أكرم عطا الله: عن أهلية «حماس» لتقرير مصير غزة
أكرم عطا الله 8-2-2026: عن أهلية «حماس» لتقرير مصير غزة
يبدو أنه كُتب على الغزيين ما لم يكتب على الذين من قبلهم، فإسرائيل ستستمر في الانتقام من تلك المنطقة اليتيمة حتى النهاية، وأجواء الإحباط بدأت تتسرب بعد أربعة أشهر من اتفاق وقف الحرب الذي تم ترسيمه في شرم الشيخ. فالقتل والاغتيال مستمر ومعبر رفح تحول لممر إذلال والناس ما زالت في العراء واللجنة التي تشكلت لم تسارع بالعودة لغزة كما كان يأمل الغزيون في اليوم التالي لأن مستحيلات النجاح أكبر من ممكناتها، فإسرائيل من جهة أرسلت ما يكفي من رسائل الإفشال أما حماس فلم تكن أقل تواضعاً ؟
وتجتاح إسرائيل أجواء انتخابية مبكرة تفرض سباقاً في التطرف بين أقطاب الحكم وخصوصاً للذين يحملون على أكتافهم عبء السابع من أكتوبر وهم ما زالوا مركز القرار في الدولة، فهم يحسبون كل حركة على وقع صندوق قادم. فالتسهيلات لغزة والتساهل يعني السقوط الانتخابي.
وهكذا وقع الغزيون الذين غامر جزء من قادتهم بذلك الفعل الانتحاري في بئر يبدو أن أدوات انتشالهم منها ليست سهلة.
إسرائيل تخطط كل شيء باتجاه الإفشال ومزيد من الضغط على القطاع، فالأمر بالنسبة لها تجريف حتى النهاية وإذا لم تتمكن من تجريف البشر بعد البنى التحتية والبيوت فهي ذاهبة باتجاه تجريف الوعي وتتكئ في ذلك على ما تمدها به حركة حماس، من وقود للاستمرار وتوفير ما يكفي من المبررات كي تواصل سحق ما تبقى من القطاع وإفشال وقف إطلاق النار الذي تنتظره «إسرائيل الانتخابية» كما قال جدعون ليفي وعاموس هرئيل ممن يعيشون واقع إسرائيل ونواياها.
حماس بدأت مبكراً تعد نفسها لتسليم شكلي لحكم غزة واستمرار تحكمها، هذا يفهمه الجميع وخصوصاً من يعرف الحركة جيداً ويدقق فيما تفعله حالياً والرسائل التي لا تقل عن رسائل إسرائيل والمتعلقة بالموظفين، بل ذهبت أبعد للحديث عن متأخرات وعلى اللجنة أن تتحمل مسؤوليات كل ذلك العبء، وهو بظني ما أصاب اللجنة منزوعة صلاحيات الهيكلة بالخوف. فاللجنة ليست من يقرر الهيكلة والوظائف وتخشى من بيئة تمهد فيها حماس للفشل.
والأهم من كل هذا هو أن الحركة لا تعتبر أن هناك بطالة في غزة إلا للجماعة المسؤولة عنها من موظفين تريد تأمينهم قبل كل شيء، وهذا مدعاة لصدمة الغزيين، فالحركة التي تسببت بتحويل كل سكان غزة إلى البطالة لا تفكر إلا بالجماعة، وهذا هو الفرق بين من يفكر بمسؤولية وطنية وبين من يفكر بمسؤولية حزبية.
سنكون في مأزق لا يتعلق فقط بالموظفين بل أيضاً بالسلاح الذي يريد نتنياهو من خلاله إفشال تسليمه ليذهب للسيناريو المحبب وهو إفشال المرحلة الثانية، ورغبة الحركة الفلسطينية بالمناورة للاحتفاظ ببعض القوة لأسباب كثيرة جداً ما يضع الغزيين من جديد أمام واقع لا يريدونه ويضع اللجنة نفسها في مهب رياح الفشل، فحتى الآن لا تملك اللجنة لا قراراً ولا مالاً ولا صلاحيات ولا شيء يشجعها على الذهاب لغزة، فالبيئة هي بيئة فشل وليست بيئة نجاح وما بين تصور إسرائيل وتصور حماس «كلا التصورين يدفع للفشل» وما بين تربص السلطة انخفض منسوب التفاؤل لدى الجميع.
وحتى مجلس السلام الذي أعلن في دافوس وسيعقد في التاسع عشر من الشهر أول اجتماعاته سيصطدم بسلاح حماس وعدم رغبة إسرائيل بالانسحاب وشحّ التمويل. فالدمار هذه المرة يتطلب مليارات والبيئة ليست مشجعة للدفع، وتلك أمنية إسرائيل التي لم تفهمها الفصائل في غزة التي ما زالت تتحدث بلغة ما قبل السابع من أكتوبر وكأن شيئاً لم يحدث وكأنها لم تنهزم أو لم تستدع هزيمة لشعب بأكمله، وهنا ربما ما يفسر جزءا من الأزمة الوطنية وإدارة القضية بهذا الشكل البدائي.
السؤال الذي بات علينا أن نكون أكثر جرأة في طرحه هو: هل يحق لفصائل تسببت بكل هذا الخراب والدمار نتاج حسابات قاصرة وتفكير سطحي بلا أي عمق وسلمتنا هذه النتائج، هل يمكن أن يُوثق بعقلها لتشارك في هندسة الواقع من جديد؟
هل يمكن أن يؤخذ برأي حماس وقد رأينا أين وصل بنا في إعادة تركيب القطاع ببنيتيه الفوقية والتحتية ؟ ومن يضمن ألا يكون بنفس القصور ونفس المستوى. فالعقل الذي أنتج تلك السياسات المغامرة والفاشلة لا يمكن أن ينتج أفضل منها وخاصة أننا لم نسمع منه ما يشير لخطأ الفعل أو المراجعة أو انتقاد الذات، ما يعني أن نمط التفكير الذي يجب أن يصيب الفلسطينيين بالذعر ما زال مسيطراً، فهل من المنطقي أن يكون جزءا من عملية التفكير المستقبلية وهو بهذه الأهلية ؟
وهنا سؤال آخر أكثر أهمية: هل يمكن للحالة الجمعية أن تكون محايدة أمام «لاءاته» الحالية والتي يمكن أن تتسبب بإفشال المرحلة الثانية وهي اللاءات التي ينتظرها نتنياهو؟ فهو يريد أن تسلم حماس كل السلاح وأن تخرج من الحكم ولا يريد لموظفيها البقاء، وليس لدينا جهة قادرة على الوقوف في وجهه لا حركة حماس ولا اللجنة الموظفة لدى مؤسسة دولية بنيامين نتنياهو عضو فيها ما يعني أنها ستعمل وفق توجيهات الوصاية، وليس وفق توجيهات ورؤية الفصائل التي ما زالت تقف عند مرحلة متخيلة لا تريد مغادرتها دون أن تدرك أنه جرت مياه كثيرة في النهر … بل دماء كثيرة وأن التوازنات قد تغيرت، وتلك سنة الصراعات والقرارات ونتائجها.



