اللواء محمود الناطور يكتب – تنظيم القاعدة: استراتيجية جديدة وقوة متنامية – الحلقة الثامنة
بن لادن والحذر الشديد
من ابرز صفات الشيخ اسامه بن لادن انه لا يقيم علاقة مع شخص او حزب او حركة او تنظيم الا بعد توافر معلومات كافية يحدد على ضوئها شكل ونوع العلاقة ، وفيما يتعلق بعلاقاته مع الشيخ حسن الترابي زعيم الجبهة القومية الاسلامية السودانية كانت في البداية تتم عبر الدكتور ايمن الظواهري زعيم تنظيم الجهاد المصري، وعبر الشيخ الضرير عمر عبد الرحمن المعتقل حتى اعداد هذه الحلقة في الولايات المتحدة الامريكية .
لكن ذلك لم يجعله يغفل مصادره الخاصة التي كانت تراقب تحركات واتصالات الشيخ حسن الترابي وطموحه للزعامة، فمنذ نجاح الثورة الاسلامية في ايران وعودة الامام آية الله الخميني الى طهران ، كان الترابي يخطط الى قيام دولة اسلامية بزعامته عن طريق تمكين الحركات الاسلامية من السيطرة على الحكم في بلادها ثم توحيدها في دولة واحدة، لكن حسابات الترابي ولدت “ميتة” لقناعاته بان ذلك الحكم الاسلامي قد يتحقق بدعم امريكي واستخدام الحركات الاسلامية وسيلة للضغط على الادارة الامريكية من اجل تحقيق هدفه.
وقد ادرك الشيخ اسامه بن لادن اطماع وتطلعات الشيخ الترابي منذ زيارته للعاصمة الكندية “اوتاوا” حين تعرض الترابي هناك لمحاولة اغتيال يوم 25/5/1992، على يد لاجئ سياسي سوداني يدعى “هاشم بدر الدين محمد” بدعم من مجموعة بارزة في الجبهة القومية الاسلامية التي يتزعمها ، لكن الشيخ حسن الترابي نجا من محاولة الاغتيال بعد ان اصيب في احد فكيه واصبح يتكلم بتلعثم ، وحين عاد الى الخرطوم نهاية شهر حزيران/يونيو 1992 وجد ان الامور قد تغيرت داخل مجلس قيادة الجبهة وبروز متنافسين احدهما يقوده المحامي ورجل الاعمال عثمان خالد مضوي بدعم من احمد عبد الرحمن وزير الداخلية السابق في حكومة الرئيس جعفر النميري ، وتمويل من المليونير محمد يوسف محمد .
اما التيار الثاني فكان بقيادة المحامي علي عثمان محمد طه نائب الترابي يسانده القادة المتشددون في الجبهة امثال المحامي محمد طه محمد احمد وغازي صلاح الدين ومهدي ابراهيم والطيب ابراهيم محمد خير حاكم ولاية دارفور ، ونافع عثمان نافع رئيس جهاز الامن في الجبهة ، وبسبب الصراع تم اعتقال عثمان خالد مضوي ومنعه من السفر ، وجرى انزاله عنوة من طائرة الخطوط الجوية الالمانية “لوفتهانزا” بحجة تلقيه تسهيلات مالية ضخمة لاستيراد زيوت لكنه لم يلتزم بذلك.
والمعروف ان المحامي عثمان خالد مضوي اعاد تحالفه مع الشيخ حسن الترابي وكان احد قادة الاخوان المسلمين الذين شاركوا في “الجبهة الوطنية” التي تشكلت في لندن عام 1984 للاطاحة بنظام الرئيس جعفر النميري وكانت الجبهة الوطنية آنذاك برئاسة الصادق المهدي ووزير المال الشريف حسين الهندي.
ويبدو ان الشيخ اسامه بن لادن قد تلقى معلومات وافية ايضا عن جميع رجالات الشيخ حسن الترابي وعقد معهم صفقات تجارية ومالية ليضمن ولاءهم وتاييدهم ومساندته في حال اختلافه مع الترابي ، كما ضمن الشيخ اسامه بن لادن من خلالهم اقامة شبكة من التحالفات مع مجموعات اسلامية ورجال اعمال ومتنفذين في كل من اوغندا وكينيا وزنجبار والصومال ودول شمال وشرق افريقيا ، ونستطيع التأكيد بأن الشيخ اسامه لم ينتقل للاقامة في السودان الا بعد ان استكمل كافة المعلومات حول الشبكة التي ستعمل لصالحه في داخل الجبهة القومية الاسلامية بزعامة الشيخ حسن الترابي .
وفي نفس الوقت كان الشيخ اسامه بن لادن حينذاك يراقب باهتمام شديد التحرك السعودي الذي بدأه المغفور له بإذن الله الملك فهد بن عبد العزيز للوساطة بين الفصائل الافغانية ، حيث اجرى مبعوث جلالته الامير تركي الفيصل لقاءات مكثفة في كابول مع الرئيس برهان الدين رباني ومع رموز المعارضة الافغانية في العاصمة الباكستانية اسلام آباد ، التي كانت تحتفظ بأطيب العلاقات مع الامير تركي الفيصل حيث منحه الرئيس الباكستاني آنذاك “وسام مؤسس باكستان” وهو اعلى وسام شرف في الباكستان ، وقد اعطى له كما قيل على لسان الرئيس الباكستاني فاروق احمد لبغاري “اعترافا بخدماته الجليلة للاسلام.
بن لادن ضد الجهاد من لندن
شهدت العاصمة البريطانية لندن خلال شهر آب/اغسطس 1994 حدثان كبيران جذبا اهتمام معظم اجهزة الاستخبارات الامريكية والاوروبية والعربية وغيرها ، ففي اليوم السابع من ذلك الشهر وتلبية لدعوة من حزب التحرير الاسلامي انعقد في قاعة “ويمبلي” في العاصمة لندن اكبر تجمع اسلامي سلفي في اطار مؤتمر عالمي للجهاد، حضره اكثر من الفي قائد جهادي جاءوا من الدول العربية وبريطانيا والولايات المتحدة الامريكية وتركيا وباكستان والهند وبنغلاديش والبوسنة ، وكان حضور (الافغان العرب) مميزا في ذلك المؤتمر الذي فاق عدد الحاضرين له حجم الذين شاركوا في المؤتمر الاسلامي بالخرطوم الذي دعا اليه الشيخ حسن الترابي زعيم الجبهة القومية الاسلامية السودانية في العام 1993 .
والحدث الثاني كان في اليوم الثامن والعشرين من الشهر نفسه ، حيث انعقد مؤتمر للقيادات الاسلامية السلفية بدعوة من “البعثة الاسلامية في بريطانيا” وتم اختيار مدينة “شيفليد” بشمال انجلترا مكانا لانعقاد المؤتمر الذي فاق عدد حضوره ايضا عن الفي قائد اسلامي من ابرزهم رائد الغنوشي زعيم حركة النهضة التونسية اللاجئ في لندن ويحمل جواز سفر سوداني ، وعلام عزام زعيم الجماعة الاسلامية في بنغلاديش والقاضي حسين احمد زعيم الجماعة الاسلامية في باكستان.
وقد اختتم المؤتمران بتوجيه دعوة للجهاد انطلاقا من لندن، لدرجة انه تم توزيع بيان على مدخل جامع “اريجنس بارك” في وسط لندن جاء فيه: “يجب ان تبرهنوا لهم انكم لا تحملون قطعة جبنة محل عقولكم ، ارموا الحجارة ، وفجروا القنابل ، ازرعوا الالغام ، واخطفوا الطائرات” ..
والجدير بالذكر ان ايران كانت حاضرة في المؤتمرين عن طريق القائد الاسلامي كليم صدقي زعيم البركان الاسلامي البريطاني، كما كانت السودان حاضرة عبر ممثلي الجبهة الاسلامية القومية بزعامة الشيخ حسن الترابي، وكان الافغان المجاهدين والافغان العرب حاضرين من خلال ممثلي زعيم الحزب الاسلامي الافغاني قلب الدين حكمتيار ، وكانت الاصولية الباكستانية حاضرة عبر ممثلي قاضي حسين احمد زعيم الجماعة الباكستانية وعبر ممثلي اسرار احمد زعيم تنظيم التحرير الاسلامي الباكستاني الناشط في كشمير وكانت جميع التنظيمات الاسلامية السلفية الجزائرية حاضرة ، بدعم من راشد الغنوشي وأنور هدام رئيس البعثة البرلمانية لجبهة الانقاذ الاسلامية الجزائرية ، وكذلك بدعم من عباس مدني زعيم جبهة الانقاذ المتزوج من سيدة بريطانية وانجب منها أبناؤه سليم وسلمان وعقبة وفايزة.
وحظي حزب التحرير الاسلامي بزعامة عمر بكري محمد آنذاك (انتقل للعيش في لبنان) بكل الدعم والمساندة من الحكومة البريطانية ، وهو الحزب الذي لعب دورا اساسيا في جعل العاصمة البريطانية مقرا للأممية الاسلامية المنادية بإقامة دولة الخلافة من هناك ، ليس ذلك فحسب وانما في تحسين العلاقات بين بريطانيا وحزب الله اللبناني وتنظيمات اسلامية موالية لايران ولحركة حماس الاسلامية في فلسطين التي كانت افتتحت (صندوق اغاثة فلسطين ولبنان) برعاية متنفذين اسلاميين مقيمين في لندن وكان هذا الصندوق يجمع الاموال لدعم نشاطات حركة حماس .
اما فيما يتعلق بتنظيم القاعدة ودور الشيخ اسامه بن لادن في دعم الحركات الاسلامية التي كانت تسعى لتشكيل الاممية الاسلامية في لندن بزعامة الشيخ حسن الترابي آنذاك ، فقد ادعت بعض المصادر الاسلامية ان قيادات من القاعدة قد استقرت في بريطانيا وافتتحت مؤسسة اعلامية كبيرة ، الا ان الاكثر صوابية هو ان الدعم كان موجها الى الشيخ حسن الترابي عبر الجبهة الاسلامية ، حيث استخدمه الشيخ اسامه بن لادن “واجهة” للتقريب بين الحركات الاسلامية دون ان يورط تنظيمه او قياداته في تلك الجهود ، ذلك ان تقديرات زعيم القاعدة آنذاك تشير الى اعتقاده بأن المخابرات المركزية الامريكية والمخابرات البريطانية كانتا تراهنا في تلك المرحلة على وصول الاسلاميين الى السلطة ، وكانتا تسعيان الى تجنيد قادة الحركات الاسلامية للضغط على الانظمة واثارة الفوضى وعدم الاستقرار وخاصة في الجزائر ضد النفوذ الفرنسي .
في حين ان تنظيم القاعدة كان يركز كل اهتماماته ونشاطاته في افغانستان ولا يراهن على الدورين الامريكي والبريطاني ، ولم يكن معنيا بأن يكون طرفا في مؤامرة امريكية – بريطانية ضد فرنسا في الجزائر ، ويرى ان الاستقطاب البريطاني لهذين المؤتمرين الاسلاميين هو “شرك” لجمع المعلومات عن جميع التنظيمات المشاركة ، ومع كل ذلك كان الشيخ اسامه بن لادن يلعب في نفس الملعب الامريكي – البريطاني لاستقطاب قادة اسلاميين لتنظيمه السلفي العالمي فيما بعد .
وقد برهنت الوقائع فيما بعد عن صحة رؤية زعيم تنظيم القاعدة ، حيث بدأت فرنسا تحرض الشباب الجزائري على الجهاد في افغانستان ضد الامريكان والبريطانيين ، وامتلأت معسكرات بن لادن في بيشاور وجلال آباد وغيرهما في افغانستان بالمجاهدين الجزائريين .
بن لادن والعلاقة مع الشيخ الضرير
استقبلت العاصمة السودانية الخرطوم التي اصبحت ملجأ التنظيمات والحركات السلفية بعد الانقلاب الاسلامي على نظام الرئيس السابق جعفر النميري ، حيث اصبح الشيخ حسن الترابي زعيما اسلاميا امميا ، استقبلت الشيخ المصري الضرير عمر عبد الرحمن مفتي الجماعة الاسلامية المصرية واميرها العام وهي اشد الجماعات المناهضة للنظام في مصر.
والشيخ عمر عبد الرحمن من مواليد عام 1938 في قرية (الجمالية) بمحافظة الدقهلية (120 كم شمال القاهرة) وكان قد فقد بصره منذ العام الاول لولادته، وبعد ان كبر التحق بمعهد للمكفوفين، ثم التحق بالمعهد الديني التابع للازهر الذي قبل انتسابه فيما بعد في كلية اصول الدين بالجامعة ، وبعد تخرجه عمل اماما لمسجد قرية (فيدمين) بالفيوم (80 كم جنوب القاهرة) ثم معيدا في جامعة الازهر لكنه اقيل بسبب آرائه المتطرفة التي عبر عنها في خطبته الشهيرة خلال شهر نيسان/ابريل عام 1969 .
وبعد وفاة الرئيس جمال عبد الناصر في شهر ايلول 1970 وقف الشيخ عمر عبد الرحمن على المنبر في احد مساجد الفيوم ومنع الناس من الصلاة على الرئيس جمال عبد الناصر لانه كافر ولا يجوز عليه الصلاة، فقامت اجهزة الامن المصرية باعتقاله وقضى ثمانية اشهر في سجن القلعة، خرج بعدها ليعمل في معهد المنيا بصعيد مصر ثم في جامعة اسيوط وبعدها سافر الى السعودية للعمل ، وعاد منها عام 1980 لينضم الى الجماعة الاسلامية المصرية ويتولى منصب الافتاء للجماعة، ثم اصبح الامير العام لها حيث اسهم بشكل رئيسي في دمج الجماعة الاسلامية مع الجهاد الاسلامي المصري قبيل اغتيال الرئيس المصري الراحل محمد انور السادات، وتسلم منصب رئيس مجلس شورى الجماعتين حتى ايلول/سبتمبر 1981 حين تم اتخاذ قرار باغتيال السادات.
تم اعتقال الشيخ الضرير قبل عملية الاغتيال لكنه استطاع الهرب حتى تم القبض عليه بعد الاغتيال وجرى تقديمه للمحاكمة باعتباره المتهم الثاني وصاحب الفتوى باغتيال السادات، وقد ترافع الشيخ عن نفسه في المحكمة لمدة ست ساعات متواصلة اقنعت المحكمة ببراءته ، ووضع تحت التحفظ في منزله في الفيوم ، الا انه تمكن من مغادرة مصر والوصول الى السودان حيث التقى الشيخ حسن الترابي زعيم الجبهة القومية الاسلامية السودانية ، والذي طلب منه التوسط لدى ايران لدعمه ماليا وسياسيا الا ان ايران ابدت بعض التحفظات على العلاقة مع الشيخ عمر عبد الرحمن، فدعمه الشيخ الترابي بالسفر الى بيشاور في افغانستان للالتحاق باتباعه هناك ، وقبيل سفره الى باكستان كان قد التقى في الخرطوم مع قادة الحركات الاسلامية الجزائرية امثال الغنوشي وعلي بلحاج واتفق معهما على تشكيل “لجنة الارتباط العليا”.
لم تطل اقامة الشيخ عمر عبد الرحمن في بيشاور ، حيث غادرها الى سويسرا حيث تلقى هناك دعوة للسفر الى الولايات المتحدة الامريكية بناء على طلب من مؤسسة امريكية هي مسجد الفتح في نيوجيرسي لصفته اماما لجامع وداعية للدين الاسلامي، وبعد تلقيه الدعوة لزيارة الولايات المتحدة الامريكية عاد الى السودان وكان ذلك في شهر ايار/مايو 1990 ليجد تأشيرة الدخول الى الولايات المتحدة تنتظره في السفارة الاميركية بالخرطوم.
وصل الشيخ عمر عبد الرحمن الى نيويورك يوم 18/7/1990 وعندما سأله احد المصلين عن سبب اختياره لامريكا للاقامة وهي دولة الفساد قال له : انه دخل الى امريكا من اجل الدعوة الى الله ، وكشف انه قبلها قد ذهب الى بريطانيا خمس مرات والى الدنمارك والى السويد وسويسرا وغيرها من الدول ، وبعد فترة من وصوله الى نيويورك استقر الشيخ في مدينة “جيرسي سيتي” في ولاية نيوجيرسي ، التي اتخذها مركزا لتحركاته بين مساجد مختلف المدن لتوزيع اشرطة الكاسيت لخطبه النارية.
وبعد ان تصاعدت عمليات الجماعة الاسلامية المصرية ضد السياحة في مصر اشتكت مصر بأن الشيخ عمر عبد الرحمن هو المحرض والممول ، وطالبت الادارة الامريكية بتسليمه ، الا ان المعلومات حول دوره في عملية تفجير المركز التجاري الدولي في نيويورك والمتهم فيها الاردني محمد سلامه حيث اعتقل بعدها وما يزال رهن الاعتقال .
وعندما سأل احد المسؤولين المصريين السفير الامريكي السابق في القاهرة فرانك ويزنر عن السبب الذي من اجله تبقي امريكا على الشيخ عمر عبد الرحمن لديها رغم ضلوعه في الارهاب قال ويزنر: ربما ارادت امريكا ان تريحكم منه ، وعموما خير له ولكم ان يقيم في الولايات المتحدة على ان يقيم لديكم ويثير لكم المشاكل .
وقد ربطت اجهزة المخابرات الامريكية بين الشيخ الضرير عمر عبد الرحمن وزعيم القاعدة الشيخ اسامه بن لادن مطلقة حملة من المعلومات الكاذبة والمغلوطة حول انتمائه الى تنظيم القاعدة ابان مرحلة وجود الشيخ اسامه بن لادن في السودان مستندة في ذلك الى التحقيقات التي اجرتها اجهزة الامن الامريكية مع المتهم محمد سلامه حول دوره في تفجير مركز التجارة الدولي في نيويورك ، وبعد مراجعة اعترافات المتهم المذكور تبين انه كان يستمع الى خطب الشيخ عمر عبد الرحمن لكنه لم يكن مرتط معه تنظيميا ، وسوف نتطرق الى مزيد من المعلومات حول محمد سلامه في الحلقات المقبلة .



