أقلام وأراء

بكر أبو بكر: قانون أحزاب بلا فصائل!؟

بكر أبو بكر 5-2-2026: قانون أحزاب بلا فصائل!؟

إن المشكلة مع الحركة النضالية بالتحول من تنظيم أو فصيل ثوري نضالي الى حزب هي في القانون! كمثال قانون الأحزاب (المتوقع طرحه) في ظل سلطة حكم ذاتي تحت الاحتلال وليس دولة ترفع علمها فوق القدس!

في ظل دولة ترفع علمها فوق القدس فأن قانون للأحزاب قد يجد مقعدًا في خضم الأفكار المختلفة التي يتم فيها النظر للتنظيم السياسي. أما في أتون المعركة التي لم تنتهي لتجسيد استقلال دولة وفلسطين، ففيها من الخروج السافر الكثير.

في ظل دولة على المتاح من الأرض (أرض 1967م) لا يجوز إلغاء التنظيمات النضالية فمساحات النضال وأشكاله ستختلف نعم، ولكنها بروايتها الأصيلة لن تتوب عن حُب فلسطين الديمقراطية الواحدة على كامل أرض فلسطين وهذا حقها. ولكن في ظل احتلال يدوس بقدمه على البشر والحجر وارتكب جريمة القرن بالإبادة الجماعية في غزة والضفة ومازال فإن أي قانون يُسقط الفكر النضالي يصب حكمًا في مصلحة الجبّار العنيد.

إن فكرة الحزب عامة هو خوض الانتخابات بقائمة للوصول الى المجلس النيابي والرئاسة ونقطة. وما يعني المشاركة بأعباء الحكم بهذا الإطار وضمن مبدأ الديمقراطية والتشاركية والتداول الحزبي ما يعني حكمًا عدم التصرف خارج النطاق السلطوي بمعنى أنه قد يعتبر أي تصرف مخالف للسياق المرتبط بالانتخابات وعضوية المجلس والحكم من أي شكل من أشكال المقاومة انحرافًا عن قانون الأحزاب! الذي قد يشترط عدم وجود امتدادات أو كيانات ذات طبيعة مقاومة ولو سلمية ضد المحتل!؟

وإضف الى ذلك أنه قد ينشأ عن القانون (المتوقع) تكميم الأفواه، لو نص القانون على الحيّز الجغرافي حين تقوم الدولة فلا يكون من حق أحد أن يسرد روايته في فلسطين! أو أي يطالب بما هو خارج حدود جغرافيا المتاح (الدولة بحدود 1967م) وهنا تسقط عديد المبررات لكل التنظيمات وهي ذات الطابع التحرري فيما بالحقيقة لا يوجد بالمثل عند الطرف المتغلب أي المحتل الإسرائيلي.

إن طرح فكرة الأحزاب الآن وتحت الاحتلال هو وصفة لا تحترم التاريخ النضالي بل وتقفز عنه أو تطالب فيه الحزب الجديد أن يلقيها وراء ظهره! وبما تحمله من حمولة فكرية ورواية مرتبطة بفلسطين، كل فلسطين.

فإن تم طرح مشروع الأحزاب فمن المتوقع أن يكون ضمن إطار حدود دولة فلسطين على حدود 1967 ومن المتوقع تبعًا لذلك أن أعضاءه ونشاطاته ومؤتمراته وقياداته وبرامجه تكون مقتصره على هذا الحيز الجغرافي الضيق؟ بل وقد يتم التضييق على أهداف الحزب من خلال اعتماده فقط ليس من قبل منظمة التحرير الفلسطينية (ممثلة الخارج والداخل) وإنما من خلال وزارة الداخلية! (تحت الاحتلال)، ومن هنا فيتوجب أن يكون للحزب المنقطع عما سبقه من تاريخ أن يؤسس لنظام داخلي (دستور/قانون) جديد وهيئة عامة جديدة ومؤتمر جديد وذمة مالية جديدة وبرنامج لا يتعارض مع الدستور وقانون الاحزاب وكلها عمليًا تقطع مع القديم فكرًا وممارسة وربما شخوصًا!

إن فكرة الأحزاب المتوقع إنشائها بشكل جديد وتبعًا للقانون وبتبعية وزارة الداخلية، تعني بوضوح نزع الثوب الأصلي ليس بالتسمية فقط وإنما بالمضمون والأهداف وكل ما يتصل بها من أمور ما يعني إسقاط فكرة التحرر والنضال وفلسطين كما الحال مع الفصل الكلّي بين الداخل والخارج! وما يعني المراهنة على جمال وعظمة ورحابة واستيعاب الاحتلال!؟ وتقبل العالم الذي يقف متفرجًا مطالبًا بتجريد المناضل الفلسطيني من كل أثوابه عاريًا في مواجهة أعظم آلة تدمير وحرب بالتاريخ الحديث، وكأن فلسطين تتحول الى سبيّة (أسيرة) وشعبها وأحزابها منتوفة الريش، وليس له الا الأمل بفتات الاحتلال، وكرم الشعوب اللاهية بمشاكلها لا تنظر الى فلسطين الا بنصف عين أو عيون مغمضة كليًا.

هناك تناقض بيّن بين الحزب من حيث ما قد يعرفّه القانون متصلًا بالتنافس على السلطة والحكم، وبين التنظيم (الفصيل) الذي يفترض أنه يمثل خوض الصراع ضد المحتل كأساس لنشوئه من أجل تحرير فلسطين. وفي ظل قانون يعدّه القانونيون خالي الذهن من المُعطى النضالي الوطني فإنه يصبح قانونًا يتعامل مع دولة مستقلة وكأنه تحققت فيها كل الأهداف الوطنية! ما هو غير حاصل.

هناك تناقض كبير بين فكرة الحزب محدود الصلاحية بالمتاح على الأرض، ولمن يعيشون على ترابها فقط!؟ وبين التنظيم أو الفصيل المرتبط بكل فلسطين بأي صيغة كتبت أدبياته سواء ذات الوسم العنفي أو السلمي وفي كليهما فالسردية المرتبطة بالحق والعدل، والوجود الأزلي للأرض والوطن والشعب لا يشطبها أي قانون أرضي.

على فرضية أن القانون الفلسطيني المتوقع للأحزاب سيأخذ بالاعتبار تاريخ التنظيمات (الفصائل)، بل عليه ذلك-رغم عدم تحبيذي لفكرة الحزب أصلًا- ولربما يطالب الفصيل بتصويب وضعه بما يتفق مع قانون الأحزاب؟ فهل يعني هذا أن يلغي كل أفكاره وأدبياته؟ ويبدأ من جديد؟! أم يعني أن مهمته الوحيدة أصبحت السعي للحكم حصرًا؟ وهل يعني هذا أن مقاومة الاحتلال وهي الرسالة النضالية الفلسطينية التي لا يحتويها لا حزب ولا فصيل ولا جماعة قد أنجزت؟ أم أن مقارعة الاحتلال بالصمود والثبات والتظاهرات السلمية الجماهيرية ستصبح تحريضًا على العنف المرفوض ضمن قانون الأحزاب؟!

إن إبقاء التنظيم الثوري السياسي المناضل الى جانب الحزب (أو الأفضل القائمة الانتخابية المرتبطة بالفصيل كبديل) أكثر مرونة في فهم مرحلة التحرر الوطني (مادامت الدولة المستقلة لم تجسّد بعد، ولم ترفع علمها بعد في القدس المحررة) ، أو اعتبار الحزب أو القائمة الانتخابية الذراع الداخلي (داخل مساحة الدولة) للتنظيم أو الحزب فيحق للأعضاء بالداخل والخارج كل شيء، ويفترض بمن هم بالداخل (حاملو الرقم الوطني) التنافس على مقاعد المجلس النيابي والرئاسة. وعليه يصبح التنظيم النضالي ممثلًا بمنظمة التحرير الفلسطينية (أو إذ صيغ بصيغة حزب لا يسقط حقيقة نشأته وأهدافه واستمراره) ليمثل الداخل والخارج وفرعه أو أداته الوطنية معنية بالانتخابات الداخلية بالمساحة المحددة للدولة الفلسطينية، والا فإنها الحرب على الفكر النضالي والقطع الحقيقي مع عالم الثورة والمقاومة، ونحن لمّا نحقق لا استقلالًا ولا دولة ديمقراطية مدنية بعد.

 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى