توفيق أبو شومر: ديموقراطية غطرسة القوة!
توفيق أبو شومر 7-1-2026: ديموقراطية غطرسة القوة!
كل الذين لم يقرؤوا التاريخ سيعيشون مُضللينَ، يكررون الأخطاءَ نفسَها مراتٍ عديدة!
إن الجيش الأميركي نفَّذ بأمرٍ شخصي من الرئيس، ترامب اعتقال الرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو يوم الثالث من شهر كانون الثاني 2026م من مقر إقامته في العاصمة كاراكاس، رُحِّل المخطوف إلى أميركا لمحاكمته بتهمة تهريب المخدرات من فنزويلا إلى أميركا، على الرغم من أنَّ، مادورو قد انتخب ديموقراطياً من جمهوره الفنزويلي بنسبة تسعين في المائة!
كما أن، ترامب أنسى العالمَ قصة السبب الرئيس لإزاحة، مادورو عن الحكم، فقد غض الطرف عن امتلاك فنزويلا خُمس إنتاج العالم من النفط، ولم يُصرح بأن، مادورو انضمَّ إلى محور روسيا والصين، وأنه يسعى لاستعادة إقليم، أيسيكويبو من دولة، غوايانا.
إن فخر معظم رؤساء أميركا ظل يُطبق وفق مبدأ؛ لا تتحقق الديموقراطية إلا بالقوة العسكرية، سيظل هذا الشعار شعاراً مركزياً لمعظم رؤساء أميركا، فالرئيس الأميركي السابق، جورج بوش الابن أمر جنوده بغزو العراق العام 2003، وافتخر بقدراتهم العسكرية، لأنهم سيطهرون المنطقة من خطر إرهابي ساحق، فهم سينزعون السلاح النووي العراقي المزعوم، وهذا لن يتحقق إلا بتصفية الرئيس صدام حسين، ثم شاهد على شاشته الخاصة في البيت الأبيض طريقة إعدام صدام، قال في خطابه العسكري: «أمرتُ قواتنا العسكرية وقوات التحالف بضرب أهداف عسكرية عراقية تتمتع بأهمية لتقويض قدرة صدام حسين على شن الحرب، هذه هي مجرد المراحل الأولى لما ستؤول له الحملة الواسعة المركزة»!
أما الرئيس باراك أوباما فقد طبق المبدأ السابق نفسه وهو الديموقراطية بوساطة القوة العسكرية، شاهد، أوباما على شاشة التلفزيون الخاصة طريقة مداهمة مخبأ بن لادن في باكستان، ثم أشرف على اغتيال، بن لادن وإلقاء جثته في البحر.
كذلك فعل الرئيس، ترامب في عملية تصفية الجنرال الإيراني، سليماني، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، شاهد، ترامب الواقعة مباشرة، على شاشته الخاصة وواظب على سرد تفاصيلها باعتزاز وفخر في فترة ولايته الأولى في الثالث من شهر كانون الثاني 2020م قال مفتخراً بنظرية تطبيق الديموقراطية بالقوة العسكرية: «إن حدث التصفية صوَّرتْه كاميراتنا على بعد كيلومترات في الجو، الشخصان المستهدفان لن يعيشا أكثر من دقيقتين وإحدى عشرة ثانية، كانا في السيارة المدرعة التي قُصفت، بقي لهما دقيقة لكي يموتا!».
ها هو الرئيس ترامب نفسه يكمل تطبيق مبدأ، طغيان القوة هو الطريق الوحيد لتحقيق الديموقراطية، عندما اعتقلت قواتُ (دلتا) الأميركية الرئيسَ الفنزويلي مادورو، وهو أيضاً اعتاد أن يسرد تفاصيل الحدث اعتزازاً بجيشه وفخراً بمبدأ، غطرسة القوة!
إن كل قارئي التاريخ سيظلون مصرين على أن يقدموا الوجبات التاريخية المؤيدة للمثل القائل: «كُتب على كل الذين لم يقرؤوا التاريخ أن يعيدوه مرات عديدة»!
إن كل ما يجري من أحداثٍ يؤيد حكمة التاريخ السابقة، ولكن استخدام مبدأ طغيان القوة سبيلاً لتحقيق الديموقراطية هو شعار معظم رؤساء أميركا!
كمثال فقط على تلك النظرية فإن ما جرى من أحداث يوم العشرين من كانون الثاني العام 1989م في دولة بنما لا يختلف كثيراً عما جرى لفنزويلا، فقد وقع الرئيس الأميركي، جورج بوش قراراً بغزو بنما واعتقال الرئيس البنمي، مانويل نورييغا، يوم 3 كانون الثاني 1990م، وقد جرى اتهامه بتهمة مادورو الحالية وهي الاتجار بالمخدرات لبيعها في أسواق أميركا، واتهم رئيس بنما بالفساد، وغسيل الأموال، ووجهت له ثلاث تهم خطيرة، اعتقل الأميركيون، نورييعا وحكم عليه بالسجن أربعين عاماً، ثم رُحِّل إلى فرنسا لمحاكمته بتهمة الفساد!
وسوف أعيد ما فعلته أميركا، باستخدام سلاح، تحقيق الديموقراطية بوساطة العصا الغليظة، عندما قادت أبشع غزو فاشل في جزيرة كوبا العام 1961م لغرض قلب نظام كاسترو (الدكتاتور الشيوعي) لأن كوبا لا تبعُد عن ولاية فلوريدا الأميركية إلا بمقدار 150 كم تقريباً!
سأظل أيضاً أتذكر موقعة (خليج الخنازير) في كوبا وكانت التهمة هي أن رئيس كوبا الجديد، فيديل كاسترو شيوعي، وهي تهمة أطلقها الرئيس ترامب على، زهران ممداني، عمدة بلدية نيويورك الحالي!
أقدمت أميركا باستخدام سلاحها الفتاك، وهو استخدام سلاح طغيان القوة لتحقيق الديموقراطية، أقدمت على تنظيم معارضي النظام الكوبي من الشباب الكوبيين ممن يوجدون في أميركا ودربتهم على السلاح ليتولوا هم الانقلاب على حكومة كاسترو! وفي عهد، جون كينيدي خليفة الرئيس، أيزنهاور صدرت الأوامر بغزو مقر إقامة الرئيس كاسترو، في خليج الخنازير بكوبا، أنزلت الطائرات حوالى 1400 جندي أميركي ليتولوا تلك المهمة العام 1961، غير أن القوات المسلحة الكوبية تمكنت من هزيمة هذه القوات القادمة من أميركا، سُميَت هذه العملية (خليج الخنازير) وصارت وصمة عار في جبين أميركا!
لم يستفد مناصرو سياسة الديموقراطية بوساطة القوة العسكرية من أحداث التاريخ، فقد كان سبب حرب فيتنام الطويلة يعود أيضاً إلى منع انتشار الشيوعية في دول شرق آسيا، لم يستفد أنصار مذهب طغيان القوة من نتائج هذه الحرب الكارثية لتحقيق الديموقراطية، لم يستفيدوا من العبر المستقاة من هذه الحرب الفيتنامية الطويلة، وهي قد بدأت في منتصف خمسينيات القرن الماضي واستمرت حوالى عشرين عاماً، خسر شعارُ، القوة هي الطريق الوحيد لتحقيق الديموقراطية، فعاليتَه في معارك التحرير الفيتنامية، ما أعاد الوحدة لشطري فيتنام، الجنوبي والشمالي، وأدى إلى انسحاب الأميركيين من فيتنام بهزيمة كبيرة!
ظل معظم رؤساء أميركا خاضعين لشعار تحقيق الديموقراطية بالقوة العسكرية، وظنوا أنهم قادرون على تحقيقه مهما طال الزمن، وتمسكوا بشعارات من سبقوهم من رؤساء أميركا، وعلى رأسهم، مبادئ الرئيس الأميركي، جيمس مونرو، العام 1823 وهي تتلخص في شعار رئيس وهو: «تَعتبر أميركا أي محاولة لإخضاع أي دولة غربية بقوة السلاح عملاً عدوانياً، لا يجب تجاهله»!
حاول، ريتشارد نيكسون الرئيس الأميركي، ومعه هنري كيسنجر مستشار الأمن القومي ووزير الخارجية العام 1969م أن يغيرا سياسة أميركا المركزية السابقة بتطبيق مبدأ جديد، يتلخص في تحقيق السلام، ودفع الدول إلى أن تتولى مسؤولياتها بنفسها، وأن تدعم أميركا حلفاءها بالسلاح والمال وتدافع عنها إذا تعرضت لهجوم نووي، وابتدع نيكسون وكيسنجر مشروعاً اسمه، عالم جديد يعتمد على التعاون والتعايش المشترك، وكان مفروضاً أن يتخلى رؤساء أميركا عن شعار غطرسة القوة!
وعلى الرغم من هذا الشعار الجميل المُسالِم إلا أن الرئيس نيكسون عاد يلتزم بمبدأ سابقيه، مبدأ استخدام القوة، عندما أمر بقصف قواعد الشيوعيين في كمبوديا!
هذا الرئيس المسالِم داحض سياسة طغيان القوة اضطر للاستقالة من منصبه العام 1974، عقب فضيحة (ووترغيت) بسبب التجسس على الحزب الديموقراطي الأميركي!
كما أن ما جرى بعد ذلك العام 1962 كاد يؤدي إلى حرب عالمية ثالثة، عندما قرر الرئيس الروسي، خروتشوف أن يحمي كوبا من أميركا، فأقام قاعدة عسكرية روسية ووضع فيها أسلحة نووية تكتيكية، ما أدى إلى قرب اشتعال حرب عالمية جديدة، ولكنَّ الرئيس، خروتشوف قرر سحب الأسلحة النووية من كوبا في نهاية المطاف، ما أدى إلى تحقيق السلام المؤقت!
ظللتُ مسكوناً بأبشع جرائم التاريخ المتعلقة بترويج المخدرات، بجرائم شركة الهند الشرقية المملوكة لحكومات بريطانيا في بداية القرن التاسع عشر، وهم أجداد الرئيس الأميركي الحالي، دونالد ترامب، سأعيد ما فعله أجداد الرئيس، ترامب في دولتَي، الهند والصين، فقد كانت شركة الهند الشرقية، وهي الشركة الإنجليزية التي ترسم سياسة التجارة العالمية لبريطانيا تستخدم أرض الهند لزراعة مخدرات الأفيون، ثم تشحنها في السفن وتُجبر الصينيين على شرائها، انتقاماً من الصينيين الأبرياء كان الصينيون تجاراً أنقياء أصروا على أن تكون تجارتهم شريفة، فقد كانوا يصدرون الشاي والحرير والخراصين لبريطانيا، ولا يستوردون من بريطانيا بضائع بالقيمة نفسها أو بأكثر منها، ما أدَّى إلى تراكم ديون بريطانيا الواجب قضاؤها للصين!
لذا قررت بريطانيا غزو الصين وتدمير الهند والصين معاً عبر شركتها الرئيس، شركة الهند الشرقية، لذا أقدمت بريطانيا على بيع المخدرات في أسواق الصين بحيث جعلت ملايين الصينيين مدمنين على استهلاك المخدرات، ولأجل ذلك تمكنت بريطانيا من اقتطاع جزيرة، هونغ كونغ من الصين، لأن الصينيين أغرقوا سفينة بريطانية محملة بالمخدرات في منتصف القرن التاسع عشر!



