابين موقع الاتفاق.
خلال سنوات قليلة نجحت أمريكا ودولة الاحتلال بكسر المبدأ الرئيسي في اتفاق إعلان المبادئ، وحدة الضفة وقطاع غزة عبر صناعة انقلاب حماس يونيو 2007، وتسارع حركة التهويد في الضفة والقدس لفرض واقع ديمغرافي قبل القانوني لمنع قيام كيان وطني موحد للشعب الفلسطيني، باعتباره العقبة المركزية أمام “نمو المشروع التهويدي العام”.
مارس 2002 أطلقت قمة بيروت ما عرف بمبادرة السلام العربية، حددت عناصر أي اتفاق مع دولة الاحتلال، مركزيته فلسطين، لكن أمريكا ودولة الاحتلال استخفوا بتلك المبادرة، كونهم يدركون جوهر الموقف الرسمي العربي، خاصة وأن أطراف القمة صمتت إن لم نقل غير ذلك، على حرب تدمير الكيان الفلسطيني الأول واغتيال مؤسسه، وأنها لم تحصن تلك المبادرة بعناصر القوة التي تضعها قيد الاعتبار، فبدت وكأنها مفتاح خاص لمسار تطبيعي جديد.
عام 2020 كان الاختراق الكبير في جسد الموقف الرسمي العربي، عندما أقدمت دول عربية (المغرب، الإمارات والبحرين) على توقيع ما عرف باسم “اتفاقات إبراهيم”، دول لا يوجد لها حدود أو قضايا مع دولة الكيان، وجاء التوقيع دون أي ثمن مقابل، رغم أنه كان لها تسجل كثيرا من المكاسب السياسية لفلسطين.
الاختراق التطبيعي الكبير، كسر أهم جدار في مواجهة دولة الكيان لتبدأ رحلة وضع قدمها في الخليج والمغرب، وخلال سنوات حققت كثيرا مما رغبت، خاصة وأن التطبيع لم يكن رسميا فقط، بل أصبح شاملا وتحديدا شعبيا، وهو الذي لا زال في مصر والأردن عقبة كبرى أمام دولة الاحتلال.
بعد مؤامرة 7 أكتوبر 2023، ودور الحركة المتأسلمة في تعبيد الطريق لدولة العدو لشن حرب إبادة شاملة ضد الفلسطيني، تدميرا وخرابا وقتلا في قطاع غزة وتهويدا وإذابة في الضفة والقدس، لم تتخذ الرسمية العربية، أي خطوات ممكن الإشارة لها بأنها عقابية، واستبدل البعض ذلك بحركات التفافية، بين لغة صارخة ولجان تتحرك، ومساعدات إغاثية، دون أي مساس بالعقاب الجوهري، من تعليق العلاقات معها، ووقف كل مظاهر التطبيع، بل ما حدث عكس ذلك من البعض العربي، توسعت العلاقات بشكل غير مسبوق.
نظريا، كان لحرب الإبادة أن تكون دافعا لمحاصرة دولة العدو، بالتوازي مع انطلاق أوسع حركة تضامن شعبية في العالم غير العربي، وبدأت دول عديدة وتحديدا في أوروبا باتخاذ خطوات عقابية، لكن المفاجأة أن دولة العدو أصبحت “لاعبا إقليميا”، ووضعت قدمها العسكري الأمني في دول عربية.
وفقا لمجمل تطورات المشهد العربي، ما بعد مؤامرة 7 أكتوبر 2023، هل لا تزال إسرائيل عدو للرسمية العربية، وهل فلسطين حقا هي قضية العرب المركزية، أم ربما المعادلة باتت مقلوبة..ذلك هو السؤال؟!.



