ترجمات أجنبية

إندبندنت: 5 مؤشرات إلى استعداد بوتين لحرب أوسع في أوروبا

إندبندنت 3-1-2026، روبرت فوكس: 5 مؤشرات إلى استعداد بوتين لحرب أوسع في أوروبا

روبرت فوكس

حقق هجوم بوتين الإعلامي، وادعاؤه بأن مقر إقامته تعرض لهجوم من مسيرة أوكرانية هذا الأسبوع – من دون أن يكشف علناً عن أية أدلة ملموسة حول هذا الهجوم – نجاحاً باهراً. فقد نال تعاطفاً واضحاً من دونالد ترمب الذي أبدى استنكاره للحادثة. وفي الوقت نفسه، أفسد أية فرصة لنجاح مقترحات السلام التي ناقشتها أوكرانيا والأوروبيون.

ويشكل رد الفعل الغاضب والكاذب الذي أبداه فريق بوتين المكون من لافروف ونائبه سيرغي ريابكوف والمتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف تهديداً صريحاً باستمرار الحرب في أوكرانيا. وترفع روسيا سقف مطالبها، مطالبةً الآن بضم منطقتين أخريين، هما زابوريجيا وخيرسون، إضافة إلى دونباس والقرم.

وهناك أيضاً تهديد مبطن لأوروبا الغربية، بما في ذلك المملكة المتحدة، بأن الحرب في أوروبا الشرقية على وشك أن تتعمق وتتوسع. وهذا يعني أن الدول الأعضاء في حلف الناتو معرضة للتهديد، وهي دول البلطيق الثلاث المتاخمة لروسيا وفنلندا وبولندا والنرويج. ودعت فنلندا والسويد السكان المدنيين إلى ضرورة الاستعداد للحرب. ووضعت ثلاث من أقصى المناطق الشمالية في النرويج، والتي تمتد حتى الحدود القطبية المشتركة مع روسيا، خططاً لإجلاء السكان.

وتقع بريطانيا ضمن نطاق المنطقة المستهدفة كذلك.

أما العنصر الرئيس الآخر في سباق المعلومات مع روسيا فكان الصورة التي نشرتها صحيفة “صنداي تايمز” لفرقاطة بريطانية تقترب من سفينة “يانتار” الروسية المتخصصة بالمراقبة والتجسس والعمليات تحت الماء داخل المياه الإقليمية البريطانية. هذه المشاهد سجلتها الغواصة الهجومية البريطانية من طراز “أستوت” التي كانت في مكان الحدث. حتى ذلك الحين، لم تكن وزارة الدفاع نشرت إلا صور الفرقاطة وهي تقترب من سفينة يانتار. لكن في الكشف عن أن الغواصة كانت تتابع الموقف دلالة على أن هناك لعبة أكثر خطورة على وشك أن تبدأ.

تعد يانتار السفينة الرئيسة التابعة للمديرية الروسية العامة لأبحاث أعماق البحار التي تعرف اختصاراً بـ”غوغي” Gugi. بدأت عملها خلال الحرب الباردة لكن بوتين عزز نشاطها كي تنفذ عمليات مراقبة وتجسس تحت الماء ولا سيما حول كابلات الاتصالات وأنابيب النفط والغاز. وتقوم السفينة يانتار بالتجسس في المياه الإقليمية البريطانية منذ أعوام عدة، ولاحظ خفر السواحل الإيرلندي اهتمامها المشبوه بالكابلات الممدودة عبر الأطلسي، عندما رست قبالة ليمريك لمدة شهر قبل صيفين.

تستطيع “يانتار” إطلاق مسيرات للمراقبة والهجوم تحت الماء. أما أقوى منصة في ترسانة “غوغي” فهي الغواصة “بيلغورود”، وهي أكبر غواصة في العالم حالياً، ومن اللافت أنها قادرة على الإفلات من أجهزة حلف الناتو للرصد والمراقبة. ويمكنها إطلاق “بوسيدون”، وهي مسيرة تعمل بالطاقة النووية ويبلغ مداها 10 آلاف كيلومتر بحسب المزاعم. وقد تباهى بوتين حديثاً بأنها مصممة كي تحمل رأساً حربياً نووياً، لكن هذا في المستقبل. أما أكثر قدراتها، وقدرات “يانتار”، التي تبعث على القلق الآن، فهي إطلاق سلسلة كاملة من المسيرات لغايات الهجوم والمراقبة تحت الماء.

إن هذه الميزة التي يتمتع بها أسطول “غوغي” من السفن والغواصات، المأهولة وغير المأهولة والمتنوعة من حيث الحجم والمدى، هي ما يشغل بال سلاح البحرية الملكي وقائده الجديد الجنرال سير غوين جينكنز. أطلق الجنرال خلال الآونة الأخيرة حملة إعلامية لتوضيح أسباب إصداره أمراً بنشر مسيرات البحرية التي تعمل فوق سطح المياه وتحته، الآن، وسبب انضمامه إلى النرويج في توريد أجهزة استشعار وسفن لتعزيز لبرنامج “حصن الأطلسي” المخصص لمراقبة الأنشطة الروسية الخبيثة عبر الممرات المائية بين جزر فارو وإيسلندا في شمال الأطلسي.

يستخدم فريق الكرملين رواية الهجوم بالطائرات المسيرة على مقر إقامة بوتين في نوفغورود كوسيلة لجعل ترمب يتخلى عن تأييده لدعم أوروبا والناتو المستمر لأوكرانيا. لم يتمكن المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف من توضيح عدد الطائرات المسيرة التي شاركت في الهجوم – قال لافروف إن العدد كان 91، بينما قال الكرملين إنه كان 41 فقط – بل صرح بأن “الأدلة قلما تهم”، ثم أضاف بيسكوف أن شروط السلام أصبحت الآن “أكثر صرامة” – وقد عادوا إلى مطلبهم الأولي الذي طرحوه عام 2021 وكرروه صيف 2022 بعد الغزو – وهو “اجتثاث النازية” من أوكرانيا وعقد انتخابات جديدة تؤدي إلى تغيير النظام لتعيين رئيس صوري في كييف يلتزم بمسار موسكو.

إن الرواية التي قدمها ترمب حول نبأ تعرض منزل بوتين لهجوم معبرة جداً، إذ قال “أتعرفون من أخبرني بذلك؟ الرئيس بوتين، في الصباح الباكر، قال إنه تعرض لهجوم. هذا ليس جيداً”. وبناءً على ذلك، على أوروبا الآن أن تضع خطة بديلة خاصة بها لتحقيق السلام والأمن في أوكرانيا.

خمسة مؤشرات إلى أن بوتين يستعد لحرب أوسع في أوروبا

أولاً، كشف عن خطط لاستدعاء مزيد من جنود الاحتياط. لا تزال الخسائر في ساحة المعركة هائلة – إذ وصلت إلى 400 ألف هذا العام وحده فيما وقع أكثر من 1500 جندي يومياً في دونباس هذا الشهر وحده. ومن المقرر إرسال جنود الاحتياط إلى خطوط القتال الأمامية – خلافاً لقواعد الخدمة الاعتيادية. وربما يفكر بوتين في تشكيل جيش آخر يصل قوامه إلى مليون ونصف المليون جندي على مدى عامين – وهو مستعد للتضحية بجزء كبير منه.

ثانياً، الدول المجاورة. نشر صواريخ “أوريشنيك”، وهي صواريخ فرط صوتية ذات قدرات نووية في بيلاروس، وتوجيهها نحو أوروبا. لكن هذا السلاح لم يثبت فعاليته بعد.

ثالثاً، في دول البلطيق، تتزايد الضغوط على لاتفيا بالفعل، وتتعرض الأقلية الروسية في البلاد، التي تشكل ربع السكان، إلى حملات إعلامية ومضايقات من قبل الدعاية الروسية والمؤثرين. وأُنشئت حديثاً طرق وصل من روسيا إلى حدود إستونيا ولاتفيا.

رابعاً، وجود تهديدات وضغوط مبهمة على دول الناتو الواقعة على الخطوط الأمامية – مثل الدفع بالمهاجرين واللاجئين غير المرغوب فيهم إلى الحدود في فنلندا – تعرض مراكز الحدود والدوريات في النرويج وإستونيا للخطر.

خامساً، زيادة وتيرة أنشطة “غوغي” لمراقبة البنية التحتية الحيوية تحت الماء من النرويج عبر غرب بحر البلطيق والمنطقة الأوسع من المياه الإقليمية البريطانية والإيرلندية.

ويترافق هذا التجسس المستمر مع نشاط غامض لطائرات مسيرة حول الموانئ والمطارات – على رغم تراجع هذا النشاط خلال ديسمبر (كانون الأول) 2025. ولا يزال خطر الأنشطة الإلكترونية العدائية قائماً، وعادة ما ينفذها وكلاء وأطراف أخرى. وهذه الأنشطة كثيرة، إذ تسجل 50 ألف حالة سنوياً في المملكة المتحدة، ومعظمها غامض ويمكن إنكاره. كبد الهجوم على شركة “جاغوار لاند روفر” الشركة 1.5 مليار جنيه استرليني فيما كلف الاقتصاد 5 مليارات جنيه، ورسمياً لم تحدد الجهة المسؤولة عنه، وفقاً للحكومة البريطانية.

يأتي هذا المزيج الفتاك من التهديدات والأخطار خلال وقت تجد فيه المملكة المتحدة نفسها غير مستعدة إلى حد كبير من حيث القدرات الدفاعية – ومن هنا جاء التحذير الذي وجهه الجنرال جينكنز والبحرية. وعلى رغم الوعود الكبيرة التي قطعت في مراجعة استراتيجية الدفاع خلال يونيو (حزيران) 2025، فإن القوات المسلحة مستنزفة وتعاني نقص التمويل. يمتلك الجيش البريطاني معدات تكفي لقوة قوامها 20 ألف جندي فحسب، إضافة إلى أن برامجه الرئيسة لتجهيز المدفعية والدبابات وناقلات المشاة متوقفة حالياً، ويرجع ذلك بدرجة كبيرة إلى حال الارتباك والتردد التي تعانيها الحكومة البريطانية ونقص التمويل. ويعاني سلاح الجو الملكي البريطاني نقصاً في الطيارين المدربين، ولا تمتلك البحرية الملكية عدداً كافياً من البحارة لتشغيل جميع سفنها.

إن أكبر مصدر للقلق حيال ما يمكن أن يسمى الآن خدعة مسيرات نوفغورود العظيمة هو ما تدل عليه من غطرسة جديدة من جانب بوتين. فهو يخاطر الآن بمواجهة مباشرة مع حلف الناتو، سواء داخل منطقة بحر البلطيق أو القطب الشمالي أو عبر البحر الأبيض المتوسط. وهذا يعني تفعيل البند الخامس من معاهدة الأطلسي، الذي ينص على أنه في حال تعرض أحد الحلفاء للهجوم، فإن جميع الحلفاء ملزمون بالدفاع عنه.

بالنسبة إلى بريطانيا، فإن هذا الأمر سيثير تساؤلات حول قدرتها على القيام بالمطلوب منها. أما بالنسبة إلى الولايات المتحدة وترمب، فإنه سيثير مسألة الالتزام. حاول بعض مؤيدي ترمب أن يدفعوا بأن شروط البند الخامس متروكة للتقدير الشخصي، وينبغي أن تنطبق على الشركاء الأوروبيين فقط في حال تعرض واحد منهم للهجوم. لكن شروط المعاهدة واضحة، فالدفاع المتبادل عن جميع الحلفاء ضمن الناتو البالغ عددهم 32 حليفاً هو التزام نصت عليه معاهدة صدق عليها الكونغرس. وهذه أخبار سيئة لدونالد ترمب، مهما قال له صديقه عبر الهاتف من موسكو.

 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى