القناة 12 العبرية: التحول السعودي: ابن سلمان ينأى بنفسه عن اتفاقيات إبراهيم لسبب وجيه

القناة 12 العبرية 19/1/2026، يونتان أديري *: التحول السعودي: ابن سلمان ينأى بنفسه عن اتفاقيات إبراهيم لسبب وجيه
إن التحول الحاد الذي شهدته السعودية في الأشهر الأخيرة ليس دليلًا على الارتباك، بل على صفاء ذهن قائد ينظر مباشرة إلى الواقع. محمد بن سلمان ليس مرتبكًا؛ إنه يقود السفينة السعودية العملاقة عبر عاصفة تاريخية مزدوجة، حيث يُطلب منه العمل على جبهتين متعارضتين في آن واحد. مأساة وعظمة ولي العهد: يكمنان في الفجوة الهائلة التي انفتحت أمامه: فبينما يحقق إنجازات باهرة على الساحة الدولية ويعزز مكانته، يجد نفسه مضطراً في الداخل لمواجهة قوى جبارة تهدد مستقبل المملكة. إنه يدرك ما يرفض الكثيرون من شعبه رؤيته: لكي تنجو السعودية في القرن الحادي والعشرين، لا يكفي ترميمها فحسب، بل يجب تفكيكها وإعادة بنائها. وهذه العملية للإعادة تحمل معها تحديات هائلة.
على الساحة الدولية، تمر السعودية بلحظة حرجة. فقد خلقت عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض والانهيار المستمر لإيران “معجزة مزدوجة” للرياض: فقد عادت المظلة الأمريكية (إذ وصف الرئيس بايدن ابن سلمان بـ “المنبوذ”)، وتراجع التهديد الشيعي الوجودي بشكل كبير. في الحيز السياسي الذي أُتيح له، اختار ولي العهد قصف قوافل الإمداد الإماراتية بعنف في منطقة الحكومة المؤقتة بجنوب اليمن، وشن هجوم عنيف على الإمارات، ومحاولة إقامة تحالف عسكري مع تركيا وباكستان. تتيح له هذه المساحة السياسية والعسكرية النادرة التغاضي عن الحدود والتركيز على حربه الحقيقية – الحرب الداخلية.
القصة الأهم هي الفشل المتزايد في تحقيق “رؤيا 2030”. فقد خاض ابن سلمان، الزعيم الأكثر طموحًا في القرن الحادي والعشرين، حربًا عشية توليه السلطة ضد ثلاث قوى تاريخية جبارة، كل منها قادرة بمفردها على إسقاط إمبراطوريات:
- قرن من النفط: لم يُثرِ الذهب الأسود البلاد فحسب، بل أضعف أيضًا كل عضلة إنتاجية في المجتمع. اعتاد المواطن السعودي على عقد بسيط: الصمت السياسي مقابل الوفرة الاقتصادية. يحاول ابن سلمان نقض هذا العقد وتحويل رعاياه إلى مواطنين عصريين ورواد أعمال، لكنه يكتشف أن استجابة المجتمع المتدهور أبطأ مما كان يتوقع.
- قرن من كراهية النساء: لم يكن استبعاد المرأة ظلمًا أخلاقيًا فحسب، بل كان هجومًا اقتصاديًا أيضًا، إذ أدى إلى تحييد نصف القدرة الإنتاجية للبلاد. في أحد لقاءات الرئيس شمعون بيرس مع الرئيس باراك أوباما، عندما سأل الرئيس الأمريكي الرئيس بيرس: “من عليّ أن أعتني به لإطلاق العنان لإمكانات الشرق الأوسط؟”، أجاب الرئيس الراحل: “الأزواج”. إن اضطهاد المرأة ضربة ثلاثية: لها، ولأبنائها الذين ينشؤون في ثقافة متخلفة، وللمجتمع ككل. إن دمج المرأة ضرورة اقتصادية، لكنه يقوض سلطة الرجل السعودي في بيته ويخلق رد فعل ثقافي عنيف
- المؤسسة الدينية: الوهابية هي التي منحت آل سعود الشرعية للحكم في المقام الأول. يحاول ابن سلمان قلب المعادلة وإخضاع الدين للدولة، وهي خطوة تجعله مكشوفًا ويفتقر إلى “شهادة الموافقة” التقليدية.
لفهم حجم التحدي الذي يواجه هذه القوى، يكفي النظر إلى جداول البيانات. تُظهر الأرقام أن العالم لا يقتنع بهذه الرؤيا.
تهدف “رؤيا 2030” إلى جذب 100 مليار دولار سنويًا من الاستثمارات الأجنبية المباشرة. أما في الواقع، فالوضع مختلف تمامًا. ففي العام 2023، لم تتجاوز الاستثمارات 19 مليار دولار (حوالي 12 مليار دولار باستثناء الصفقات الاستثنائية المتعلقة بأرامكو). وفي العام 2024، استمر التراجع، حيث لم تتجاوز 20 في المئة من الهدف. معظم هذه “الاستثمارات” ليست مشاريع جديدة، بل إعادة تدوير لأموال النفط. علاوة على ذلك، في نهاية زيارة ترامب للخليج، ارتفعت التوقعات باستثمارات سعودية بعشرات بل ومئات المليارات من الدولارات في دول التحالف المتجدد.
والأسوأ من ذلك هو وضع “الصندوق الصغير” – صندوق الثروة السيادية (PIF). فقد شهد هذا الصندوق، المُفترض أن يُموّل المشاريع الضخمة، انخفاضًا حادًا في أرصدته النقدية: من 50 مليار دولار في العام 2020 إلى 15 مليار دولار فقط في منتصف العام 2024. وهذا مستوى خطير من السيولة.
يُضاف إلى ذلك أهم مؤشر اقتصادي كلي: “سعر التعادل”. فلكي تتمكن المملكة العربية السعودية من تمويل ميزانيتها الطموحة دون عجز، تحتاج إلى سعر نفط يبلغ حوالي 96 دولارًا للبرميل. وفي الواقع، تتراوح أسعار النفط في السوق العالمية بين 75 و80 دولارًا. وهذا يعني عجزًا هيكليًا ومزمنًا، يُجبر المملكة على الاقتراض وتقليص مشروع “نيوم” الرئيسي بشكل كبير.
هنا تكمن المعضلة الحقيقية. فالأمر لا يتعلق بـ”النجاح أو الفشل”، بل بمفارقة الإصلاح نفسه. يُدرك ابن سلمان أن النموذج القديم قد حكم على المملكة العربية السعودية بالموت البطيء. لكن الإصلاح الذي يقترحه أشبه بجراحة قلب مفتوح بلا تخدير: فهو يُزيل الأسس الراسخة (الدين، التقاليد، الرعاية الاجتماعية دون عمل) من تحت أقدام رعاياه، ويُقدم لهم في المقابل رؤيا مستقبلية تبدو في الوقت الراهن بعيدة المنال وغير ناجحة اقتصاديًا.
كلما تعمّق في الإصلاح، كلما أضرّ بمصالح أكثر، وخرق أعرافًا أكثر، واكتسب أعداءً أكثر في الداخل. وكلما سعى جاهدًا لتحويل السعودية إلى دولة “طبيعية” ومنتجة، كلما اضطر إلى تفكيك الآليات التي أبقت عائلته في السلطة طوال قرن. إنه في سباق مع الزمن: هل سينجح في بناء “السعودي الجديد” قبل أن ينهض المتمردون السعوديون القدامى؟
إن قراءة إسرائيل للواقع السعودي من خلال “نظارات التطبيع” قراءة خاطئة. فنحن امتدادٌ ثالث للمشروع الطموح لولي العهد الشجاع. إن افتراض أن ابن سلمان سيكون “لي كوان يو” الشرق الأوسط، يقود تحديثًا مستقرًا وسلسًا كما في سنغافورة، هو افتراض متفائل للغاية. إن فرص نجاح المركزية القوية في إحداث تحول ثقافي عميق كهذا دون صدمات هائلة ضئيلة. ومن الطبيعي تمامًا، في ظل هذا الواقع السياسي، أن يسعى ابن سلمان إلى الابتعاد عن منطق “اتفاقيات إبراهيم” التي من شأنها أن تزيد من حدة خلافاته مع قوى الإصلاح الداخلية الثلاث. وبدلاً من ذلك، فهو يتوخى الحذر، مستخدمًا خطاب الهيمنة السعودية في المنطقة إلى جانب شركاء طبيعيين كتركيا وباكستان.
إن التطبيع مع السعودية سيكون إنجازًا هائلاً لإسرائيل والمنطقة بأسرها، لكن لا ينبغي لإسرائيل أن تبني أبراجًا شاهقة على الاستقرار السعودي. إن تحركات ابن سلمان الأخيرة بعيدًا عن اتفاقيات إبراهيم، وتجديد التحالف مع باكستان، تشير إلى أنه يبحث عن ضمانات ويسعى لاستغلال الانفتاح الجيوسياسي الذي أُتيح له. بالنسبة لنا، هذه إشارة للعودة إلى الركيزة الحقيقية والمستقرة في هذا المجال – نيودلهي، لا الرياض.
*شريك مؤسس في حركة “الينو” – جيل الاحفاد المؤسسين



