بروفيسور عوض سليمية: انفصال الجنوب اليمني: محطة جديدة في إعادة تشكيل خارطة الشرق الاوسط الجديد
في سياق موجة التطبيع مع اسرائيل
بروفيسور عوض سليمية 3-1-2026: انفصال الجنوب اليمني: محطة جديدة في إعادة تشكيل خارطة الشرق الاوسط الجديد
مع نهاية نفوذ الاستعمار البريطاني عن منطقتنا؛ حصل اليمن الشمالي على استقلاله عام 1962 وأعلن الثوار القوميون من تنظيم الضباط الاحرار بمساعدة مصر قيام “الجمهورية العربية اليمنية” وعاصمتها صنعاء. بعد استقلال الشمال بعام؛ انطلقت ثورة 14 أكتوبر 1963 في الجزء الجنوبي من اليمن؛ وانتهت عام 1967 بإعلان قيام “جمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية”. وعلى الرغم من تحقيق الاستقلال في الشمال والجنوب، إلا أن البلاد شهدت صراعات داخلية وحرباً أهلية بين شطري الوطن، تفاقمت نتيجة الاستقطاب الدولي الحاد بين القطبين الكبيرين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة خلال فترة الحرب الباردة. ومع ذلك، تمكن الطرفان من التوصل إلى اتفاقية الوحدة اليمنية في عدن بتاريخ 30 نوفمبر/تشرين ثاني 1989، وأُعلنت الوحدة رسمياً في 22 مايو/ايار1990؛ واعتبار علي عبد الله صالح رئيساً للبلاد وعلي سالم البيض نائباً لرئيس الجمهورية اليمنية.

مع انطلاق ما يسمى بــ “ثورة الربيع العربي” لم تكن صنعاء بعيدة عن عين العاصفة، وكان مطلع العام 2011 تاريخاً لانطلاق الاحتجاجات الشعبية في شوارع اليمن؛ ايذاناً ببدء ثورة شعبية على حكم الرئيس الوحدوي علي عبد الله صالح، عنوانها البطالة والفساد وتردي الاوضاع الاقتصادية، لكنها تحولت سريعاً للمطالبة بإسقاط النظام السياسي برمته، والذي لم يتأخر كثيراً؛ وأعلن صالح تنحيه عن حكم اليمن مطلع العام 2012 بمقتضى المبادرة الخليجية لنائبه عبد ربه منصور هادي.
على الرغم من الجهود المكثفة التي بذلتها الأمم المتحدة من خلال جولات الحوار الوطني المتعددة، بهدف التوصل إلى نظام سياسي يلبي تطلعات الشعب اليمني ويحافظ على وحدته، إلا أن التباين الواضح في الأجندات السياسية بين الأطراف المختلفة قد ألقى بظلاله على هذه المساعي، ما أدى إلى تعقيد المشهد السياسي وزيادة التحديات أمام تحقيق الاستقرار المنشود. وشكل اجتياح الحوثيين لصنعاء يوم 21 سبتمبر/ أيلول 2014 صدمة بين اوساط الشباب الثائر الذين تبددت آمالهم وطموحاتهم في بناء الدولة الوطنية الديموقراطية في بلادهم. مع هذا الانقلاب الذي حمل بصمات طهران، رسخ الحوثيون نظام حكمهم على قرابة 30% من مساحة اليمن في المنطقة الشمالية الغربية للبلاد، امتدت من جبال صعدة وحتى محافظة أب مروراً بالعاصمة صنعاء؛ حيث يقيم قرابة 50% من المواطنين اليمنيين في هذه المناطق. مع هذا التاريخ؛ دخل اليمن في نفق جديد مُظلم من الانقسام وبدأت الاجندات الخارجية تتصدر المشهد السياسي اليمني.

رداً على انقلاب الحوثي، شكلت العربية السعودية وعدداً من الدول العربية والعالمية من بينها الامارات العربية “تحالف دعم الشرعية” واعلنت الرياض عام 2015 بدء عمليات “عاصفة الحزم”، ودارت مواجهات عنيفة بين الجيش اليمني والانفصاليين الحوثيين؛ وشن طيران التحالف الدولي العديد من الغارات على قواعد الانفصاليين الحوثيين. وكان المجلس الانتقالي الجنوبي جزءاً من الدولة اليمنية المنخرطة في مواجهة الحوثي. لكنه؛ وبدعم إماراتي قرر رئيس المجلس الانتقالي عيدروس الزبيدي إطلاق عملية “المستقبل الواعد” يوم 3 ديسمبر/كانون اول 2025؛ ادت الى سيطرة قواته على معظم الاراضي التي تسيطر عليها قوات الحكومة الشرعية التي يقودها المجلس الرئاسي اليمني ورئيسه رشاد العليمي. واجتاحت قوات الجنوبي محافظتي حضرموت-أكبر محافظات اليمن مساحةً 36%، والاغنى بالموارد الطبيعية بما فيها النفط والغاز، وصولاً الى محافظة المهرة؛ ووصلت طلائع المتمردين حتى الحدود الجنوبية الشرقية للمملكة العربية السعودية، الامر الذي اعتبرته الرياض تهديداً لوحدة ومصير اليمن، والامن القومي السعودي.
نقطة التحول الخطيرة في العلاقة بين قطبي تحالف دعم الشرعية الرياض وابو ظبي، كانت في تزويد الاخيرة لقوات الانتقالي الجنوبي بشحنتي سلاح وصلتا الى ميناء المكلا قادمة من ميناء الفجيرة الاماراتي-تم تدميرهما من قبل القوات الجوية السعودية، دون تنسيق مسبق مع قيادة التحالف، الامر الذي اعتبرته الرياض إجراءً “بالغ الخطورة” ويشكل “تهديداً لأمنها الوطني” و”لا يخدم جهود تحقيق أمن اليمن واستقراره”. واصدرت بياناً متزامناً مع بيان المجلس الرئاسي اليمني الذي ألغى إتفاقية الدفاع المشترك مع الامارات؛ وشدد البيان السعودي بوجوب امتناع الامارات عن تقديم أي شكل من اشكال الدعم للانفصاليين الجنوبيين؛ ووجوب مغادرة قواتها الاراضي اليمنية خلال 24 ساعة، وهو ما امتثلت اليه الامارات.
يبدو أن طموحات الانفصال واستدراج العروض لعودة الاستعمار لأرض اليمن ما زالت تمثل جزءًا أساسيًا من عقيدة قائد المجلس الانتقالي الجنوبي، مما يعكس ارتباطًا عميقًا بتلك التوجهات في سياق التطورات السياسية الحالية. ما يعزز هذا الحجة، التصريحات الصادرة عن الزبيدي في مقابلة مع صحيفة “ذا ناشيونال” الناطقة بالإنجليزية، ومقرها الإمارات العربية المتحدة بتاريخ 24 سبتمبر/ايلول 2025، والتي أكد فيها على “أن إعلان قيام دولة يمنية جنوبية مستقلة سيمهد الطريق للانضمام إلى اتفاقيات إبراهيم”؛ مضيفاً “نحن جاهزون “سياسياً وجيوسياسياً وكل ما نحتاجه هو إعلان الاستقلال وأن يعترف بنا الآخرون”. واوجد رابطاً بين حل الدولتين في اليمن على غرار حل الدولتين لانهاء الصراع الاسرائيلي الفلسطيني، يقول “ندعم حل الدولتين – دولة يمنية في الشمال وأخرى في الجنوب – ودولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل. حق تقرير المصير حقٌ مكفول، ولكل شعب الحق في تقرير مصيره”.
على هذا النحو، واصل الزبيدي الدفع نحو مفاقمة الاوضاع وتأزيمها؛ وأعلن رفضه لمطالب الرياض والحكومة الشرعية المتمثلة في ضرورة الحفاظ على وحدة التراب اليمني، وتحدى مواقف قيادة المجلس الرئاسي الرافضة للانقلاب والمطالبة بإعادة الامور الى ما كانت عليه قبل 3 ديسمبر/كانون أول 2025 والجلوس لطاولة الحوار. وكان اوضح مؤشر على رفضه التراجع حتى الان، إعلانه يوم 2 يناير 2026 اعلاناً دستورياً لما اسماه “دولة الجنوب العربي”؛ ينص على ان “الجنوب العربي دولة مستقلة ذات سيادة بالحدود المتعارف عليها دوليًا لجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية”، كمرحلة انتقالية تستمر لمدة عامين، يتبعها استفتاء شعبي يؤدي الى استقلال جنوب اليمن. الامر الذي دفع قوات الشرعية اليمنية “درع الوطن” بدعم من قبائل حضرموت والقوات الجوية السعودية، للتحرك نحو مواجهة شاملة لطرد قوات الجنوبي وانهاء حالة التمرد.
تحليل المشهد السياسي الناشئ في جنوب اليمن والساعي للانفصال، كمقدمة لإخراجه من محيطه العربي، لا يمكن فهم تعقيداته بعيداً عن حسابات أطراف المصالح الاقليمية والحسابات المحلية الضيقة. وعند التدقيق؛ فإن المتابع لا يحتاج الى مزيد من الجهد حتى يتمكن من العثور على بصمات إسرائيل وحلفائها الجدد في المنطقة. فانقسام الجنوب اليمني يفتح امام اسرائيل المزيد من الممرات المغلقة نحو تطبيع العلاقات مع كيانات قائمة على اساس (اثني، عرقي، حزبي، اقليات…) انفصالية؛ بعيداً عن الدولة المركزية- على غرار ارض الصومال. من ناحية، يقرب اسرائيل من الحدود الجنوبية الشرقية للمملكة، ومن ناحية اخرى، يضاعف المساحة تحت أقدامها على ضفتي باب المندب؛ حيث ممرات الملاحة الاستراتيجية لسلاسل التوريد من والى قناة السويس عبر البحر الاحمر، الامر الذي يرفع من مستوى التهديد للأمن القومي المصري.
انفصال الجنوب ليس مجرد ازمة يمنية، بل هو اختراق بنيوي جديد في الجدار العربي، تستفيد منه إسرائيل استراتيجياً، ويتقاطع مع مشروعها لإقامة شرق أوسط تُهيمن عليه عبر “التموضع الذكي”، والتحالف مع كيانات محلية غير مركزية، ضعيفة، تدين لها بالولاء. وتساعدها في رسم خارطة الشرق الاوسط الجديد التي يتفاخر نتنياهو بتصميمها وفقاً للمصالح الاسرائيلية، بدأت من جنوب السودان ثم أرض الصومال والان جنوب اليمن. هذا التوجه نحو التعاون والاعتراف بالأقاليم الانفصالية، قد يمتد إلى مناطق أخرى مثل جنوب سوريا أو جنوب لبنان، وربما حتى داخل إيران، حيث تشهد البلاد اضطرابات داخلية تعكس حالة من السخط الشعبي تجاه النظام القائم.



