أقلام وأراء

إميل أمين: حروب الغواصات.. صراع المستقبل تحت المياه

إميل أمين 13-3-2026: حروب الغواصات.. صراع المستقبل تحت المياه

نهار الأربعاء الرابع من مارس/ آذار الجاري، أعلنت وزارة الدفاع السريلانكيّة عن مقتل ما لا يقلّ عن 80 شخصًا إثر غرق الفرقاطة الإيرانيّة “آيريس دينا” في المحيط الهنديّ، بعد أن أطلقت غواصّة أمريكيّة طوربيدًا عليها.

في ذلك اليوم،أفادت البحرية السريلانكيّة بإنقاذ 32 شخصًا . فيما ذكر وزير الخارجية السريلانكي أنّ 180 شخصًا كانوا على متن الفرقاطة وقت تلقّي أوّل نداء استغاثة.

لاحقًا، صرَّحَ وزير الدفاع الأمريكيّ، بيت هيغسيث، بأن غوّاصة أمريكيّة أغرقت فرقاطة إيرانيّة في المياه الدوليّة.

جاءت العمليّة لتثير تساؤلًا حول “زمن حروب الغوّاصات”، بعد أن عادت للبحار أهمّيّتها ومركزيّتها في الصراعات المعاصرة، لا سِيّما في منطقة المحيط الهادئ، حيث تجري بالفعل المعركة القطبيّة للقرن الحادي والعشرين، بين الولايات المتّحدة الأميركيّة وحلفائها من جهةٍ، والصين من جهةٍ أخرى، بشراكةٍ روسيّة ظاهرة على السطح في بعض الأحيان، وبكثيرٍ من التنافس الخفيّ غالبا.

يعنّ لنا في هذه القراءة التساؤل: “هل بات العالم أمام فصلٍ جديد من محاولات القوى القطبيّة القائمة والقادمة، للسيطرة على البحار والمحيطات، فوق المياه وأسفلها، ما يعيد قصصًا من معارك قديمة تجلّتْ بشكلٍ كبير خلال الحرب العالميّة الثانية؟

تبدو قصّةُ الإنسانيّة مع البحار مثيرةً للتأمل، لا سيّما حين اكتشف البشر أنّ غالبيّة مساحات الكرة الأرضيّة مطمورة بالمياه، فيما اليابس هو النسبة الأقلّ.. من أين لنا أن نبدأ هذه القصة؟

يمكن أن تبدأ من عند المُكتشِف الإيطاليّ العبقريّ ليوناردو دافنشي، والذي طوَّرَ غوّاصة بدائيّة حوالي العام 1515، وفي عام 1578، صاغ ويليام بورن أوّلَ تصميم لمركبة غاطسة. وفي عام 1620، قام كورنيلوس دربيل ببناء أول غواصة ناجحة وتم اختبارها في نهر التايمز، حيث أكملتْ رحلةً استغرقت ثلاث ساعات.

لماذا كان العوز إلى ذلك النوع من الأسلحة تحت المياه يمثّل حاجةً ملحّة للقوى الصاعدة في سماوات القطبيّة الأمميّة؟

الجواب هو أنّه وعلى مدى ألف عام على الأقلّ، كانت الهيمنة على المحيطات خطوةً رئيسيّة نحو السيطرة على العالم. خاضت بريطانيا وفرنسا وإسبانيا والبرتغال وهولندا حربًا في أعالي البحار لقرون في منافسة عالميّة للسيطرة على التجارة وحماية الشحن ونشر النفوذ في شكل مستعمرات.

كانت الممرّات البحريّة، لمئات السنين حتى القرن العشرين، تحكمها سفنٌ حربيّة تابعة للإمبراطورية البريطانية. جعلت الميزة البحرية البريطانية الساحقة العديد من المخترعين والمهندسين والبحّارة من جميع أنحاء العالم يحلمون بطرق التسلل على القوارب البريطانية القوية بينما يظلون مختبئين في أعماق المحيط.

بمرور الوقت، أصبحت هذه الأحلام الخياليّة واقعة في شكل التصاميم الأولى للغوّاصات.

يمكن التأريخ الحقيقيّ لحروب الغوّاصات من عند الحربين العالميّتين الأولى والثانية، وما بينهما.

كانت حرب الغوّاصات في الحرب العالميّة الأولى في المقام الأول صراعًا بين الغوّاصات الألمانيّة والنمساويّة المجريّة وسفن الشحن المتّجهة إلى المملكة المتّحدة وفرنسا وروسيا. نفّذت الغوّاصات الألمانيّة والحليفة عمليات واسعة النطاق في بحر البلطيق والبحر الشماليّ والبحر الأبيض المتوسّط والبحر الأسود، بالإضافة إلى المحيط الأطلسيّ. ولم تقع سوى بضع عمليّات خارج مسرح العمليّات الأوروبيّ الأطلسيّ الأوسع.

أمّا خلال الحرب العالمية الثانية، فقد انقسمت حرب الغواصات إلى منطقتين رئيسيتين: المحيط الأطلسي والمحيط الهادئ، كما كان البحر الأبيض المتوسط منطقة نشطة للغاية لعمليات الغواصات، لا سيما بالنسبة للبريطانيين والفرنسيين، وكذلك الألمان.

شارك الإيطاليون أيضًا، لكنّهم حقّقوا أعظم نجاحاتهم باستخدام الغواصات الصغيرة والطوربيدات البشرية، فعلى سبيل المثال، أغرقت الغواصات الهولندية ما مجموعه خمسون سفينة معادية خلال الحرب، بلغ مجموع حمولتها 200 ألف طنّ. منذ الحرب العالمية الثانية، شهدت عدة حروب كالحرب الكورية والحرب الهندية الباكستانية عام 1971 وحرب الفوكلاند، استخدامًا محدودًا للغوّاصات. وفي وقت لاحق، استخدمت صواريخ هجوم أرضي تُطلق من الغواصات ضد العراق وأفغانستان، وباستثناء هذه الحروب، توقّفت حرب الغواصات بعد عام 1945، ومن هنا تطور الفكر الإستراتيجي حول دور الغواصات بمعزل عن التجربة الفعليّة.

على أنّه خلال الحرب الباردة، لعبت الولايات المتحدة والاتّحاد السوفيتيّ ما وُصِف بأنه “لعبة القط والفأر” للكشف عن غوّاصات العدوّ وحتى تتَبُّعها.

ومع تضاؤل احتمالية نشوب حرب غواصات غير مقيّدة، انصب التركيز في دراسة الغواصات التقليدية على استخدامها ضدّ السفن الحربيّة السطحيّة. فمجرد وجود غواصة قد يقيد عمل هذه السفن. ولمواجهة خطر هذه الغواصات، طورت غواصات الصيد. وتوَسَّع دور الغواصة مع استخدام المركبات ذاتية القيادة غير المأهولة التي تطلق من الغواصات.

هل اختلف الأمر في العقود الثلاثة الأولى من القرن الحادي والعشرين، بالنسبة للغواصات، لا سِيّما النظرة الخاصة بالدور الإستراتيجي الذي يمكن أن تلعبه على صعيد التوازنات الدوليّة، وفي ظلّ ضبابية تخصّ ما يُعرَف بالنظام العالميّ؟

الثابت أنه في ظلّ النظام الجيوسياسيّ الأكثر انقسامًا اليوم حول الكرة الأرضيّة، تقوم العديد من الدول ببناء أو تحديث غواصاتها.

يبدأ الأمر من عند روسيا الاتّحاديّة، صاحبة الباع والذراع كما يُقال في شأن الغواصات العملاقة بأنواعها، لا سيّما النوويّة منها. أما عن الصين فحَدِّثْ ولا حرج، إذ باتت غواصاتها النووية خاصة تزعج الروس، وتقض مضاجع الأميركيّين.

لا يعني ذلك أن العمّ سام أهمل تحديث ترسانته من الغواصات، فحتى لو تأجّلت صناعاتها الحديثة، إلا أنه من الواضح قيام قاعدة الصناعات الدفاعيّة الأميركيّة ببلورة رؤى مستقبليّة تعيد إنتاج بعض الأنواع الهائلة من الغواصات غير المرئيّة.

في الوقت عينه، أطلقت قوّات الدفاع الذاتيّ البحريّة اليابانية نماذج جديد من الغواصات كلّ بضع سنوات، كما قامت كوريا الجنوبيّة بتحديث تصميم الغواصة من طراز 209 ذات القدرة العالية والمصنَّعة في ألمانيا، وباعت نسخًا منها إلى أندونيسيا.

طورت روسيا طراز غواصة “كيلو” السوفيتيّ ليصبح ما يطلق عليه المحلِّلون الإستراتيجيّون مكافئًا لفئة لوس أنجلوس التي ظهرت في ثمانينات القرن الماضي.

في نهاية كتابه عن الحرب البحريّة “ثمن الإمبرياليّة”، يفترض المؤرّخ العسكريّ “جون كيغان” أنّ الغوّاصات ستتولّى في نهاية المطاف جميع أدوار السفن الحربيّة السطحيّة تقريبًا، لأنها ستكون الوحدات البحريّة الوحيدة القادرة على التهرب من القدرات الاستخباراتيّة المتزايدة (الأقمار الاصطناعية، والطائرات، وما إلى ذلك) التي قد توظّفها حرب بين دول حديثة متكافئة.

هل من زاوية خاصّة بعينها تعيد الأهمية القصوى لسلاح الغوّاصات وحروبها مع مشارف نهاية العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين؟

المؤكد أنّ النظرة إلى أهمّيّة الغوّاصات قد ازدادت بقوّة وتحوّلت إلى دور إستراتيجيّ أكثر أهمية مع ظهور غوّاصات الصواريخ الباليستية النووية التي تحمل صواريخ بعيدة المدى تُطلَق من الغوّاصات مُزوَّدةً برؤوس نوويّة لتوفير القدرة على توجيه ضربة ثانية.

عطفًا على ذلك، باتت فكرة استخدام غواصات غير مأهولة، أمرًا خطيرًا ومثيرًا في الوقت عينه، ويكفي أن يطالع المرء الحديث عن الغواصة الروسية “بوسيدون” والتي يمكنها إغراق الساحل الشرقيّ للولايات المتّحدة الأميركيّة، عبر الموجات الكهرومغناطيسيّة، ليُوقِنَ أن صراعًا مستقبليًّا تحت المياه قادمٌ لا محالةَ.

 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى