أكرم عطا الله: إنه العصر الأميركي بلا ورقة توت
أكرم عطا الله 4-1-2026: إنه العصر الأميركي بلا ورقة توت
فقط في المقال السابق الذي نشر هنا أول من أمس عن العام الجديد كنت أكتب أن أخطر ما شهده هذا العام هو «عودة السياسة التجريفية للبيت الأبيض».
هكذا هي الولايات المتحدة تعيد إنتاج سياسات صادمة يحتاج المرء إلى صدمة أكبر كي يصدّق ما يحدث وإن صدّق يحتاج إلى الكثير كي يفهم كيف يدار العصر الأميركي بعد كل تلك المؤسسات الدولية والتقاليد الدبلوماسية والعلاقات بين الدول.
المسألة أكبر من انتهاك سيادة وأكبر من إعلان حرب وأكبر من غطرسة يمارسها زعيم اكتشف فجأة أن لديه فائضاً من القوة، ما يمكنه من إعادة فك وتركيب العالم بما يتناسب مع مصلحة هذه القوة وحين تصبح تلك بلا ضوابط فعلى الدنيا السلام. هذا الانفلات لأكبر إمبراطورية في العالم ينذر بأشد الأخطار، فقد بدأ تجربة القوة في الشرق الأوسط ليترك دولاً محطمة للأبد وها هو يعود ليجرف في مناطق أخرى في العالم الذي لا يحتاج لمزيد من الاضطرابات.
بعد سقوطه قبل حوالى خمس سنوات اعتقدت ومثلي الكثير من المراقبين أن العالم أكثر هدوءا دون ترامب وقد غادرنا منطقة الخطر التي كان يسببها هذا الرجل وقد تنفس العالم الصعداء، قبل أن تعيد الولايات المتحدة إنتاجه من جديد ليمارس هواياته مرة أخرى، واحدة تجاه الناتو والأخرى بفرض ضرائب والثالثة إيران والرابعة فنزويلا.
كل هذا في العام الأول وعلى العالم أن يتأهل لمزيد من التجريف لثلاث سنوات قادمة طالما أن الشعب الأميركي لم يعد يجد من السياسيين غير هذا الرجل.
ماذا يعني اختطاف رئيس دولة؟ هكذا بكل بساطة وبعيداً عن تساؤلات الحماية والحراسة والأمن الذي يحرسه بهذه الهشاشة، ففنزويلا تتعرض لتهديدات جدية من قبل الولايات المتحدة منذ أسابيع وتعرف أن رأس الدولة ورمزها الرئيس مادورو هو المطلوب، وإذا تركنا هذا جانباً للحظة لكن كيف تجرؤ دولة مهما بلغت قوتها أن تعتقل رئيس دولة مستقلة وعضو في الأمم المتحدة؟ .. إنها القوة .. وقد فعلها الجمهوريون أنفسهم أثناء رئاسة بوش الصغير الذي كان ضعيفاً ومستجداً على العمل السياسي وأحيط بالمحافظين الجدد وخارج الأمم المتحدة وأعرافها وتقاليدها هاجمت العراق واعتقلت زعيمه حاكمته وأعدمته، بمعنى أن ترامب ليس نبتة برية شاذة في الصحراء الأميركية التي تصبح أكثر توحشاً وتعيد العالم للعصور الوسطى وعصور الإمبراطوريات المتوحشة القديمة.
إنه النفط …. هكذا كما صرخ رئيس ديمقراطي يوماً في دعايته الانتخابية في تسعينيات القرن الماضي «إنه الاقتصاد يا غبي» وبعدها كانت الطاقة وشركاتها هي المحرك الرئيس للسياسات الأميركية، فالجمهوريون يملكون ويستثمرون بشركات الطاقة وهذا القاسم المشترك بين مادورو وصدام حسين أنهما زعيمان يتربعان على دول تملك أكثر احتياطات النفط ويشقان عصا الطاعة الأميركية وبالتالي ينبغي إزالتهما بل وأبعد من ذلك جعلهما عبرة لكل من يتمرد في وجه القوة الأميركية من تلك الدول الصغيرة …هذا هو الزمن الأميركي وتلك هي الإمبراطورية الجامحة بلا ظهور أي فرامل في المدى المنظور فالعالم إما مشغول بمصالحه أو يتجنب الوقوف في وجه الجموح الإمبراطوري.
تقارير مطلع القرن قبل حرب العراق التي أنتجتها مراكز التفكير في واشنطن أو كما يطلق عليها هناك «دبابات الفكر» استنتجت ضرورة سيطرة الولايات المتحدة على ربع إنتاج النفط في العالم للحفاظ على مستوى الرفاهية للمواطن الأميركي والحفاظ على نفس مستوى القوة للدولة، ولسوء حظ صدام ومادورو أنهما يديران دولتين تتوفر لديهما كل أسباب الإطاحة «النفط والتمرد» أما حول الأسباب فلن تعجز الدولة التي اخترعت علم العلاقات العامة أن تخترع مبررات وأسباب الاعتداءات الصارخة.
من سخريات التاريخ الأميركي أن عملية الإنزال للقوات الأميركية في صقلية في الحرب العالمية الثانية «لادبروك» تمت بصفقة مع المافيا الإيطالية وكارتيلات المخدرات في الولايات المتحدة تقوم على أن تسهل المافيا إنزال القوات في صقلية مقابل غض النظر عن نشاطاتها في الولايات المتحدة، وهي نفس السبب لكنه بشكل معاكس لإسقاط رئيس فنزويلا، «باعتباره تاجر مخدرات» ومحاكمته فالمسألة تتعلق بالمصلحة أما التهم فتلك أسهل الأشياء، ففي لحظة تُسقط الإمبراطورية كل تهم الإرهاب عن زعيم كانت قد رصدت مكافأة للقبض عليه لأن مصالحها تطلبت ذلك وتضع ما يكفي من التهم ضد أي رئيس إذا تطلبت نفس المصلحة … لا غرابة حين تدار السياسة بمنطق البلطجة.
مهينة ومحزنة إنسانياً قبل كل شيء هي صور الرئيس مادورو من زعيم دولة إلى أسير تكسو وجهه الدهشة بلا فاصل بينهما كما حدث مع الرئيس العراقي، هل وصلت الوحشية إلى هذا الحد ؟
من قرأ التاريخ الأميركي وكيف تشكلت الدولة وكيف نتجت الثقافة الأميركية وكيف يتم اشتقاق السياسة منها لا يستغرب ما الذي تفعله الدولة العظمى كلما اقتربنا من الاعتقاد بأنها تطبعت تعود وتفاجئنا ببصمتها وهويتها وثقافتها وسياستها التي ذاق الفلسطينيون جزءا منها ولا يزالون.
لو كان هناك قانون وعدالة وسياسة لكان منطق أشيائها أن نرى قوات دولية تجر المجرم الحقيقي بنيامين نتنياهو الذي أجمع القضاء والعالم الذي انتشر في العواصم صارخاً لمحاكمته، ولكن العصر الأميركي يقدم لنا نماذج فريدة لما أنتجت نزعات القوة .. علينا أن نعتاد عليها بلا وهم ..!



