بشار مرشد: الدغمائية المعاصرة من صلابة القناعات إلى انغلاق المجتمعات
بشار مرشد 30-3-2026: الدغمائية المعاصرة من صلابة القناعات إلى انغلاق المجتمعات
مقدمة: مفهوم اليقين المغلق
الدغمائية ليست مجرد تمسك بالأفكار أو الدفاع عنها، بل هي نمط تفكير يقوم على اليقين المغلق والجمود؛ حيث تتحول القناعات إلى حقائق نهائية لا تقبل النقاش أو المراجعة. في هذا السياق، لا يُنظر إلى الاختلاف بوصفه عنصرًا طبيعيًا في التفكير الإنساني، بل كخطر يجب مقاومته أو إقصاؤه. وهنا تكمن خطورة الدغمائية: فهي لا تكتفي بتثبيت الفكرة، بل تعطل القدرة على التفكير خارجها، فتتحول الفكرة من وسيلة لفهم الواقع إلى سجن يمنع رؤيته.
انتشار الظاهرة من الفرد إلى المجتمع:
عندما تبقى الدغمائية في حدود الفرد، يمكن التعامل معها بوصفها سمة نفسية أو معرفية. لكن الإشكال يبدأ حين تتحول إلى نمط واسع داخل المجتمع، فتأخذ شكل ظاهرة متعززة؛ عندها لا يصبح الأمر مجرد أشخاص متصلبين فكريا، بل بيئة كاملة تشجع هذا التصلب وتعيد إنتاجه. وتتعزز هذه الظاهرة اليوم بفعل عدة عوامل متداخلة:
أولاً: الاستقطاب الحاد، حيث ينقسم المجتمع إلى معسكرات متقابلة، وكل طرف يرى نفسه ممثلًا للحقيقة الكاملة، مما يمحو المساحات المشتركة للحوار.
ثانياً: تأثير الفضاء الرقمي، الذي لم يعد مجرد وسيلة تواصل، بل بيئة تعيد تشكيل القناعات نفسها. يتحرك الفرد داخل غرف صدى ومغلقة من الآراء المتشابهة، فلا يواجه اختلافًا حقيقيًا، بل انعكاسًا مستمرًا لما يؤمن به. ومع الوقت، لا تتعرض أفكاره للاختبار بل للتكرار، فتكتسب صلابة زائفة تبدو وكأنها حقيقة راسخة، بينما هي في الواقع مجرد صدى متكرر.
ولا يتوقف الأمر عند البنية الرقمية ذاتها، بل يتجاوزها إلى طبيعة الخطاب الذي يُنتَج داخلها؛ حيث لم يعد الرأي تعبيرا حرا بقدر ما أصبح صناعة موجهة، تُعاد صياغتها وفق اعتبارات النفوذ والمصلحة. وهنا لا تنشأ الدغمائية من الداخل فقط، بل تُغذّى من الخارج بشكل منهجي.
القلق وآلية الدفاع النفسي:
إضافة إلى ذلك، لا يمكن فهم تصاعد الدغمائية دون التوقف عند علاقتها بالقلق؛ فالإنسان لا يبحث عن الحقيقة بقدر ما يبحث عن الطمأنينة. وعندما يصبح العالم مضطربًا وغير قابل للتنبؤ، يتحول التعقيد إلى عبء نفسي لا يُحتمل. هنا لا تعود الدغمائية مجرد خيار فكري، بل تتحول إلى آلية دفاع، حيث يختار الفرد يقينا مبسطا على حساب واقع معقد. فالعقل القلق لا يحتمل الأسئلة المفتوحة، لأنه يرى فيها تهديدًا لا معرفة، ولذلك يفضّل الإجابات المغلقة حتى لو كانت زائفة. بهذا المعنى، لا تنمو الدغمائية من قوة التفكير، بل من الخوف منه.
تضخيم اليقين الزائف:
والمفارقة التي يصعب الاعتراف بها، أن الدغمائية ليست حكرًا على الآخرين كما يُتصور، بل كثيراً ما تُمارس داخل الخطابات التي تدّعي محاربتها. فبعض المثقفين، وهم ينتقدون الانغلاق، يقعون في شكل أكثر نعومة منه، حين يتعاملون مع أفكارهم بوصفها معياراً نهائياً للفهم. وهنا لا تختفي الدغمائية، بل تغيّر لغتها فقط، من يقين صريح إلى يقين متخفٍ خلف مفردات العقلانية. يضاف إلى ذلك من يشجع الضعيف وينفخه بـ العنتريات الفكرية، فيزداد شعوره بصوابه المطلق، لتصبح الدغمائية جزءاً من عملية اجتماعية متكررة تعيد إنتاج نفسها.
التوازن بين الانغلاق والانفتاح:
ان هذا التعزز لا يعني أن الدغمائية أصبحت قدرًا محتومًا. في المقابل، هناك اتجاه موازٍ يتمثل في اتساع الوصول إلى المعرفة، وظهور أصوات نقدية، وازدياد الوعي بأهمية التفكير المستقل. الصراع إذن ليس محسوما، بل هو قائم بين نزعتين: نزعة نحو الانغلاق واليقين السريع، وأخرى نحو الشك المنهجي والانفتاح وما يؤول إليه الواقع.
الخلاصة:
إن الدغمائية اليوم لم تعد مجرد سلوك فردي، بل ظاهرة تتغذى من الواقع وتعيد تشكيله في الوقت نفسه. وخطورتها لا تكمن فقط في الأفكار التي تنتجها، بل في الطريقة التي تُقصي بها التفكير نفسه. مواجهة هذه الظاهرة لا تكون برفض الأفكار، بل بإعادة الاعتبار للنقاش، وللشك بوصفه أداة للفهم لا تهديدًا له، والاعتراف بالواقع مهما كان سيئاً؛ فالحقيقة ليست محطة وصول نهائية، بل طريق يُعبد بالمراجعة المستمرة.


