أقلام وأراء

أكرم عطا الله: ثنائيات ومعادلات فادحة

أكرم عطا الله 30-11-2025: ثنائيات ومعادلات فادحة

الاعتداء الإسرائيلي على قرية بيت جن في سورية والذي قتل فيه ثلاثة عشر مواطناً سورياً، رغم قدرة هذه القرية على إيلام ذراع إسرائيل في تلك العملية، لا يعكس فقط غطرسة تل أبيب في تعاملها مع شعوب المنطقة بعد ما حققته من سيطرة عسكرية على غزة ولبنان، بل تعكس سياسات قادمة تتعلق بالعقيدة الأمنية الجديدة التي عبّر عنها كاتس وزير الجيش في إسرائيل، بأن تسيطر دولته بالقوة على أراضٍ في الدول المجاورة، وتحقق فيها تواجداً دائماً، أي العودة لنظرية التوسع بعد أن كادت تنحسر، فقد وصلت حدود السيطرة قبل عقود من طرابلس اللبنانية إلى قناة السويس، ثم انحسرت بين الناقورة وبيت حانون بفعل تغيرات في المنطقة وموازين القوى لدى خصومها، وظهور إيران قبل أن ينكسر المحور بفعل قلة حسابات السابع من أكتوبر الذي جر إسرائيل والولايات المتحدة لحرب أكبر من طاقة المحور والعرب، وفقاً لموازين القوى وحسابات السلاح.

بات واضحاً أن اتفاقيات وقف إطلاق النار التي تمت مع غزة ولبنان أن الالتزام على حماس وحزب الله فقط، أما إسرائيل فكأن لا علاقة لها بالأمر، وهي غير معنية ولم تتوقف عن الاغتيالات والمجازر في كلا المنطقتين، فخلال عام على وقف الحرب مع لبنان وبحسب إحصائيات الأمم المتحدة بجنوب لبنان، فقد خرقت إسرائيل الاتفاق 10 آلاف مرة وقتلت 331 لبنانياً وأصابت 945 آخرها قتل رئيس أركان الحزب هيثم الطبطبائي في شقة بضاحية بيروت.

أما في غزة، فالأمر أكثر جنوناً، حيث يسيطر جيش إسرائيل على أكثر من نصف مساحة القطاع، ويقوم بتسويتها بالأرض من خلال تدمير ما تبقّى من المباني، كأن تلك المنطقة خارج وقف إطلاق النار، كيف ولماذا؟ وقد وضعت خطاً يحدد مناطق سيطرتها، هذا الخط يزحف بما يحقق لإسرائيل مشاريع مستمرة، وقد قتلت منذ وقف إطلاق النار في التاسع من أكتوبر الماضي حتى الخامس والعشرين من نوفمبر 374 فلسطينياً، من بينهم 136 طفلاً في هجماتها التي تصفها المنظمات الدولية بالمروعة.

الوضع على الجانب الآخر من خصوم إسرائيل في أسوأ لحظاته، فقد تمكنت من تضييق هامش المناورة بشدة بعد أن وضعتهم أمام معادلات جميع أطرافها بائسة، أو ثنائيات تبدو خياراتها سيئة، فبالنسبة لغزة إذا ما انتقلت حركة حماس للمرحلة الثانية، فعليها أن تسلّم سلاحها وتلك خسارة فادحة، لأن السلاح مسألة شديدة الأهمية للحركة، ويطرح تسليمها له أسئلة وجودية صعبة، وإذا لم تسلم السلاح هذا يعني تعطّل المرحة الثانية بكل سيناريوهاتها الصعبة، منها الأكثر تشاؤماً بعودة الحرب والأقل تشاؤماً باستمرار تقسيم غزة بين غزة الشرقية والغربية، وتبقى الغربية التي تحكمها حماس يجري قضمها باستمرار، منطقة بلا إعمار أشبه بخرابة كبيرة، تصوّروا أن هذا الشكل الأكثر تفاؤلاً؟

وبالنسبة للحزب، نفس المعادلة بطرفيها الأشد قتامةً بعد أن وضعت الولايات المتحدة موعداً نهائياً مع اليوم الأخير لهذا العام، أي بعد شهر يتم تجريد سلاح حزب الله خلالها أو عودة الحرب، وبات واضحاً أن عودة الحرب بالنسبة للحزب أو حماس مسألة تشكل معضلة لكليهما بعد حملة الاستنزاف الطويلة التي مرّا بها، وبالمقابل تلوح واشنطن بإطلاق قبضة إسرائيل وعودة الحرب وتغطيتها بالمال والسلاح والقرار والشرعية غير المشروعة، أما سورية فتلك قصة لا تبتعد كثيراً عن تلك الغطرسة، الأمر الذي يضع السلطة الجديدة التي تحاول أن تمر بين حبات المطر الإسرائيلية دون أن تبتل، تجد نفسها أمام واقع لا يقل تعقيداً، فالحمم الإسرائيلية تمطر عليها من السماء، ولا طريقة لتجنبها أمام دولة قررت ليس فقط الاحتفاظ بالجولان التي كان قائد سورية الجديد يحمل اسمها قبل أن يخلعه، بل تصل سيطرة اسرائيل إلى ريف دمشق ومشارفها، وعلى الدولة ألا تحتج على ذلك، وإلا ستتسع الحرب، فقد قررت إسرائيل البقاء رغماً عن سورية.

التحولات التي شهدتها إسرائيل في تسعينيات القرن الماضي من عملية التسوية والانتقال لـ «الهاي تيك»، ودخولها للسلاح القادم أنتجت نظريات من نوع جيش صغير وذكي، والتي كان رائدها أشهر رئيس أركان في تاريخ اسرائيل ورئيس وزراء سابق أيهود باراك، وفكرة السيطرة على سكان أقل بما يتطلبه من انسحاب من أراضٍ والتخلي عنها، أي انتهاء نظرية التوسع التي سادت لعقود، لكن الأمر يشهد تغيراً بعد السابع من أكتوبر لتقرر نقل معاركها في الدول الأخرى، وعدم انتظار اقتحامات لحدودها من خلال صناعة مناطق سيطرة تكون منزوعة من السلاح تسميها مناطق آمنة.

منذ بداية هجومها على غزة قررت إسرائيل السيطرة بشكل دائم على كيلومتر من الحدود، والآن تتجاوز المساحة أكثر بكثير، وإذا كانت حماس أمام خيارين أحلاهما مر هل هناك خيار ثالث؟ وبمعزل هنا عن الحقوق فالسياسة ليست ابنة الأخلاق والحقوق، بل ابنة التوازنات، بمعزل عن حق الفلسطيني في مكافحة إسرائيل، ما هي خيارات الحركة؟ هو السؤال الذي بات مطروحاً وتتكتك ساعته الرملية، فإذا كانت كل الخيارات سيئة فهل تختار أقلها سوءاً، أم كما كل الحروب أكثرها فداحةً؟.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى