توفيق أبو شومر: الحرم الإبراهيمي، وسامريو نابلس عند الحريديم!
توفيق أبو شومر 4-2-2026: الحرم الإبراهيمي، وسامريو نابلس عند الحريديم!
سُئلتُ عن مقالي المنشور في الأسبوع السابق: «هل حصار محافظة الخليل هو حصارٌ اقتصادي؟ أم أنه حصار ديني عقدي حريدي ينفِّذه أعضاء حكومة نتنياهو من طائفة الحريديم الحالية»؟!
نعم، الحقيقة أن هناك حصارين احتلاليين على الخليل ونابلس.
أنا كتبتُ في مقالي السابق عن الحصار الاقتصادي للمحافظتين الكُبريين، أما الحصار الديني فهو الركن الرئيس الأهم، لأن الحريديم يعتبرون الحرم الإبراهيمي في الخليل أو كما يسمونه في كتبهم الدينية «مغارة الماكفيلا» من أقدس الأماكن في الدين اليهودي، لأنهم يؤمنون بأن سيدنا إبراهيم اشترى مغارة الماكفيلا من عفرون الحثي في عصر هيرودوس ليدفن أفراد عائلته، اشتراه بأربعمائة شيكل فضي، وكان الشيكل وحدة وزن معروفة في عصره، دفن زوجته، سارة في مغارة الماكفيلا، ثم دُفن هو نفسُه في المكان، وكذلك دُفن، إسحق وزوجته، رفقة، وكذلك دُفن فيها يعقوب بعد أن جُلب رفاته من مصر.
هذه المقبرة، الماكفيلا أي المقبرة المزدوجة، كانت وفق مزاعمهم ملكاً خالصاً لليهود، هم يؤمنون كذلك بأن المسلمين بنوا فوقها الحرم الإبراهيمي، أي أن الحرم عند الحريديم مكانٌ (مغتصب) من المسلمين لذا يجب إرجاعه لملكية الدين اليهودي بطريقتين، الأولى بالاستيطان، فأسسوا في الخليل مستوطنة دينية كبيرة وهي، كريات أربع، ولا يزال حريديم، كريات أربع هم الذين يتولون مهاجمة الفلسطينيين واغتصاب ممتلكاتهم، والثانية بترحيل السكان الفلسطينيين الأصليين من الخليل بوساطة الحصار والقمع وإغلاق المحال التجارية، كما حدث عام 2002 عندما قتل عدد من الجنود الإسرائيليين في المكان، فقرر شارون ترحيل واغتصاب كل محيط الحرم الإبراهيمي!
أما أخطر عملية إرهابية جرت في الحرم الإبراهيمي وهي التي نفذها الإرهابي، باروخ غولدشتاين كانت مجزرة كبيرة فقد أطلق النار في الحرم الإبراهيمي يوم 25-2-1994 على المصلين الذين كانوا يُحيون شهر رمضان في صلاة الفجر، وقتل أكثر من تسعة وعشرين مصلياً، مع العلم أن معظم وسائل الإعلام ذكرت أن عدد القتلى كانوا فقط 29 مصلياً، ولم تذكر الذين قتلوا في التظاهرات وفي تشييع الشهداء.
بلغ عدد القتلى أكثر من خمسين، ووقعت المجزرة في منتصف شهر رمضان، وجرح أكثر من 150 مصلياً فلسطينياً.
هذا الإرهابي هو من أتباع حركة كاخ السلفية العنصرية برئاسة الإرهابي، مائير كاهانا، وتلميذه، إيتمار بن غفير وزير الأمن الوطني الحالي.
كان الإرهابي باروخ غولدشتاين يسكن في المستوطنة الأصولية، كريات أربع في الخليل، وحاول قبل جريمته أن يحرق سجاجيد الحرم الإبراهيمي قبل عدة شهور من المجزرة، ورغم ذلك سمحت له قوات الجيش الإسرائيلي المتمركزة في المكان بالدخول للحرم الإبراهيمي بسلاحه الشخصي!
إثر هذه الجريمة جرى التوافق بين الفلسطينيين والإسرائيليين على نشر بعثة دولية مؤقتة في الخليل لمراقبة انتهاكات الجيش الإسرائيلي، مكونة من حوالى ثمانين مراقباً دولياً، تُجدَّد مهماتها كل ستة شهور بموافقة الطرفين، أما الدول المشاركة في هذه القوى الدولية فهي: تركيا، والنرويج، والسويد، والدنمارك، وسويسرا، وإيطاليا، بشرط ألا تتدخل تلك الدول في إدارة هذه القوة، وقد مارست هذه القوة دورها القانوني، ووثقت الانتهاكات الإسرائيلية ما دفع إسرائيل إلى اتهام هذه القوة بالانحياز للفلسطينيين.
اتهمتْ إسرائيل هذه القوة بأنها تُناصر الفلسطينيين، اتهمتها كذلك بأنها تعتدي بالضرب على الأطفال اليهود!
هذا الاتهام دفع نتنياهو لأن يعلن إنهاء مهمات هذه القوة عام 2019 !
مع العلم أن البلدة القديمة في الخليل، ومن ضمنها الحرم الإبراهيمي موقعٌ تراثي فلسطيني معترفٌ به من مؤسسة اليونسكو الدولية!
أما الجانب الديني اليهودي المهم جداً في الخليل، فهو في الحقيقة أساس هذه الجريمة، فالخليل ليست فقط أبرز مدينة صناعية في فلسطين، وليست أكثر المدن سكاناً، فعدد سكانها الفلسطينيين يقترب من المليون، بل هي أيضاً مركز أطماع مجموعات حركة كاخ الأصولية الدينية بزعامة، باروخ غولدشتاين، وبن غفير، وهذا الأخير ظل يرفع صورة غولدشتاين في صالون بيته فخراً بالمجزرة التي ارتكبها.
إكمالاً للمسلسل الأصولي الحريدي للاستيلاء على الخليل وتخصيصها لليهود فقط ابتدع هؤلاء المتطرفون مناسبة أصولية دينية يهودية لمدينة الخليل، ففي كل سنة هناك احتفالٌ ديني ضخمٌ يسمى (عيد حياة سارة) لغرض تجفيف مصادر دخل سكانها بحصارهم والاعتداء عليهم، ومنعهم من الاقتراب من جنود المراقبة المتمركزين على سطوح منازلهم، وتهديدهم وانتزاع بيوتهم، بحجة أنها ملكيات يهودية قديمة!
إن هذه المناسبة الأصولية تحكي قصة سارة زوجة سيدنا إبراهيم، وتؤكد أن الخليل كلها ملكية يهودية خالصة!
وفي هذه المناسبة يدهم عشرات آلاف المتطرفين اليهود مدينة الخليل بأسلحتهم، غالباً في شهر تشرين الثاني من كل عام، ينصبون الخيام في شوارع البلدة القديمة، ويرددون التلاوة الدينية، ويفرضون على السكان منع التجول وإغلاق المحال، وينهبون المتاجر، ويضطهدون السكان بقوة السلاح!
أما المدينة الثانية المهددة من حكومة الحريديم الأصولية الحالية فهي بالتأكيد نابلس، لأن عدد سكانها يقترب من نصف مليون فلسطيني، هذه المدينة اتُّهمت أيضاً بأنها تزيف ماركات الألبسة، بخاصة ألبسة (الجينز) وتبيعها في أسواق إسرائيل، فهي أيضا مهددة تهديداً دينياً أيضاً، لأن فيها جبلين مُقدَّسين لبني إسرائيل، هذان الجبلان هما جرزيم وعيبال، فعندما دخل، يوشع بن نون، خليفة النبي موسى مدينة نابلس أقام أول صلاة لأسباط إسرائيل الاثني عشر على هذين الجبلين!
لكن حريديم إسرائيل اليوم يؤمنون بوجوب تطهير الجبلين من غير اليهود، وعلى رأس الذين يجب إنهاء وجودهم هم السامريون بنو إسرائيل وهم اليوم يسكنون جبل جرزيم في نابلس، عددهم أقل من ألف سامري، هم فلسطينيون مخلصون، هم بنو إسرائيل الأصليون الذين لم يتفرقوا في المنافي، كما أنهم متمسكون بالتوراة الأقدم، يعتبرون هذه التوراة هي كتابهم المقدس الأصلي، هؤلاء ليسوا سياسيين، بل هم يمثلون شطراً من فسيفساء فلسطين، غير أنهم لا يؤمنون بأن الهيكل الحقيقي موجودٌ في القدس، بل إن الهيكل الأصلي يقع في جبل جرزيم!
كما أن السامريين لا يؤمنون بالنظرية الصهيونية، ويعتبرون الحركة الصهيونية حركة علمانية سياسية مناهضة للدين!
إن الحريديم اليهود في حكومة إسرائيل الراهنة يتجنبون المرور بقرية السامريين في جبل جرزيم، لأن الحريديم اليهود يعتبرون أن السامريين لا يؤمنون بالآخرة، وأنه لا يجب الاقتراب منهم أو مصاهرتهم.
كذلك فإن سلطة الآثار الإسرائيلية تحاصرهم وتتهمهم بأنهم يزيفون تاريخ إسرائيل، ويعتدون على روايتها الأصولية التاريخية بخاصة أن مكان الهيكل ليس في القدس بل هو في جبل جرزيم، كما أن الاحتلال يدهم بيوت السامريين ويعتقل الذين ينادون بالوطنية الفلسطينية ويسجنهم كما سجنوا الأسير المحرر المناضل، نادر صدقة عشرين عاماً بتهمة أنه ينتمي إلى مجموعة فلسطينية إرهابية!
أدرك الفلسطينيون أن السامريين هم جزءٌ من شعب فلسطين، لذلك استوعبوهم في الوظائف الحكومية الفلسطينية، فهم جزء رئيس من فسيفساء المجتمع الفلسطيني، لذلك أشركوهم في المجلس التشريعي الأول في زمن الرئيس ياسر عرفات، واختاروا الكاهن، سلوم عمران عضواً يمثل السامريين في المجلس التشريعي الفلسطيني!
لم يكتفِ الرئيس عرفات بذلك بل إنه كان يلتقي كثيراً بالحاخام، موشي هيرش المتوفى عام 2012م وهو مسؤول حركة، ناطوري كارتا الأصولية اليهودية التي تؤمن بالتعايش السلمي مع الفلسطينيين، وتعادي الحركة الصهيونية، وقد عينه الرئيس عرفات مسؤولاً عن الجالية اليهودية في فلسطين!.



