إميل أمين: عن إمبراطورية بوتين واستشرافات ريغان
إميل أمين 22-12-2025: عن إمبراطورية بوتين واستشرافات ريغان
على مشارف عامٍ جديد، تَدْخُل فيه الأزمةُ الأوكرانيّة موسمها الرابع، لا يبدو في الأفق حلٌّ سلمي على الرغم من كثرة تصريحات الرئيس ترامب حول قرب التوصل لاتّفاقٍ يُنهي أكبرَ مواجهةٍ عسكريّة في أوروبا، منذ الحرب العالمية الثانية.
يَعِنّ للقارئ أن يتساءل أين يوجد الخطأ، وبخاصّة في ظل تصريحات سَيّد البيت الأبيض من أنّه سَئِمَ من تلاعب الأطراف المتعَدِّدة المنخرطة في الأزمة من الروس تارةً، والأوكرانيين تارةً أخرى، أما عن بقية الأطراف الأوروبية فحَدِّثْ ولا حَرَجَ.
يحتاج المشهد إلى شيءٍ من التفكيك، والبداية من عند القيصر بوتين، ذلك الرجل الهادئ نفسًا ورسمًا، وإن كان داخلُه يغلي كالمراجل.
على الرغم من الخسائر البشريّة التي لحقت بصفوف الجيش الروسي، وهي أمرٌ خطير بالنسبة لروسيا الاتحادية، وبخاصّة في ظل الشتاء الديموغرافيّ المُحَلِّق فوق سماواتها، ومع الأثر الكبير والمؤلم للعقوبات الأميركية والأوروبية، لا يزال الدب الروسي، الذي تحَوَّل إلى ثعلبٍ رشيق، قادرًا على الصمود والتحدّي على الصعيد التقليدي من جهةٍ، ومن جهةٍ ثانية، تبدو ترسانته الصاروخيّة المستحدَثة، تقليديّة كانت أم نوويّةً، حائط صَدٍّ ورَدٍّ، تمنع الجميع من تجاوز الخطوط الحمراء الخاصة بالأمن القومي الروسي.
يحقّ لنا أن نتساءل: “هل من محرّكٍ نفسيّ وعقليّ يدفع بوتين جهة خوض غمار المعركة مع أوكرانيا بدون ترَدُّد؟”
باختصارٍ غير مُخِلٍّ، نحن لسنا أمام قائد روسيّ تقليديّ، بل في مواجهة رجلٍ نشأ ونما في حضن الإمبراطورية السوفياتيّة، بأحلامها الكبرى، وهيمنتها الممتدّة، وفي المنتصف، أصيب الحلم بما يعتبره بوتين، حتى الساعة، أكبر خطيئة وليس خطأً تم تدبيره لبلاده، وتدمير مرتكزاتها الإيديولوجيّة أول الأمر واللوجستِيّة تاليًا.
من هنا، يبدو الثأر الساكن عقل بوتين، يتمثّل في أن ما جرى في نهاية الثمانينات لا يمكن أن يتكرّر مع روسيا اليوم، وبحسب طرائق تفكيره، يؤمن الرجل بأن هناك مخطّطًا يعيد التاريخ فيه نفسَه، يقضي بتقسيم روسيا الاتّحاديّة إلى مقاطعات، وعزل أطرافها عن مركزها، وقد كان تحرّك الناتو إلى الشرق عبر أوكرانيا، الخطوة التي لا يمكن الصمت تجاهها وكان ما كان منذ أربعة أعوام.
ولعلّ الأكثر إثارة في مشهد الرئيس بوتين، تصريحات الأمين العام لحلف الأطلسيّ مارك روته، نهارَ الخميس الحادي عشر من ديسمبر/كانون الأوّل الجاري، في مؤتمر ميونيخ للأمن في برلين.
روته وَجَّهَ تحذيرات شديدة اللهجة بشأن الرئيس الروسي بوتين والتهديد المتزايد بالحرب الذي يواجه أوروبا من الكرملين.
مفاد ما قاله روته، هو أن بوتين لن يتوقف عن عدوانه على أوكرانيا، وقد يتطَلَّعُ إلى مهاجمة دول الناتو في غضون خمس سنوات، وبالنّصِّ: “الصراع على أبوابنا. لقد أعادت روسيا الحرب إلى أوروبّا، ويجب أن نكون مستعدّين لحجم الحرب التي عانى منها أجدادُنا أو أجداد أجدادنا”.
لم يكن روته وحده مَن يقطع بأن القيصر بات يهدّد أوروبا من جديد بالحديد والنار، ففي أول خطاب لها نهار الاثنين الماضي، في مقرّ الاستخبارات بلندن، سَلّطت بلايز متربولي الضوءَ على خطر روسيا العدوانيّة والتوسعية التي تسعى إلى إخضاع أوكرانيا ومضايقة حلف الناتو.
يأخذنا تعبير روسيا التوسعية لسيدة الجواسيس البريطانِيّين والتي يرمز لها تاريخيًّا بالحرف C إلى ما فاه به روته من قبلُ، لا سِيّما حين أشار إلى أنّ بوتين ماضٍ قدمًا في بناء إمبراطوريّته الروسيّة الكبرى، وأنه ما من شيء قادر على إيقاف طموحاته.
هل هذه الاتّهامات حقيقيّة أم منحولة؟
التعبير اللاتينيّ يقطع بأنّ الحقيقة وضعا متوسطا بين تطرفَيْن، بمعنى أنّ بوتين بالفعل يعيد تشكيل قواته المسلّحة، ويسعى لرفع عديد قوّات الجيش الروسيّ لتصل القوّات العاملة إلى مليون ونصف جنديّ، وفي سبيل ذلك يفتح الأبواب المغلقة لخزائن الكرملين، والتي تدفع بسخاءٍ بالغ للمتقدّمين للخدمة العسكريّة، وبما يصل إلى خمسين ألف دولار في العام، في دولة يعد الألف دولار فيها راتبًا هائلًا، عطفًا على توفير الكثير من المغريات للمجنّدين وأسرهم.
من جهةٍ ثانية، تعَلَّمَ بوتين درس التاريخ المكلّف للغاية من الزمن السوفيتيّ، بمعنى أنه لم يعدْ مهمومًا أو محمومًا بسباق التسَلُّح التقليديّ مع واشنطن، لكنه يمضي في سياق أدوات الصراع الذكيّة، ويكفي المرء أن يطالع ما يمكن للصاروخ الطوربيد “بوسيدون ” أن يفعله من إغراق للساحل الشرقي للولايات المتحدة الأميركية، أو حين يلجأ إلى تفعيل الصاروخ الشيطاني “سارامات” ذو الرؤس النوويّة العشر وما يمكن أن يفعله في عدد من الولايات الأميركيّة.
من هنا، يمكن القطع بأنّ القيصر بالفعل يَتّخذ من قوّات بلاده المسلحة درعًا وسيفًا، لكن: هل يعني ذلك بالضرورة أنه يسعى للتمدّد غربًا كما يزعم روته ومتربولي؟
واقع الحال، هناك أزمةُ ثقةٍ أوروبيّة كبرى، وحالةٌ من فقدان الشعور بالأمن، تتزايد يومًا تلو الآخر من روسيا من جهة، ومن الولايات المتحدة الأميركية من جهة ثانية، وكأنّ أوروبا واقعةٌ اليوم بين المطرقة والسندان إن جاز التعبير.
في أقلّ من أسبوع مؤخّرًا، شَنّتْ روسيا غارات جوّيّة بطائرات مُسَيَّرة على المجال الجوّيّ البولنديّ والرومانيّ، كما دخلت طائراتٌ مقاتلة روسيّة المجال الجوّيّ الأستونيّ وبقيت فيه.
من هنا، يرى الأوروبيون أنّ بوتين يعرض حياة المدنيّين للخطر، ويهدّد السلم العامّ في أوروبا.
لكنّ الموضوعيّة تقتضي النظر إلى الطرف الآخر، حيث التقارير المسرّبة عن ألمانيا، تشير إلى مُخطّطات للناتو لحشد قرابة مليون جنديّ، ونقلهم شرقًا، استعدادًا للمعركة القادمة مع الروس.
في هذا السياق تحدّثَ بوتين مؤكدًا أنّ بلاده لا ترغب في الحرب، لكن إذا أرادت أوروبا ذلك فروسيا على استعدادٍ.
من يمكن أن يكون الفيصل في النزاع بين روسيا وأوربا؟
بلا شكٍّ سيد البيت الأبيض، لكن المفارقة هي أنّ رئاسة الولايات المتحدة اليوم، تختلف جذريًّا في رؤيتها لروسيا، عن ثمانينات القرن المنصرم.
خلال الحرب الباردة، حذّرَ الرئيس الجمهوريّ رونالد ريغان من “نزعات عدوانيّة لإمبراطوريّة شرّيرة”.
استشرافات ريغان، تَتّسِق ورؤيةَ مارك روته المؤمن بأنّ بوتين يعود إلى طريق بناء الإمبراطوريّات من جديد، في حين يقطع المستشار الألماني فريدريش ميرز بأنّ حرب بوتين “لا تقتصر على أوكرانيا فقط”.
على العكس من ريغان وميرز، لا نجد في توَجّهات الرئيس ترامب ذات الرؤى لما يقوم به بوتين، بل ربّما على العكس، بات يُحَمّل الأوروبيين وِزْرَ تعطيل المفاوضات.
الذين قُدِّر لهم قراءة إستراتيجيّة الأمن القوميّ الأميركيّ الأخيرة الصادرة عن إدارة الرئيس ترامب، يرون أنّه يسعى إلى فتح الطريق أمام حقبة جديدة من “الاستقرار الإستراتيجيّ” مع موسكو، والتي يمكن أن تفتح آفاقًا تجاريّةً واسعة.
ولعلّه من المثير أنّ الروس أنفسهم قد أثْنَوْا على هذه الإستراتيجيّة، حيث لا تضع الروس أعلى قمة الأعداء للولايات المتحدة الأميركيّة.
أكثر من ذلك، فإنّ رؤية ترامب تحمل دعوات لإعادة روسيا إلى مجموعة السبع التي طردت منها بعد غزو القرم عام 2014 ومعاملة موسكو كشريك من القوى العظمى.
هل ترامب يمضي في اتجاه معاكس لأوروبا؟ ربما هناك حديث مقاصة مع أميركا اللاتينيّة، حيث العودة من جديد لمبدأ مونرو، أي إخلاء النصف الغربيّ من الكرة الأرضيّة من أي نفوذ أجنبيّ، في مقابل الصمت على ما يحدث في نصف الكرة الشرقي الآسيويّ.
إنّها السياسة حيث لا عدوَّ ولا صديقَ إلى الأبَدِ بل مصالح دائمة.



