منوعات

بشار مرشد: أمر العمليات في الإدارة.. من الميدان إلى القرار

بشار مرشد 19-1-2026: أمر العمليات في الإدارة.. من الميدان إلى القرار

المقدمة:

إن علم الإدارة هو نتاج تراكمي لخبرات وممارسات العلوم العسكرية عبر التاريخ؛ إذ لطالما كانت الحاجة إلى تنظيم القوة، وتوجيه الحشود، وتحقيق الأهداف تحت الضغط، هي المحرّك الأول للابتكار الإنساني. وما زالت الفنون الإدارية تستمد ابتكاراتها من المجال العسكري، بدءا من بحوث العمليات التي ولدت في مختبرات الحروب الكبرى، وصولا إلى أمر العمليات الذي تحول من وثيقة قتالية إلى دستور تنفيذي للمؤسسات الناجحة.

خماسية أمر العمليات (الركائز الخمس للتنفيذ):

لكي يتحوّل “أمر العمليات” من مجرد توجيه عام إلى خطة تكتيكية محكمة، يجب أن يُصاغ وفق خمس ركائز أساسية تضمن شمولية الرؤية ودقة التنفيذ، وهي:

1.الموقف:

وفيه يتم تشخيص الواقع الراهن بكل تفاصيله، ومن تحديات خارجية، وقدرات المنافسين، والظروف المحيطة التي قد تؤثر في سير العمل.

2.المهمة:

صياغة دقيقة وموجزة للهدف المراد تحقيقه، تُجيب بوضوح على: من سيفعل؟ وماذا سيفعل؟ ومتى؟ وأين؟ ولماذا؟

3.التنفيذ:

قلب الأمر، حيث يتم فيه رسم التكتيك الميداني، وتوزيع الأدوار على الفرق، وتحديد مراحل الحركة، وقواعد اتخاذ القرار عند مواجهة الطوارئ.

4.الإسناد والإداريات (الدعم اللوجستي والإداري):

توفير الموارد اللازمة لاستمرار المهمة، من تمويل، وأدوات تقنية، وكوادر بشرية، وضمان تدفّقها إلى الميدان دون انقطاع.

5.القيادة والاتصال:

تحديد مرجعية القرار، ومن هو المسؤول المباشر عن كل مجموعة، وآليات تبادل المعلومات والتقارير بين الميدان ومركز العمليات، بما يضمن السيطرة الفعّالة.

مثال تطبيقي (الرضا الوظيفي بوصفه خللًا في أمر العمليات الإداري):

عند تراجع الإنتاج في إحدى المؤسسات، لم يُتعامل مع المشكلة بوصفها حالة أكاديمية في الرضا الوظيفي أو السلوك التنظيمي، بل كحالة ميدانية تتطلب أمر عمليات. جرى أولًا حصر الموقف بدقة عبر رصد المؤشرات الفعلية للأداء، ثم وُضعت عدة احتمالات للخلل، شملت الموارد، وساعات العمل، ونظام الأجور، وآليات الإشراف. صيغت المهمة بوضوح: إعادة مستوى الإنتاج إلى حدّه الطبيعي خلال فترة زمنية محددة. نُفّذت الإجراءات وفق توزيع أدوار واضح، مع متابعة ميدانية، وتأمين متطلبات الإسناد، وتفعيل قنوات الاتصال المباشر مع العاملين.

بعد التنفيذ والمتابعة، تبيّن أن الخلل لم يكن في الأجر ولا في ساعات العمل، بل في الرضا الوظيفي والاهتمام القيادي، أي في عنصر القيادة والاتصال، وهو آخر خماسية أمر العمليات. عند معالجة هذا الخلل تحديدًا، عاد الأداء للتحسن دون أي تغيير جوهري في الموارد أو الأنظمة.

وهم المعرفة الأكاديمية وحقيقة الميدان:

ثمّة حقيقة يدركها القادة في الميادين العسكرية والمدنية على حد سواء؛ وهي أن الجامعات والكليات، رغم رصانتها، لا تمنح الدارس سوى أساسيات العلوم ومصادرها الأولية. غير أن التنظير والممارسة ليسا خصمين؛ فالنظرية إطار يُنظم التفكير، والميدان اختبار يكشف صلاحية هذا الإطار تحت الضغط. إنها تعطي الأدوات، لكنها لا تُعلّم الفن. فالخبرة الحقيقية، والقدرة على التكيّف مع المتغيرات، لا تُكتسب بين جدران القاعات الدراسية، بل هي ثمرة الاحتكاك المباشر بالأزمات والعيش في قلب الميدان.

تتجلى قيمة هذه الفنون حين يصطدم النص النظري بالواقع المعقد، وهنا تبرز الحاجة إلى “أمر العمليات” بوصفه أداةً حية تتغيّر وتتكيف، لا نصًّا جامدًا محفوظًا في الكتب.

تكتمل الصورة بالممارسة والدورات التخصصية:

لا يمكن أن تكتمل صورة القائد أو المدير الناجح بمجرد التخرّج؛ بل تبدأ رحلته الفعلية من خلال:

الدورات التدريبية المتقدمة التي تحاكي السيناريوهات الواقعية، وتضع الفرد أمام معضلات تتطلب قرارا آنيا.

الممارسة العملية؛ فالتكرار والخطأ في الميدان هما ما يصقل الحس الإداري، ويجعل من إصدار أمر العمليات عمليةً فطريةً تتسم بالدقة والسرعة.

الاحتكاك بالأزمات؛ فالأزمة هي المختبر الحقيقي الذي يكشف قدرة الشخص على تطويع التكتيكات العلمية لتناسب الموقف الراهن.

الخلاصة:

إن “أمر العمليات” هو الفن الذي يحوّل الإدارة من مجرد وظيفة مكتبية إلى قوة تنفيذية. وهو يؤكد أن الشهادات الأكاديمية ليست سوى رخصة دخول، أما الريادة والسيادة فهما من نصيب أولئك الذين صقلتهم التجارب، وأدركوا أن التكتيك الحقيقي يُكتب بعرق الميدان، لا بحبر الأقلام في الغرف المكيّفة. فالمؤسسة التي تتقن صياغة وتنفيذ أوامر العمليات هي القادرة على البقاء وتحقيق النتائج في عالم لا يعترف إلا بالفعل.

 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى