أكرم عطا الله: هل من المنطق أن تستمر حماس بتقرير مصير غزة؟
أكرم عطا الله 9-1-2026: هل من المنطق أن تستمر حماس بتقرير مصير غزة؟
بأكثر استعراضات القوة غطرسة واعتقال الرئيس الفنزويلي اختصر الرئيس الأميركي دونالد ترامب الكثير مما كان يجب قوله لتفسير واحد من أبرز جوانب لعبة السياسة ومفاتيحها، وخصوصاً في عقودها الأخيرة، بعيداً عن صورية المؤسسات الدولية… إنها القوة وموازينها الطاغية، وهو ما يمَكّن أيضاً من تفسير الغطرسة الإسرائيلية وارتكابها إبادةً غير آبهة بكل تلك الهياكل الدولية التي تتلاشى عندما يتعلق الأمر بالقوة الأميركية وصغارها.
مَن يعتقد أنه يمكن محاسبة إسرائيل على جريمة القرن «الإبادة الجماعية» التي ارتكبتها في غزة فهو حالم وجاهل بالتوازنات غير العادلة، والسياسة ليست وليدة الأحلام والأماني، ولم يقرأ تاريخنا القريب جداً بما ارتكبته إسرائيل من مجزرة مروعة أفاق عليها العالم ذات صباح في مخيمي صبرا وشاتيلا، وقد أفلتت من العقاب لكنها كانت تفتتح عصراً من الوحشية. قال محمود درويش في ملحمته الكبرى «مديح الظل العالي» عن المجزرة ومستقبل الصراعات «صبرا هوية عصرنا وإلى الأبد» كأنه يتنبأ بأن هذا ما سيكون عليه العالم حين تتفرد الولايات المتحدة بحكمه وما سيحدث للدول والشعوب الفقيرة.
ربما أدرك ياسر عرفات أن صبرا هوية عصرنا القادم بلا حساب لينطلق نحو السياسة، وبخلاصة تاريخية بعد آخر معاركه التي ذهب فيها لأقصى طاقته، مدركاً أن لا جهة فلسطينية بعد ذلك يمكنها أن تراكم قوة بذلك الحجم، فما بالنا في الداخل وتحت الحصار؟ كان هذا السؤال الذي لم تسأله حماس التي لم تستفد من التجربة الفلسطينية التي سارت في عقودها الأخيرة على خيط متصل بلا انقطاع، بدا كأن حماس تسير بخط متوازٍ مع التاريخ الحديث للفلسطينيين، بتجربة هاوية أرادت أن تعكس فرادتها، فأحدثت قطيعة مع السياق التاريخي لتنتهي بنفسها وبنا هذه النهاية المأساوية …. كان لا بد من الحذر في لعبة السياسة والقوة.
ويظل السؤال الحائر: كيف لحركة رأيناها وهي تفشل أمامنا في قراءة اللحظة التاريخية، وتُعيد إنتاج التاريخ الفلسطيني وهي تقطع مع ما تراكم، أن تقوم بفعل انتحاري كهذا تكسر فيه معادلات لا يستطيع الشعب الفلسطيني دفع كلفة توفير مبرر لإسرائيل لكسر هذه المعادلات ما بعد صبرا؟ وهي التي تمتلك كل هذه القوة، وتقف خلفها الدولة التي تتجسد في شخصية القرصان الشهير مورجان وهي تمارس الإغارة بلا حساب، كيف كانت تفكر وهي تذهب بعيداً في الخطوط؟ وهي تدرك أننا نعيش في عصر صبرا والقوة الطاغية وهزيمة وانهيار الحلفاء، وتغيير البيئة الإقليمية وعربدة القوة؟ لينتهي الإقليم بما نشهده من استعراض لا يبتعد كثيراً عن خطف رئيس فنزويلا، يتلخص بسؤال الحرب القادمة وعلى مَن بقي مِن قوى المحور الذي تلقّى ضربات مُميتة، إحداها مقتل الأمين العام السابق لحزب الله درة المحور وضابط إيقاعه؟
ماذا تعني هذه المناخات لغزة؟ وما وقعها على حركة حماس التي قبلت ما كان يمكن قبوله بعد أسابيع من الحرب، عندما وصل الجيش الإسرائيلي لمستشفى الشفاء والمجلس التشريعي، وكان واضحاً إلى أي نهايات تسير موازين القوى وامتدادات صبرا قبل أن تلحق بنا كل تلك الفاجعة؟ وإلى أين تسير النهايات التي تنتظر سكان المكان الذين اعتقدوا كما الجميع أن وقف القتال هو نهاية للحرب، دون أن تلتزم إسرائيل بإدخال الحد الأدنى لممكنات الحياة في غزة.
هل تستمر الحياة هكذا في القطاع؟ فإسرائيل تمارس نفس البلطجة التي مارسها الرئيس ترامب ضد فنزويلا، لا التزام، وزحف للخط الأصفر الذي وصل لـ 60% من مساحة القطاع، واغتيالات متفرقة وتهديدات يومية، فيما تقف الحركة في محطةٍ هي الأصعب لا تستطيع الرد، ولم تعد تملك سوى الشكوى من خروقات إسرائيل، وعمليات إحصائية ترصد تلك الخروقات، وعدم التزامها في غياب العدالة الدولية في زمن عنجهية القوة. ولكن ماذا يفيد أن نستمر في شتم إسرائيل كدولة متوحشة؟ هل يوفر ذلك حلاً لهؤلاء الذين وجدوا أنفسهم بين عدو متوحش وصديق جاهل يتكئ عليه الإسرائيلي ليمارس توحشه، كما اتكأ عليه طويلاً لإدامة أطول انقسام بين الفلسطينيين؟ «هكذا قال نتنياهو ذات مرة وهو يصنفها بالأصول الإستراتيجية اللازمة لمنع الدولة الفلسطينية».
حالة ضبابية تجتاح المشهد، حائرة بين تساؤلات لا تملك حماس إجابة لها، فلم تعد طرفاً مقرراً في واقع غزة السياسي والميداني، سوى بما تقدمه من تنازلات كبوابة دخول المرحلة الثانية يُذكّر بها الإسرائيلي صباح مساء، وهي سلاح الحركة، وهو سيستفيد إذا ما سلمت سلاحها وسيستفيد أكثر إذا لم تسلم، كي يستمر في هندسة القطاع كما يشاء أمنُه القومي لعقود كما كان يقول منذ بداية الحرب، وتتلخص التساؤلات بين هل سندخل حقاً تلك المرحلة أم نعود للقتال؟ وهل حقاً جرى اتفاق بين نتنياهو وترامب في اللقاء الأخير يعطي لحماس مدة شهرين؟ وماذا لو وصلنا نهاية المدة؟ وهل نستمر في هذه الحالة تاركين لحماس أن تفكر نيابة عن الجميع وعن سكان غزة أنفسهم، وفي مصير منطقة ثبت أن الحركة أقل أهليةً من أن تقرّر مصيرها، فما العمل إذاً؟.



