إميل أمين: جيل زِدْ…النشأة الرقميّة والمخاطر اليمينية
إميل أمين 4-1-2026: جيل زِدْ…النشأة الرقميّة والمخاطر اليمينية
ضمن طائفةٍ من أهمّ الأسئلة التي تواجه عالمنا المعاصر، وبالتحديد على مشارف عامٍ جديد، ذاك الخاصّ بأدوات التكنولوجيا الحديثة المعاصرة، والتي باتت تُشَكِّل عصبَ الحياة الحاضرة، وأدوات التعامل مع المستقبل.
تكاد البشريّة في حاضرات أيّامنا تنقسم إلى جماعتَيْن، الكبرى بنسبةٍ غالبة تقف في صفّ عالم الذكاء الاصطناعيّ، لا سِيّما أنّه يوفّر الكثير من الجهد الإنسانيّ التقليديّ، ويفتح الأبواب للمزيد من مستويات الرفاهية، وقد بلغ الأمر بالفتى المعجزة، إيلون ماسك، حدَّ القول إنّه عمّا قريب، ربّما لن تكون البشريّة في حاجةٍ إلى العمل البدنيّ المرهق لتحقيق الدخول التي تسمح بالعيش الرغد، إذ سيوجد المال بكثرةٍ.
لكن وعلى الرغم من هذه البشرى المشكوك فيماورائيّاتها، يقف فريق آخر من الذين لا يزالون قابضين على جمر الأخلاق وبعض من الحكمة متسائلين: “أتكون تلك الذكاءات فتحًا ونعمة، أم هزيمة ونقمة، ما يعيد قصة فرانكشتاين مرَّةً جديدة؟”
هذه السطور، في حقيقة الحال، لا تتعاطى مع القضيّة المخيفة الموصولة بتسخير القوى غير الحكوميّة، والجماعات المارقة لأدوات الحداثة التقنيّة، لإرهاب العالم، وهو بابٌ قائم ولا شكَّ ولم يعد الحديث مجرد افتراض نظريّ، بل أضحى حقيقة تزعج القائمين على دوائر الأمن والاستخبارات، في عالمٍ يختلط فيه الحقيقيُّ بالافتراضيّ، ويلتبس فيه المستحيل مع الممكن تحقيقه.
هذه قضيّةٌ لنا معها عودةٌ في قراءةٍ قادمة بإذن الله، لكنّ اليوم محور الحديث عن الخطر القائم ضمن ما هو متاحٌ ومباح من أدوات البحث العلميّ عبر قارّات العالم الستّ عامّةً، وقد نميل إلى تناول تطبيقٍ عمليٍّ يخصّ الولايات المتحدة الأميركيّة بصورة خاصّة.
التساؤل الذي نحن بصدده، دار من حوله نقاشٌ إستراتيجي قبل أن ينصرم العام الفائت، وقاده البروفيسور “إريك برافيرمان” رئيس مؤسّسة تلسكوب، الرجل الذي يراهن على رُوّاد المستقبل لجعل الولايات المتحدة أكثر أمانًا وازدهارًا، وقد شغل سابقًا منصب الرئيس التنفيذيّ لمؤسّسة بيل كلينتون، كما يقوم بالتدريس في جامعة ييل العريقة.
ما الذي يزعج برافيرمان من محرّكات البحث ومعطيات الذكاء وما يستجدّ من نوازل علميّة، ما عرفت البشرية لها طريق قبل عقدَيْن من الزمن؟
الشاهد أنّ هناك إحساسًا عامًّا بالخوف من خطر التكنولوجيا، وكيف أنّ ذكاءَها المفرط يمكن أن يهزمنا، لا سِيّما إذا قُدِّر لها أن تولد من تلقاء نفسها ذكاءات أخرى، تتعاطى داخليًّا، وعند لحظة بعينها تزيح الإنسان، متمرّدة عليه، لتنفيهه في أفضل السيناريوهات، وتفنيه في أسوأ سيناريو.
من هنا، أعلن عددٌ من المؤسّسات الرائدة في الداخل الأميركيّ مؤخّرًا عن التزامها بتخصيص 500 مليون دولار لضمان “مشاركة الناس في رسم معالم وملامح مستقبل الذكاء الاصطناعيّ”.
في أوائل ديسمبر / كانون أوّل الماضي، اعتبر جون إيف، مصمّم آبل، أن “القول بأن لدينا علاقة غير مريحة مع تقنيّتنا هو أقلّ ما يمكن وصفه”، لا سِيّما مع ازدياد قوّة الذكاء الاصطناعيّ وحصوله على مزيد من الاهتمام.
تتمحور المخاوف بنوعٍ خاصّ في الداخل الأميركيّ اليوم، حول ما يُعرَف بجيل زِد، وهم الأفراد المولودون تقريبًا بين 1997 و2012وهم أوّل جيل “رقمي أصيل” نشأ في عصر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعيّ، ممّا جعلهم متكيّفين للغاية مع التكنولوجيا ومهتمين بالقضايا الاجتماعيّة بشكلٍ كبير.
غير أنّه على الرغم ممّا وفرتْه لهم محرّكاتُ البحث الحديثة وأدواتُ التواصل الاجتماعيّ مثل الفيس بوك وتويتر، وسناب شات، وإنستغرام، وفاين، من إمكانات للتواصل، إلّا أنّ الأمر بات يمثّل أزمةً كبرى من ناحيتَيْن.. ماذا عن ذلك؟
من جهةٍ، يخلق الفضاءُ الإلكترونيّ البحثيّ فضاءً معرفيًّا يكرّس ويخصّص الانعزاليّة بصورةٍ مخيفة، ما يفتح الباب للكثير من الشطط الذهنيّ والعقليّ، لا سِيّما أنّه عملٌ يجري بعيدًا عن مصاحبة الحكماء والفهماء، من المعلّمين الثقات، والمرشدين الأفاضل، من علماء إنسان وأديان، ومن مفكّري العلوم الاجتماعيّة بنوعٍ خاصٍّ.
المشهد، وكما أشرنا، ليس أميركيًّا فحسب، فعلى سبيل المثال، يلجأ نحو 40% من المراهقين الذين تتراوح أعمارهم بين 13 و17 عامًا في إنجلترا وويلز، والذين يعانون من عنف الشباب إلى روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعيّ للحصول على الدعم النفسيّ.
هل الأمر حادثة أم كارثة؟
بالقطع الجواب يبقى واضحًا للعيان أنّه كارثةٌ لا سِيّما إذا أخذنا في عين الاعتبار دراسات إحصائيّة تشير إلى أنّ ضحايا العنف ومرتكبيه على حدٍّ سواء كانوا أكثر استخدامًا للذكاء الاصطناعيّ للحصول على الدعم مقارنة بالمراهقين الآخرين.
أمّا الناحية الثانية، فتتبدّى بشكلٍ مخيف في الداخل الأميركيّ، ومن حول جيل زِدْ تحديدًا،ويحتاج الشرح إلى تفصيلاتٍ مطوّلة، وغالبًا مخيفة، فقد أظهرت أحداث العام 2024 أنّ جلَّ هؤلاء يعيشون حالةً من التوحُّد مع عالم ما وراء الشاشات، ومن هناك يتلقَّوْن الكثير من الأفكار الأصوليّة ذات التوجّهات المغرقة في اليمينيّة، ويتناولون قضايا كانت منذ عقدَيْن من الزمن بمثابة تابوهات محَرَّم النقاش فيها أو من حولها.
اليوم يعاني الداخلُ الأميركيُّ من أزمة غياب الجذور المجتمعيّة والتي ظَلَّتْ عمدًا كبيرًا وراسخًا في وسط الحياة الأميركيّة، سواء كانت تمثّلها الكنائس أو العائلات أو المجتمعات الصحّيّة.
نشأ جيل زِدْ تحت وطأة الإيديولوجية التقدّميّة، وحتى انتخاب دونالد ترمب المفاجئ عام 2016، لم يكن هناك أيُّ ردِّ فعل واضح. بدا المجتمع وكأنه يسير بلا معارضةٍ نحو “يوتوبيا تقدّميّة”. لكنّ انتخاب ترمب كَسَرَ هذا القيد. اتَّسمَتْ ولايتُه الأولى بالاحتاجات، وصعود إيديولوجية التحَوُّل الجنسيّ، وموجة من التمَرُّد الاجتماعيِّ.
كان اليسار الأميركي، بفعلٍ خفيٍّ من أوباما وبايدن، وجماعة أقصى التطرف العلماني في الحزب الديمقراطيّ وراء المشهد، ولم يُقَدِّروا خطورةَ ما يحدث.
جاءتْ جائحة كوفيد ومن أسف شديد، لتُلْقِيَ بجيل زِدْ معزولًا في بيئةٍ رقميّة، غارقًا في الاكتئاب والقلق.
كان الهدفُ الرئيس من هذه البيئة التقنيّة هو تفعيل التواصل الإنسانيّ، وتعزيز حالة الاتّكاء بين الخليقة، في أوقات المحنة، لكنَّ ذلك الجيل من الأميركيّين أرسلوا إلى غرفهم وأمروا بالبقاء فيها.
من هنا كانت بداية الأزمة، وهو ما بدا حصادُه واضحًا بعد اغتيال تشارلي كيرك، وتجَلَّى مؤخَّرًا في مشاهد مؤتمر منظّمة “نقطة تحَوُّل للولايات المُتَّحدة”، حيث ارتفعت أصواتٌ يمينيّة كانت تُعَدُّ منذ عقدَيْن أو ثلاثة عقود ضربًا من ضروب الخيال، في دولةٍ عظمى قادتْ العالم الليبراليَّ في مسيرته ضدَّ النظام الشيوعيّ بشمولِيّته، واليوم يجد الأميركيّون أنفسهم تحت مظَلَّةٍ من الشموليَّة بطعم اليمين وليس اليسار، وكأنّها متناقضات القدر تفعل فعلها.
هل التكنولوجيا والذكاءات الاصطناعيّة هي نهاية البشريّة؟
حكمًا التكنولوجيا ليست هي في حدِّ ذاتها أصلَ المشكلة، إنّها العرض، لكن المرض الحقيقيّ والخطير، بل والكفيل بتوليد أجيال أخرى ما بعد جيل زِدْ، تؤمن بفكرة النقاء العِرْقيّ، والرايخ الرابع، والبقاء لألف عامٍ، وبقيّة تلك المنظومة الفكريّة التي تصادر حركة التاريخ، يظلّ في البشر وكيفيّة تسخيرهم لهذه الأدوات.
تاريخيًّا، استُخدِمَتْ المركباتُ لنقل الطعام للجياع، وفي الوقت عينه لصنع عربات الحرب. نشرتْ المطبعةُ التعليمَ والدعاية، لكنَّ البعضَ طبع عبرها كتب السحر والكراهية، وَلَّدَ انشطار الذرّة طاقةً هائلة للبناء، لكنَّه أنتج قنبلةً أبادت الآلاف.
الإنسان هو القضيّة… الإنسان هو الحلُّ.



