أقلام وأراء

الحبيب الأسود: الدبيبة يفرض شروطه فهل من انتخابات في 2023؟

الحبيب الأسود 6-3-2023: الدبيبة يفرض شروطه فهل من انتخابات في 2023؟

خرج رئيس الحكومة المنتهية ولايتها عبدالحميد الدبيبة على الليبيين معلنا استعداده للتخلي عن منصبه شريطة عرض التعديل الدستوري على الاستفتاء الشعبي العام والمباشر، وهو يدرك أن هذا الشرط بعيد المنال، وأن طرحه إياه يدخل في سياق لعبة سياسية لا تزال تهدد البلاد بالتقسيم الحقيقي في ظل فشل المجتمع الدولي في فرض خطة فعالة للحل، والخروج من دائرة الصراع على السلطة بين من كانت رئيسة البعثة الأممية بالوكالة ستيفاني ويليامز تصفهم بديناصورات السياسة، وقالت إنهم يرون أي تغيير عبر تشكيل سلطة تنفيذية مؤقتة أو إجراء انتخابات وطنية نهاية حتمية لامتيازاتهم، وقدرتهم على الوصول إلى خزائن وموارد الدولة، وبالتالي وضع حد لنظام المحسوبية الذي طوروه بمهارة خلال السنوات الماضية.

جاء موقف الدبيبة بعد تصويت مجلس الدولة الاستشاري على قبول التعديل الثالث عشر على الإعلان الدستوري الذي من شأنه توفير أساس لإجراء انتخابات، وذلك بعد أن كان مجلس النواب قد صوت عليه بالإجماع في الثامن من فبراير الماضي، وتم نشره بالجريدة الرسمية في 23 من الشهر ذاته، وشهدت الساحة السياسية سجالا حادا حوله مع ظهور مؤشرات على أن مجلس الدولة كان يتجه لرفض القبول به، لكن في 27 فبراير، طرح رئيس البعثة الأممية عبدالله باتيلي خطة جديدة ضمن إحاطته أمام مجلس الأمن، تتضمن تهديدا لوجود مجلسي النواب والدولة والتوجه نحو إيجاد بديل لهما، يتمثل في تكوين لجنة جديدة لإعداد الإطار الدستوري والقانوني للانتخابات، تجمع كل أصحاب المصلحة في ليبيا، تشارك فيها المؤسسات السياسية وأهم الشخصيات السياسية والقادة القبليون ومنظمات المجتمع المدني والأطراف الأمنية والنساء والشباب، وذلك بهدف تنظيم العملية الانتخابية قبل نهاية العام الحالي.

جاءت مبادرة باتيلي لتطرح جملة من التحديات على مجلسي النواب والدولة اللذين يواجهان انتقادات واسعة لأدائهما من قبل أغلب المتداخلين في المشهد الليبي من داخل البلاد وخارجها، وبالتالي لتدفع بهما نحو تجاوز خلافاتهما السابقة والبحث عن نقاط توافق بينهما، ومن ذلك تصويت مجلس الدولة على التعديل الدستوري، وإعلان رئيس مجلس النواب عقيلة صالح عن استعداد البرلمان لإدخال تعديلات على قانوني الانتخابات البرلمانية والرئاسية، اللذين سبق له أن تولى التصويت عليهما في أغسطس وسبتمبر 2021 عندما كانت كل الأعناق مشرئبة نحو يوم 24 ديسمبر كموعد نهائي للانتخابات، قبل أن يتم التلاعب به من قبل قوى داخلية وخارجية بسبب عدم حصولها على ضمانات بفوز مرشحين بأعينهم قادرين على تأمين مصالحها.

يكاد يكون هناك إجماع على أن توافقات مجلسي النواب والدولة ليست جدية، وحتى لو تحقق البعض منها فإن ذلك لن يستمر طويلا، خصوصا إذا تعلق الأمر بالقاعدة الدستورية الخاصة بشروط الترشح للانتخابات الرئاسية، إذ أن مجلس الدولة يعبّر في موقفه الرافض لترشح العسكريين ومزدوجي الجنسية عن وجهة نظر بيئته السياسية والاجتماعية والأيديولوجية في شرق البلاد، وعن رفضها المطلق لترشح قائد الجيش خليفة حفتر الذي يعتبر العدو رقم واحد لتيار الإسلام السياسي وأمراء الحرب وقادة الميليشيات والجماعات المسلحة ولكل من يعتبرون أنفسهم مؤتمنين على ثورة 17 فبراير.

يضع المجتمع الدولي في اعتباره أن مجلسي النواب والدولة يواصلان عرقلة الحل السياسي، ويحولان دون توفير الظروف الملائمة لتنظيم الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، ومن هذا المنطلق اتجه باتيلي للحديث عن مشروع يسعى من خلاله لإيجاد بديل عن المجلسين، ولكن لا أحد يعلم كيف ستحدد الأمم المتحدة موقفها من النقاط الخلافية حول القاعدة الانتخابية، وهل تستطيع مثلا منع حفتر بصفته عسكريا ويحمل جنسية أجنبية إلى جانب الجنسية الليبية، وسيف الإسلام القذافي بصفته مطاردا من قبل محكمة الجنايات الدولية، من الترشح للاستحقاق الرئاسي؟ ومن يستطيع إضفاء الشرعية الدستورية والمشروعية السياسية على ذلك؟ وهل يمكن للجنة التي سيتم تشكيلها من شخصيات غير منتخبة أن تقنع الشعب الليبي بقراراتها سواء في هذا الاتجاه أو ذاك؟

قد يكون من الصعب إبداء التفاؤل إزاء خطة باتيلي، كما من الصعب الحديث عن التوصل إلى توافق بين مجلسي النواب والدولة حول شروط الترشح للانتخابات، ومن الصعب كذلك انتظار تخلي الدبيبة عن كرسي رئاسة الحكومة المنتهية ولايتها، وهو الذي يتمسك بالسلطة كغنيمة، ويعتمد على فن المراوغات والمساومات والوعود والصفقات والخطاب الشعبوي، واستغلال عواطف الطبقات المطحونة في تكريس نفوذه، والظهور لمواطنيه في صورة الثائر والديمقراطي والتقدمي والمدافع عن حقوق الليبيين، وعن ثروة ومقدرات بلادهم، وعن سيادتها وكرامة شعبها، رغم أن الواقع يقول غير ذلك، ويشير إلى أن الرجل لا يهتم إلا بمصالحه ومصالح الأسرة والجماعة والفريق الذي يحيط به، ومصالح القوى الإقليمية والدولية التي تضفي عليه شرعية الأمر الواقع، كما فعلت مع فايز السراج قبله، ولا ترى مانعا من تركه في منصبه سنوات أخرى من باب التفاعل مع طبيعة الحالة الليبية المتشعبة.

لن تنتظم انتخابات في ليبيا في العام 2023 رغم كل ما قيل ويقال، وذلك لأسباب عدة منها: أن السلطة الحقيقية في ليبيا اليوم هي لمن يسيطر على الأرض، أي الجيش في شرق وجنوب ووسط البلاد، والميليشيات والقوات الأجنبية والمرتزقة في المنطقة الغربية، ولا يمكن فرض الحل السياسي النهائي دون إيجاد أرضية مشتركة للجمع بين هذين الطرفين على أساس توحيد المؤسسة العسكرية وإدماج المسلحين وإجلاء المقاتلين الأجانب والمرتزقة، وهو أمر يتطلب المزيد من الوقت بسبب استمرار التدخل الخارجي من جهة، وطبيعة الصراع الخفي على الثروة ومفاتيح خزينة الدولة من جهة أخرى.

لن يقبل المشير حفتر بإقصائه من الترشح للسباق الرئاسي، ولن يقبل مناوئوه بترشحه مهما كان الثمن، وهذا ما عبر عنه أمراء الحرب وقادة الميليشيات والتيار الثوري المتطرف، وعبرت عنه بعض القيادات الجهوية والمناطقية وقوى الإسلام السياسي وعلى رأسها فريق الصادق الغرياني. وجميع تلك الأطراف أصبح لها اليوم من يمثلها ويعبر عنها بصوت عال وهو الدبيبة الذي لا يخفي استعداده للتحالف مع الشيطان من أجل إما البقاء في الحكم، أو الوصول إليه بانتخابات يضمن الفوز فيها بغياب المنافسين الجديين وأبرزهم حفتر وسيف الإسلام.

واليوم، عندما يشترط الدبيبة تنظيم استفتاء شعبي على التعديل الدستوري، إنما يعلن عن رفضه المطلق لأي توافق بين مجلسي النواب والدولة، وسيخرج لاحقا ليشكك في الآلية المقترحة من قبل باتيلي، وسيجد من يدعمه في كل مواقفه وتوجهاته وهو الذي يضع اليوم يده على مفاتيح الخزانة ويتحكم في المنطقة الخضراء بطرابلس، أي في مركز القرار السياسي والمالي والاقتصادي الذي تم تكريسه من قبل سلطة أمر واقع غير معنية إلا بمصالحها وطريقة الحفاظ عليها، واستبعاد كل ما يتهددها، حتى وإن كانت الانتخابات التي لا تعدو أن تكون حبة مسكنات للشعب المقهور ونخبه البائسة.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى