منوعات

المهندس عمر سالم الحبيشي: جزء من النص مفقود

المهندس عمر سالم الحبيشي 29-3-2026: جزء من النص مفقود

في قرية تقع وسط صحراء قاحلة، حيث تعيش بقايا أحلام متلاشية وسط الرمال المتحركة، إجتمع أهل القرية في ساحة صغيرة حول الرجل الذي يعرفونه باسم “الموقر”.

لم يكن أحد يعرف إسمه الحقيقي، فقد ولد في زمن غاب فيه المنطق وحلت الفوضى، كان الموقر يمتلك موهبة غريبة في الحديث، يستطيع أن يحول الحقيقة إلى سراب، والسراب إلى حقيقة.

وقف الموقر على منصة خشبية مهترئة، مرتدياً بدلته وربطة العنق التي تلف رقبته، تلك البدلة المعتادة التي باتت ألوانها باهتة من كثرة الوعود التي لم تتحقق.

بدأ كلمته قائلاً: “أيها المواطنون الشرفاء، لقد تحقق الحلم! غداً سيعود كل شيء إلى مجراه الطبيعي، البنزين، الكهرباء، الأمن!”

هز البعض رؤوسهم بإيماء شبه آلي، بينما تلاعبت نسمات الصحراء بحرارة الأجواء، محولة كلام الموقر إلى هواجس عابرة في آذانهم، لكن رغم كل شيء، كانوا يمسكون بحبل الأمل، ولو كان خيطاً رفيعاً، فقد إعتادوا العيش في إنتظار “الغد” الذي لا يأتي أبداً.

وفي اليوم التالي، إستيقظ سكان القرية ليجدوا أن جزءاً من النص الذي كتبه الموقر عن خطته الوطنية مفقود، الكلمات كانت مرصوفة بعناية، لكن الفكرة الأساسية كانت غائبة، تماماً كما يغيب القمر في الليالي المظلمة.

تساءلوا بقلق: “أين إختفى جزء النص؟”

حاول البعض تفسير الأمر، فقال أحدهم: “ربما الموقر قد أرسل النص إلى الأمم المتحدة ليحصل على تصديق دولي؟” وقال آخر: “أو ربما وقع النص في يد المافيا والعصابات؟” وكان هناك من قال: “لا، إنه مجرد سوء حظ! هذا يحدث دائماً عندما نقترب من تحقيق الأحلام.”

ومع مرور الوقت، بدأت الحقيقة تظهر، كان الجزء المفقود من النص يتحدث عن كيفية توزيع الثروات بين أبناء الشعب كما تدعو الأمم المتحدة لذلك، وعن خطط التنمية، وعن العدالة الإجتماعية، ولكن هذه الكلمات كانت مجرد حبر على ورق، إختفت تحت غبار الفساد وسراب الوعود الزائفة.

في نهاية المطاف، جلس أهل القرية حول موائدهم الفارغة، ينظرون إلى بعضهم البعض في صمت مرير.

أدركوا أن الموقر لم يكن إلا جزءاً من النص المفقود في حياتهم، كانوا يعيشون في قصة كتبت نهايتها قبل أن تبدأ، قصة سُرق منها الأمل، وتركت لهم الفصول الممزقة والكلمات الغامضة.

وفي لحظة من لحظات الصفاء العقلي، وقف شيخ مسن وقال بصوت مرتعش: “يا أبنائي، إننا نعيش في وطن كُتب عليه أن يبقى جزء من نصه مفقود، ولن نجد الحل إلا إذا كتبنا نصنا بأنفسنا.”

لكن صوته تلاشى في الهواء، كما تتلاشى أحلامهم كل ليلة، وظل الجزء المفقود من النص حياً في ذاكرتهم، يذكرهم بأنهم لا يزالون يبحثون عن وطن لم يلد بعد .

 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى