منوعات

بشار مرشد: الازدواجية.. ثورة في المنشورات.. وفوضى في الممارسات

بشار مرشد 20-1-2026: الازدواجية.. ثورة في المنشورات.. وفوضى في الممارسات

مقدمة:

في بلداننا، كثيراً ما يضج الفضاء الرقمي والمجالس العامة بصبّ اللعنات على الفساد والمفسدين. يتحدث الجميع عن الدولة المدنية وسيادة القانون، لكن وبمجرد الخروج إلى الشارع، تُوضع هذه المبادئ في صندوق الأمانات، وتبدأ ممارسة النسخة الخاصة من الفساد الصغير.

فخ الشراكة الصامتة:

الفساد ليس فقط ما يحدث خلف الأبواب المغلقة لكبار المسؤولين، بل هو أيضاً الفساد الأفقي الذي يتغلغل بيننا. وعندما يُدفع الناس، في كثير من الأحيان، إلى التعامل مع الفساد كأقصر طريق لنيل الحقوق، ينشأ جيل يعتاد الالتفاف بدل الاحتكام للنظام. هنا يولد المسؤول الفاسد من رحم مواطن ومجتمع قبِل بالشراكة الصامتة؛ فالمواطن الذي يتجاوز الطابور بكلمة من ابن عمه الموظف، يفقد أخلاقياً حق المحاسبة. كلاهما في خندق واحد، وكلاهما كسر القانون لأجل مصلحة شخصية، وإن اختلف الموقع والحجم.

قاموس التبرير.. قلب المفاهيم الأخلاقية:

تكمن الخطورة في قدرة البعض على تبرير الفساد ومنحه صبغة شرعية إن صدر منهم. فجأة، يصبح النفاق مجاملة، والخطيئة فضيلة، والتهجم حرية. هذا التلاعب بالمصطلحات يحوّل الانحراف إلى وجهة نظر، ويجعل الفعل الواحد مداناً عند الآخرين، ومقدساً عند الذات، فتضيع الحدود بين الحق والباطل.

اختبار الأمتار الأخيرة.. لماذا نفشل أمام الشباك؟

كيف ترفع شعار محاربة الفساد وأنت لا تطيق الانتظار لدورك أمام شباك أو عند صعود حافلة؟ الطابور ليس تفصيلاً عابراً، بل اختبار حقيقي للإيمان بالمساواة. الالتفاف على من يسبقك إعلان صريح بأنك تؤمن بالاستثناء لا بالقانون، وهذه الرغبة الصغيرة هي البذرة الأولى التي يقتات عليها الاستبداد الكبير.

حين تصبح النزاهة تهمة اجتماعية:

في هذه البيئة، يُحاصر الشخص المهني بضغوط لا ترحم. عدالته تُفسَّر على أنها تنكر للأصل أو تعالٍ على الجماعة. يُقال له: هل تريد أن تصبح الشريف الوحيد؟ هذا الضغط لا يهدف إلا إلى تطبيع الفساد، وجعل النزيه يشعر بالذنب لأنه لم يكسر النظام لصالح المقربين.

خاتمة:

العدالة ليست قائمة طعام نختار منها ما نشتهي؛ فإما أن نطبقها في طابور الخبز، أو نصمت عن قصور الحكم. قبل أن تكتب منشورك القادم، اسأل نفسك: هل أنت مستعد للوقوف في دورك خلف شخص لا تملك معه واسطة؟ وهل حقاً تريد التغيير للأحسن، أم أنك تريده لصالحك فقط؟

هذا الطرح لا يساوي بين الجاني والمجبر، بل يحمّلنا جميعاً مسؤولية تطبيع الفساد، حين نقبل به أو نبرره أو نصمت عنه.

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى