أقلام وأراء

بشار مرشد: فلسطين بين “الكيانية الوطنية” وفخ “اللجان الدولية” قراءة في الوعي المفقود

بشار مرشد 7-2-2026: فلسطين بين “الكيانية الوطنية” وفخ “اللجان الدولية” قراءة في الوعي المفقود

المقدمة:

بعيداً عن العناوين العاطفية والشعارات المستهلكة، لا بد من العودة إلى أصل الحكاية. إن اتفاقية أوسلو، برغم كل ما يمكن أن يُقال عن عيوبها وتنازلاتها الموصوفة، مثّلت في جوهرها إطاراً سياسياً معترفاً به دولياً، وانتزعت من الاحتلال –رغماً عنه– اعترافاً بكيانية سياسية وولاية جغرافية موحدة (غزة والضفة) كمرحلة أولى. وقد اعتبر الاحتلال هذه الاتفاقية منذ لحظتها الأولى خطيئة استراتيجية سعى للتخلص منها تدريجياً، غير أن هذا المسار لم يكن ليبلغ مداه لولا ما قدّمناه نحن من ذرائع وانقسامات، وعجز عن حماية مؤسساتنا الوطنية وتحصينها، مما أدى إلى انكشاف البيت الفلسطيني من الداخل.

أولاً: الخطيئة الكبرى.. الخلط بين المؤسسة والشخوص

وقعت معظم النخب السياسية، وأوقعت قطاعات من الشارع، في فخ تدميري تمثّل في عدم التفريق بين “المؤسسة الوطنية” كمنجز سياسي تراكمي، وبين “الشخوص” الذين تولّوا إدارتها. إن فساد إدارة أو سوء أداء أي شخص لا يعيب المؤسسة بحد ذاتها، بل يستوجب إصلاحها ومحاسبة القائمين عليها.

والمفارقة المؤلمة أن الهجوم العبثي على مؤسسات السلطة وشيطنتها يصدر أحياناً ممن تقلدوا مناصب رفيعة فيها وكانوا جزءاً من خللها، بل والأنكى أن بعضهم لا يزال يتقاضى ما تبقى من رواتبها، في “انتيازية مزدوجة” أدت عملياً إلى تآكل هيبة الكيان الوطني، وسهّلت على القوى الخارجية والاحتلال معاً طرح بدائل “هجينة” لملء فراغٍ ساهمنا نحن في صنعه.

ثانياً: السر في محاربة الاحتلال لـ “أوسلو”

للمنكرين والمشككين يُطرح سؤال جوهري: إذا كان إطار أوسلو يخدم الاحتلال كما يُروج البعض، فلماذا كان رصاص اليمين المتطرف هو الذي اغتال موقعيه؟ ولماذا يستميت قادة اليمين الصهيوني اليوم لتمزيق بنوده وإلغاء مفاعيله؟ الحقيقة التي يهرب منها الكثيرون هي أن هذا الإطار، رغم كل عثراته، يمثل حجر عثرة أمام مشروع “الضم والتهجير”؛ لأنه يمنح الفلسطينيين “صفة سياسية” وقانونية دولية تحول دون تحويلهم إلى مجرد رعايا في كانتونات معزولة تديرها لجان خدماتية.

ثالثاً: غزة و”بلع المنجل”.. السلخ الناعم

ما يجري اليوم في غزة تحت مسمى “اللجنة المكلّفة بإدارة القطاع” ليس إجراءً إدارياً عابراً، بل هو مشروع دولي بغطاء واضح يهدف إلى إلغاء الكيانية الوطنية بطريقة ناعمة وخبيثة. لقد “بلع الجميع المنجل”؛ فمنهم من وافق طمعاً في دور، ومنهم من سكت مجبراً تحت ضغط الحاجة. هذه اللجنة ليست إلا عملية “سلخ” لغزة عن جسدها الوطني، وإعادة للأمور إلى ما قبل عام 1993 بصيغة أشد خطورة؛ حيث تُدار الحياة بـ “مباركة دولية” في سياق إكراه سياسي واقتصادي، بينما يبقى القرار الأمني والسيادي بيد الاحتلال، بلا أفق لوحدة جغرافية أو سياسية مستقبلاً.

رابعاً: برهان النتيجة.. سقوط وهم “تسليم المفاتيح”

إن الرهان على أن انهيار “إطار أوسلو” سيلقي بعبء المسؤولية القانونية والمادية في حضن المحتل قد سقط أمام اختبار الواقع في غزة. لقد أثبتت التجربة أن الاحتلال لا يخشى الفراغ، بل يستثمر فيه؛ فهو يمتلك القدرة على تصدير “كلفة الاحتلال” للمنظمات الدولية واللجان الهجينة، مع الاحتفاظ بـ “سيطرة أمنية مجانية”. بانهيار الاتفاقيات، لم تعد إسرائيل مضطرة للتفاوض مع كيان سياسي يطالب بدولة، بل باتت تدير “ملفاً إنسانياً” يتوسل تأمين الطحين، مما حول القضية من مشروع تحرر وحق تقرير مصير إلى إدارة أزمات معيشية لا تنتهي.

خامساً: سؤال الواقع.. ما وراء الجدل البيزنطي

إن الهدف الرئيس لهذا المقال ليس الدفاع عن فساد أشخاص أو تبرئة خلل في اتفاقية، فالدخول في هذه المناكفات لا يعدو كونه “جدلاً بيزنطياً” يسهل استخدامه للهروب من استحقاقات اللحظة الراهنة. إننا نتحدث عن واقع مرير وتجربة فعلية لا يدرك أبعادها إلا من عاشها تحت حراب الاحتلال.

وهنا يبرز السؤال المنطقي الذي يسحق كل الشعارات: هل أدى انهيار المؤسسات الوطنية، أو هل قد يؤدي إضعافها، إلى وقف اعتداءات الاحتلال أو لجم تغول الاستيطان؟ الواقع يجيب بوضوح؛ فالاحتلال لا يحتاج شرعية مؤسساتنا ليمارس قمعه، بل يجد في غيابها فرصة ذهبية للانفراد بالأرض والإنسان، محولاً الصراع من قضية حقوق سياسية إلى قضايا إغاثية مجزأة.

الخاتمة:

بين مؤسسة قابلة للإصلاح، وفراغ يُدار باللجان وتحت حراب الاحتلال، لا توجد بطولة في “القفز وسط العاصفة” بدعوى التغيير، بل تكمن المسؤولية والبطولة الحقيقية في منع الغرق ومحاولة إصلاح المركب الوطني كخيار “أقل الأضرار” الممكنة لحفظ الوجود.

من يهاجم المنظمة والسلطة اليوم يعيش أحد احتمالين؛ إما أنه يرفض ما جرى في غزة، وعليه حينئذٍ أن يشرح بوضوح كيف سيمنع تكرار النموذج نفسه في الضفة الغربية، أو أنه يقبل ما جرى هناك بوصفه “ضرورة”، وعندها يكون قد قبل عملياً بإخراج القضية من السياسة وتسليمها لإدارة دولية تتحكم في تفاصيل الحياة بينما يحتفظ الاحتلال بكل مفاتيح القوة.

الاحتلال لا يحتاج إلى متآمرين؛ يكفيه أن نُضعف ما تبقى من إطارنا السياسي بأنفسنا، أو نُحوّل نقده إلى أداة هدم أعمى. النوايا هنا لا قيمة لها، ما يُحسب هو الأثر، والأثر حتى الآن واضح ومكلف.

 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى