أقلام وأراء

إميل أمين: ميرشايمر.. رؤية واقعية للسياسة الأميركية

إميل أمين 22-3-2026: ميرشايمر.. رؤية واقعية للسياسة الأميركية

تبدو الولايات المتّحدة في الوقت الراهن أمام تساؤلاتٍ جذريّة تتّصل بسياساتها الخارجيّة،لا سِيّما بعد المواجهة العسكريّة مع إيران، والعلاقة مع إسرائيل، وهي سلسلةٌ من التساؤلات التي بدأتْ مع العقد الأوّل من القرن الحاليّ، ومن غير بوصلة تهدي، سوى رؤى وقراءاتِ نفرٍ قليل من العقليّات الأميركيّة المشهود لها بالحكمة، كان في مقدّمها الكاتب والمفكّر جوزيف ناي، ثم ستيفن والت، وشريكه في طروحاته المُعمّقة جون ميرشايمر.

مؤخّرًا ملأتْ تصريحاتُ ميرشايمر أفقَ الولايات المتحدة الأميركية السياسيَّ، وبات الحديث عن رؤيته يلقى قبولًا وإعجابًا كبيرَيْن، وبخاصةٍ حواره الأخير مع القاضي نابوليتانو، عبر بودكاست “الحكم على الحرّيّة” نهار الثالث من مارس آذار الجاري.

يُطلَق على ميرشايمر لفظة “العَرَّاف الاستراتيجيّ”، ويبدو كأنّه نموذجٌ عصرانيٌّ لعرافة دلفي عند اليونانيّين قبل ألفَيْ عام، غير أنّ هناك في واقع الأمر فارقًا شديدًا بين الاثنين، ذلك أنّ المفكّر الأميركيّ يقيم حساباته على أسسٍ من العقل والمنطق، جنبًا إلى جنبٍ مع رؤى سياسِيّة استشرافيّة ترتكز على تجارب سابقة، وليس من مجالٍ عنده للعودة إلى البلورة السحريّة لساحرات القرون الوسطى.

في لقائه مع نابوليتانو، فتح ميرشايمر البابَ واسعًا للتكَهُّنات حول القرارات الأميركيّة الأخيرة الخاصّة بالحرب، وما إذا كانت منطلقاتُها أميركيّةً خالصة، أم أنّها انساقت وراء آخرين لا يخفون عن الأعين.

عطفًا على ذلك، رسم علامات استفهام حول الأهداف، وما الذي كان يتعَيَّن فعلُه لتحقيقها، وربّما كان الرجل صادمًا في قراءته واستخلاص النتائج، حين قطع بأنه لا يمكن بحالٍ من الأحوال كَسْب هذه الحرب.

والشاهد أن ما يهمّنا في عقل ميرشايمر لا يتعلَّق بحدثٍ بعينه، لكنّه يمتدّ إلى عموم السياسات الأميركيّة، وبخاصّة في ظلّ ذكرى غير اعتياديّة، تتمثّل في مرور 250 عامًا على ولادة الجمهوريّة الأميركيّة.

يُعَدُّ ميرشايمر أحدَ أهمّ العقول الأميركيّة التي تناولت في كتاباتها فكرةَ المدرسة البنيويّة الواقعيّة في حقل العلاقات الدوليّة، حيث يجيب على أسئلة دوافع الحروب والصراعات بين الدول والتنافس على النفوذ، من منطلق دراسةِ بنيةِ النظام الدوليّ الذي يدفع هذه الدول إلى اكتساب السلطة من أجل ضمان البقاء.

ولعلَّ أحدَ أهمّ الأسئلة التي يتوقَّف ميرشايمر أمامها، هو ذاك المُتعلِّق بالغرض الرئيس من القوّة الأميركيّة، وهو سؤالٌ يَتَّصل جذريًّا برؤية الرئيس ترمب التي لم يستنكفْ أن يعلنها مرارًا وتكرارًا، والخاصّة ب”السلام من خلال القوّة”، تلك التي تعود في أصولها وجذورها إلى مقولة الرئيس الأميركيّ “ثيودور روزفلت” (1858-1919)، تكلم بهدوء وأمسك عصا غليظةً.

عند ميرشايمر أنّ هدفَ القوّة الأميركيّة يتوجَّب أن يدور في سياقٍ واحد، وهو الحفاظ على أمن الولايات المتّحدة لكي يزدهر شعبها أقتصاديًّا ويعيش في حرّيّة نسبيّة.

لكنّ الإشكاليّة الحقيقيّة التي تبدو ظاهرةً للعيان، هي أنّه لا يوجد اتّفاقٌ يُذكَر حول كيفيّة تحقيق هذا الهدف في الداخل الأميركيّ، وبذلك تضحى القوّةُ عاملًا متغيرًا من إدارة إلى أخرى، ومفهومًا نسبيًّا من رئيسٍ إلى آخر.

يبدو تحليلُ ميرشايمر حقيقيًّا جدًّا، لا سِيَّما أنّه منذ انتهاء الحرب الباردة في العام 1989، وبنوعٍ خاصٍّ منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، اعتقدتْ النخبُ الحاكمة في الداخل الأميركيّ، أنّ أفضلَ طريقةٍ لحماية الولايات المتّحدة هي الهيمنة وإعادة تشكيل العالم على صورتها.

من هنا بدا وكأنّ استخدام القوّة الخشنة، هو الطريق والمسار الواجب اتّباعه والسير في هَدْيِه، ومن غير أدنى انحرافٍ عنه، أي بدون الالتفات إلى أشكال الدبلوماسيّة والقوّة الأميركيّة الناعمة، والتي بَحَّ صَوْتُ المُفَكِّر والدبلوماسيّ الأميركيّ الأشهر “جوزيف. إس. ناي” في الحديث عنها.

كان لصحوة المحافظين الجدد، دون أدنى شكٍّ، ورؤيتهم لفكرة القرن الأميركيّ، ومن بعدها طرح الاستدارة نحو آسيا، أثرٌ بالغٌ في بلورة توجّهات الواقعيّة الأميركيّة، وعليه لم يكن من المستغرب أن تكون الولايات المتّحدة ومنذ نهاية ثمانينات القرن المنصرم، قد خاضت سبع حروب وها هي في غمار الثامنة.

ينظر الواقعيّون إلى الصراعات بين الدول، لا من خلال الاختلافات الثقافيّة أو السياسية أو القيم الديمقراطيّة ضدَّ الديكتاتوريّة، بل من منظور القوّة وحدَها، والتي من خلالها تجد الدول نفسها داخل نظامٍ عالميّ يجعلها في حالة تنافسٍ دائم على السلطة والقوّة.

من هذا المنطلق، وَجَّه ميرشايمر الكثيرَ من النقد لعددٍ من الطروحات الأميركيّة التي عانى منها الشرق الأوسط بنوعٍ خاصّ،لا سِيَّما في زمن باراك أوباما، وأوان “الربيع العربيّ” المغشوش.

في مؤلَّفه العمدة “الوهم الكبير: الأحلام الليبراليّة والواقع الدوليّ”، يجادل بأنّ زوال القيود التي فرضتها ثنائيّة القطبيّة في الحرب الباردة منح الولايات المتّحدة رفاهية محاولة إعادة تشكيل العالم ليتوافق مع عقيدتها السياسيّة الليبراليّة.

على أنّ علامة الاستفهام: “هل نجحت تلك العقيدة أم أخفقتْ؟”

قبل أيّام كتب المؤرّخ الأميركيّ الجنسيّة اليهوديّ الديانة، نورمان فنكلشتاين، يقول: “إذا شعرتَ يوما أنّك عديم الفائدة، فتَذَكَّرْ أنّ الولايات المتحدة استغرقت 20 عامًا، وتريليونات الدولارات، واختارت أربعة رؤساء لاستبدال طالبان بطالبان”.

تصريح فنكلشتاين جاء بعد أن اختار الإيرانيّون مجتبي خامنئي، مرشدًا جديدًا للثورة الإسلاميّة، بعد اغتيال والده علي خامنئي، ما يفيد بأنّ هناك خطأً ما في السياسات الأميركيّة.

من هنا، يتوقّع ميرشايمر أنّ “الهيمنة الليبراليّة لن تحقّق أهدافها، وأنّ فشلَها سيَتَرتَّب عليه حتمًا تكاليفُ باهظة”.

الرجوع إلى ميرشايمر في الوقت الحاضر، يأخذنا إلى تَيّار مثير وربّما خطير تمضي به المقادير في الداخل الأميركيّ، تيار الانعزاليّة، والذي يعتبر أنّ الولايات المتّحدة ليست شرطيّ العالم أو دَرَكه، وأنّه يكفيها أن تعود ثانيةً إلى مبدأ مونرو، لتسيطر من خلاله على نصف الكرة الأرضيّة الغربيّ، وكأنّ الأمرَ صحوةٌ للقوميّة الأميركيّة.

هل هذه الصحوة يمكن أن تُعَدُّ عائقًا رئيسيًّا أمام تحقيق حلم مجتمعٍ عالميٍّ من الديمقراطيّات الليبراليّة؟

يشير ميرشايمر إلى الخطر الكامن في الداخل الأميركيّ اليوم، حيث تسود إيديولوجيّةٌ انعزالِيّة من أعلى الهرم إلى أسفله.

هل على الإدارة الأميركيّة التوقُّف طويلًا أمام طرح ميرشايمر الخاص ب”الهويّة القوميّة” التي تحكم بعضَ الدول؟

الثابت أنّ إغفال واشنطن لهذه الزاوية في سياستها وحروبها، يأتي بنتائجَ عكسيَّةٍ تجلب المزيدَ من الحروب للعالم بدلًا عن أن تسهم في تحقيق السلام والأمن الدوليَّيْن.

الأمر الآخر الذي يتوَجَّبُ الانتباهُ له، بل والحرص عليه، هو العودة غير الإيجابيّة للخلط الواضح بين خطوط السياسات الدوليّة كمحدّدات ومعايير نسبيّة، وبين بعض الرؤى والصيحات ذات الطابع الدوغمائيّ الحديث والمتصاعدة في أعلى عِلّيّين في الداخل الأميركيّ.

هذا اللَّبْس يفتح الباب واسعًا لعودة هواجس الماضي، وحكايا القرون الوسطى، ويلقي على الصراعات السياسيّة نزعات من شقاقات الماضي، وهو أمرٌ لا حاجةَ لعالمنا المعاصر إليه اليوم، إذ يكفي ما فيه من أزمات ومخاوف، بل ونوازل زمن الذكاءات الاصطناعيّة، والحوسبة الكموميّة، ومداخل الحرب السيبرانيّة والهجينة.

هل من خلاصةٍ؟ … تبدو واشنطن مدعُوَّةً اليومَ للعودة ومن جديدٍ إلى قراءة فكر الآباء المؤسّسين عن “المدينة فوق جبل” والتي تنير للعالم عبر الحقيقة والعدالة، كما تُلْقِيَ النرد لتحصل على الستات لا على أعين التنين.

 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى