أكرم عطا الله: اللجنة
أكرم عطا الله 16-1-2026: اللجنة
لا تدهش النتائج السياسية لحرب غزة قراء السياسية ـ فالمخرجات هي وليدة المدخلات والنتائج هي ابنة المقدمات.
وقد كانت كل المقدمات تشير لمن يقرؤون الواقع أن الفلسطيني لن يكون له دور في هندسة اليوم التالي، وقد عزز ذلك عناد حركة حماس التي كانت تهاجم من يتحدث عن اليوم التالي وتتهمه بالتآمر عليها وعلى حكمها، دون أن تعرف أنها ستصل لهذه اللحظة التي تسلم فيها الحكم والسلاح، وهذه طبيعة الأشياء لمن يدير واقعاً شديد الثقل بهذه الخفة.
ماذا لو سلمت حماس الأمور في بداية العام 2024 ؟ كانت اللحظة نموذجية وهي بكامل عتادها ومعاركها وقادتها وحضورها وكل شيء، كانت في ذروة قوتها وتلقائياً ستكون سقوف المطالب منها آنذاك أقل، لم تكن مدينة رفح قد احتلت وكان المعبر بيد الفلسطينيين، ولم تكن المجاعة التي تعرض لها شعبنا قد حدثت.
ولأنها لم تقرأ سياسة أو تقرأها بثقافة وعد الآخرة كان التأخر في فهم حقائق التاريخ فادحاً ومهيناً.
ونُشهد شعبنا بأننا كتبنا وقلنا ما يجب أن يكون في اللحظة التي يجب أن يكون هنا في «الأيام» وفي المكالمات الخاصة كان قولاً واحداً قبل أن تفلت هذه اللحظة لتجنيب حماس والشعب هذا الدمار، وقمنا بواجبنا ككتاب بالنصيحة لحماية ما يمكن حمايته.
لكن صوت الذين كانوا يدفعون حماس للانتحار ونهاية مهينة كان أقوى بل يهاجم كل العقلانيين، وظلت حماس بعدها بعام تتحدث هي ونشطاؤها بأنهم اليوم التالي، أتذكرون تلك اللافتة ؟
حتى بعد مجيء ترامب دون أن تدرك أن الوقت كان يلعب لعبته وهي تنزف دون أن ترى النهايات أو تسمع للنصائح، فكانت هذه النتيجة التي هي خلاصة عقل انغلق على ذاته ولم يسمع، وفشل وحيداً في قراءة مجريات الحدث ليطيح بأصوله الإستراتيجية وممكنات شعبه ليصل متأخراً جداً لنفس النتيجة بعدما كان قد خسر كل شيء.
هذا يحدث مع نظم وقوى زاحمت لحكم الشعوب دون تأهيل، أو تلك التي تخلط الدين بالسياسة، وحماس واحد من تلك النماذج التي تجعل من استيلاد لجنة يحدد الإسرائيلي أسماءها كما قال نائب الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي وتتسلم شهادة ميلادها من السفارة الأميركية من عاديات الأشياء ـ رغم أن اللجنة تضم شخصيات من الأكثر احتراماً ووطنية على مستوى القطاع لكن الحديث هنا عن المسار الجريح الذي انبثقت عنه اللجنة وسط ترحيب سكان القطاع الذين لم يعودوا يريدون ذلك الحكم الثيوقراطي الذي جر عليهم كل تلك الويلات وأفقدهم كل شيء: الابن والبيت والأرض.
رغم الشهادة الوطنية للأعضاء لكن لا يغيب عن الذاكرة خطاب نتنياهو المبكر «لا حماسستان ولا فتحستان» رغم أن معظم الأعضاء هم من حركة فتح وحولها، إلا أن إسرائيل التي لم تذهب لهذه الحرب لتحصد نتائج توحد فيها الضفة مع غزة بل تصر على أن تعمل تلك اللجنة بمعزل عن السلطة أو أن يكون لها أي ارتباط مع منظمة التحرير، ما يعني تكريس الانفصال التام بين المنطقتين وتلك نتيجة مهمة لإسرائيل لكنها كارثة فلسطينية يجب العمل على الوقوف أمامها.
وقد يقول قائل: وهل لدى الفلسطينيين الذين تعرضوا لهذه الهزيمة ما يمكّنهم من الوقوف أمامها، فالسياسة هي ابنة موازين القوى … وهنا تتجلى اللعبة السياسية، ببساطة في هذه النقطة بالذات تملك اللجنة من القوة ما يمكنها من فعل ذلك وهي أمام لحظة اختبار تاريخية.
تكمن قوتها بأن إسرائيل لا تريد حكم غزة، بل إن ذلك يشكل كابوساً للأجهزة العسكرية التي حذرت مبكراً من خيار احتلال القطاع وإدارته منذ أن كانت تبحث عن حكم الفقاعات أو حكم العشائر أو العصابات، وفشلت في جميعها لينتهي الأمر بلجنة وفقاً لمعاييرها، وإذا كانت المعايير الشخصية مفهومة لدى الفلسطينيين، لكن معايير المشروعية لن تكون مفهومة، وهنا قوة اللجنة بإدراكها عقم خيارات إسرائيل التي فشلت أمامنا جميعاً بالإعلان عن تبعيتها للسلطة الفلسطينية بصرف النظر عن الملاحظات الكثيرة على السلطة وإدارتها القاصرة خصوصاً لملف غزة أثناء الحرب.
لكن الأمر هنا عن المؤسسة الشرعية والمعنوية والتي تضمن بقاء الشعب موحداً بأنظمة وقوانين واحدة وهوية وثقافة واحدة.
لقد لعب التاريخ لعبته بعد النكبة عندما انقسم الفلسطينيون تحت أكثر من نظام في غزة والضفة وإسرائيل والشتات، لينتج ما يشبه أربعة مجتمعات ما زالت تعاني بعض الاغتراب قبل أن تجيء المنظمة بهوية واحدة منتصف ستينيات القرن الماضي، ثم السلطة بقوانين واحدة وثقافة واحدة ومنهج دراسي واحد، هذا قبل أن تقوم حماس بفعلتها العام 2007 المعاكسة للتاريخ والمصالح العليا للشعب الفلسطيني، فعلتها بينما كان في ذروة محاولته لملمة نفسه.
لأن اللجنة هي الجهة الوحيدة التي تخرج إسرائيل من المأزق هنا ورقة قوتها الأكبر، ولنا أن نتصور أن يرفض أي فلسطيني المشاركة فإن ذلك سيعمق مأزق إسرائيل، لذا على اللجنة أن تتحدث بقوة كطرف يمثل الفلسطينيين وهو جزء من الجماعة الفلسطينية الذي لا يمكن أن يكون منفصلاً عنها ولا موازياً لها ولا يدير جزءا من هذه الجماعة ليعزز انفصاله.
هذه الشقوق الصغيرة يمكن النفاذ منها وسط ميزان القوة الهائل لصالح إسرائيل … أعرف أن هذه نتائج طبيعية للهزيمة، لكن يمكن تحسين شروطها محافظين على ما تبقى من أمل بوحدة شعب وإن كان ما زال أمامنا الكثير للثقة بالمسار.



