ترجمات أجنبية

جيوبوليتيكال فيوتشرز – مأزق السياسة الإسرائيلية

جيوبوليتيكال فيوتشرز  –  جاكوب ل. شابيرو* –  21/9/2019

أسفرت الانتخابات البرلمانية التي أجريت يوم الثلاثاء الماضي في إسرائيل عن نتيجة غير مألوفة وجديرة بالملاحظة: لقد خسر الجميع، بمن فيهم بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الأطول خدمة في تاريخ البلد. ولم تتمكن كتلته الدينية المحافظة ولا حزب “أزرق-أبيض” المائل قليلاً إلى اليسار الذي يقوده منافسه الأساسي، القائد السابق للجيش الإسرائيلي، بيني غانتز، من تأمين الدعم الكافي لتشكيل أغلبية. ويستطيع أفيغدور ليبرمان، رئيس حزب “إسرائيل بيتنا”، حليف نتنياهو ذات مرة وصانع الملوك الحالي، منح أغلبية لشاغل المنصب الحالي إذا أراد ذلك، لكنه يبدو عاقد العزم على إبقائه هو وشركاؤه المتدينون خارج السلطة.

عرض نتنياهو التفاوض مع غانتس وليبرمان حول تشكيل حكومة وحدة وطنية محتملة، والتي ستشمل رئاسة وزراء مشتركة مثل حكومة شيمون بيريز واسحق شامير بعد انتخابات العام 1984، لكن غانتس غير مهتم، وقد أعرب مرة أخرى عن التزامه يوم الخميس بتشكيل “حكومة وحدة واسعة وليبرالية”. وفي حديث إلى الصحافة، صرح يائير لابيد، الثاني بعده في القيادة، والساعي السابق إلى رئاسة الوزراء، بأن غانتس سيقوم بتشكيل هذه الحكومة حالما يتنحى نتنياهو عن منصبه. وباختصار، سوف يعتمد ما إذا كانت إسرائيل ستختبر إجراء انتخابات ثالثة هذا العام أم لا على الحدث غير المرجح المتمثل في تخلي نتنياهو عن السلطة أو إجباره على التنحي كزعيم لحزب الليكود.

من الصعب رؤية مَخرج من هذا المأزق. وقد أبرم نتنياهو بالفعل اتفاقية مع الأحزاب الدينية “شاس” و”التوراة اليهودية الموحدة” وحزب يمينا اليميني المتطرف للتفاوض ككتلة واحدة. ومن المعروف عن ليبرمان أنه علماني، وقد تعهد بعدم المشاركة في حكومة تشمل هذه الأحزاب كأعضاء أيضاً. ومع ذلك، يبقى ليبرمان من الصقور المعروفين، وخاصة تجاه العرب الإسرائيليين. وقال مسبقاً إنه سيرفض المشاركة في أي حكومة يكون للعرب فيها مقعد على الطاولة، وهو ما يضمن تماماً أن لا يكون غانتس قادراً على تشكيل حكومة بدوره أيضاً.

أظهرت نتائج الانتخابات الأخيرة وجود قوتين محليتين قويتين تقسمان الناخبين الإسرائيليين على أسس دينية وعرقية. ويتزايد الانقسام الديني-العلماني التوازي مع ارتفاع ديمغرافي في النسبة المئوية للإسرائيليين المتدينين، الذين حافظ دعمهم على بقاء نتنياهو في السلطة لسنوات عديدة -ولوأن ذلك كان على حد الموسى. ومع ذلك، فإن ادعاءات الفساد والاتهامات المعلقة فوق رأس نتنياهو، فضلاً عن ارتفاع نسبة الإقبال على التصويت بين شرائح الناخبين المعارضين له، عملت بالتدريج على تآكل تحالف الأغلبية الذي شكله.

كما أن القسمة العربية-اليهودية أصبحت أكثر وضوحاً أيضاً. وقد خاضت ثلاثة أحزاب عربية، والتي تمثل 20 % من الإسرائيليين العرب أو نحو ذلك، هذه الجولة الأخيرة من الانتخابات “كقائمة مشتركة”، وحصلت على 13 مقعداً في الكنيست (مرتفعة من 10 مقاعد في الانتخابات السابقة). وقد لا يكون هذا العدد كبيراً إلى حد مهم، ولكن في مثل هذه البيئة السياسية المنقسمة، يمكن أن تكون ثلاثة مقاعد هي الفرق بين تشكيل ائتلاف أغلبية وإجراء انتخابات جديدة. ومن غير الواضح (وإنما من غير المرجح إلى حد كبير) أن يشكل غانتس حكومة مع العرب (أو أنهم سيشاركون في حكومة معه)؛ ولم تضمهم أي حكومة إسرائيلية سابقة، ولن تفعل حكومة جديدة يقطُرها ليبرمان ذلك أيضاً. ولن يؤدي تجاهل 20 في المائة من السكان فعلياً إلا إلى زيادة حدة الجمود وتعميق المأزق، كما كان واقع الحال على مدار السنوات القليلة الماضية. ومن ناحية أخرى، إذا تمكن غانتس من تجميع حكومة وحدة مع الليكود، وإذا صمدت الوحدة السياسية للعرب الإسرائيليين، فإن الطرف العربي يمكن أن يكون قائد المعارضة لأول مرة في تاريخ إسرائيل. وفي هذا الكثير من “إذا”، ولكن حتى الفرصة البعيدة لحدوث ذلك تؤكد زيادة في القوة السياسية للعرب في إسرائيل.

في كلتا الحالتين، من المرجح أن لا يتغير الكثير على مستوى السياسة الخارجية. إذا بقي نتنياهو في السلطة، فلن يتغير شيء. وإذا حل غانتس محله، فإنه قد يكون مختلفاً في الأسلوب إن لم يكن في الجوهر. وفي الأسابيع التي سبقت الانتخابات، احتل نتنياهو عناوين الصحف من خلال وعده بضم “المنطقة ج”، وهي ذلك الجزء من الضفة الغربية الذي يشمل وادي الأردن. ومع ذلك، كان غانتس قد قال في تموز (يوليو) إن وادي الأردن “سوف يبقى دائماً تحت السيطرة (الإسرائيلية)”. وقارن البعض غانتس بالأسطورة السياسية الإسرائيلية إسحاق رابين، الذي قام أيضاً بنفس القفزة من قيادة الجيش إلى رئاسة الوزراء. وقد تصادم عضو القائمة المشتركة، أيمن عودة، مع البعض من ناخبيه حتى لمجرد التفكير في التوصية بغانتس للمنصب، وهو شيء لم يفعله أي حزب عربي منذ رابين.

ربما يكون في غانتس بعض من “رابين”، من حيث كونه رجلاً عسكرياً سابقاً دخل معترك السياسة، لكنه يشكل بالكاد الوريث الأيديولوجي لسياسات رابين. كان حزب العمل، الذي قاده رابين، قد حصل على 6 مقاعد فقط في الكنيست في الانتخابات. وإذا أصبح غانتس رئيساً للوزراء، فإنه سيأتي إلى بيئة سياسية مختلفة تماماً -واحدة أقل ملاءمة بكثير لإجراء محادثات سلام فلسطينية. وسوف تكون أمامه قضايا أمنية أكبر على طبقه، بالتحديد الإبقاء على غزة هادئة، ومكافحة قوة حزب الله المتنامية في لبنان، والحد من الدعم الإيراني للعراق وسورية، وإيجاد توازن بين تركيا وإيران بشكل عام. (قد لا يهم ذلك على أي حال، لأن طريقه إلى رئاسة الوزراء سيمر عبر حزبي “إسرائيل بيتنا” و”الليكود”، اللذين لن يقدم أي منهما أي تنازلات أو تسويات بشأن فلسطين).

يشعر معارضو نتنياهو بالارتياح لهزيمته المتصورة، لكن هذا الشعور أقرب إلى الشماتة منه إلى انقلاب في السياسة. ينتمي غانتس ونتنياهو كلاهما إلى يمين الوسط بشكل عام، وسيتعين على أي منهما الحكم بائتلافات غير مستقرة، ومعرضة للانهيار عند أول علامة على وجود مشكلة. لكن الأمر الأكثر أهمية في نتائج هذه الانتخابات الأخيرة هو أنها تؤكد ما أظهرته نتائج الانتخابات السابقة مسبقاً: أن المجتمع الإسرائيلي منقسم بين ديني وعلماني من جهة، وبين العرب واليهود من جهة أخرى. وقد أصبحت ديمغرافيا تلك الانقسامات كبيرة بحيث جعلت الترتيبات السياسية القديمة بالية عفا عليها الزمن، وأصبحت التحالفات الجديدة تتطلب تسويات وتقديم تنازلات جديدة، وهو ما يبدو غير مستساغ –حتى الآن على الأقل- بالنسبة لمختلف الفصائل والأحزاب في إسرائيل.

*محلل جيوسياسي متخصص في شرح وتوقع الاتجاهات العالمية. مدير التحليل في Geopolitical Futures، وهو المنصب الذي شغله منذ تأسيس الشركة في العام 2015. يشرف على فريق من المحللين، وعلى عملية التنبؤ والتحليل اليومي للتطورات الجيوسياسية الهامة. وهو متحدث منتظم في المؤتمرات الدولية، وقد ظهر في المطبوعات وعلى شاشات التلفزيون كخبير في الشؤون الدولية في أماكن مثل MSNBCوCNBC وNew York Times وFox News. قبل عمله في “جيوبوليتيكال فيوتشرز”، عمل شابيرو في مركز “ستراتفور” كمحلل ومدير لمركز العمليات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى