أشرف العجرمي: فنزويلا- إيران: أميركا تريد السيطرة على العالم
أشرف العجرمي 7-1-2026: فنزويلا- إيران: أميركا تريد السيطرة على العالم
ما حصل في فنزويلا أشبه بأفلام هوليوود الأميركية التي كانت تبدو كخيال جامح، ولكنها أصبحت واقعاً يعبر عن انهيار النظام العالمي الذي بُني على توافقات دولية في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، عنوانها القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني ومبادئ حقوق الإنسان، واستبداله بنظام جديد يقوم فقط على القوة. وهذا التحول إن شئنا لم يحدث بين ليلة وضحاها، بل هو عملية مستمرة يمكن القول إن حرب العراق واعتقال الرئيس صدام حسين كان بدايتها المعلنة. فقط قامت الولايات المتحدة في ذلك الوقت بالتعاون مع بريطانيا وبعض الأطراف الغربية في تزوير حقائق واختلاق مبررات كاذبة لتدمير دولة العراق وخلق حالة من الفوضى فيها وفي المنطقة. أعقبها المخطط الأميركي الذي أعلنت عنه وزيرة الخارجية الأميركية كونداليزا رايس والذي سمي بـ»الفوضى الخلاقة» والذي يقوم على خلق صراعات طائفية وعرقية وبين الدول لتفكيك الدول العربية وإعادة تشكيلها كما تريد الولايات المتحدة، أو حتى إنهائها ودفعها نحو التشتت والضياع للسيطرة على مقدرات الشعوب وثرواتها. وكان الشريك الأكبر لأميركا في منطقتنا هو حركة «الإخوان المسلمين» والتيارات الدينية على اختلاف تلاوينها.
الآن، يذهب الرئيس دونالد ترامب إلى استكمال هذه الفوضى ولكن ضمن مفهوم أكثر تحديداً وتحديثاً، بعد اعتماد وثيقة الأمن القومي الأميركي الجديدة للعام 2025، التي أعلن عنها في بداية الشهر الماضي، والتي تعتبر نسخة محدثة من «عقيدة مونرو» والتي تقوم على مبدأ اعتبار أميركا الجنوبية الساحة الخلفية للولايات المتحدة، ويُمنع على أي قوة عالمية أن يكون لها أي نفوذ أو موطئ قدم فيها. والوثيقة الجديدة تتحدث عن مصالح اقتصادية واضحة لزيادة قوة الولايات المتحدة الاقتصادية وتعزيز قوتها على مستوى العالم. وقد بدأ ترامب بتطبيقها اقتصادياً من خلال توطين الصناعة وفرض رسوم جمركية كبيرة على شركاء أميركا في التجارة. ويبدو أنه الآن ينتقل للتوسع خارجياً بشكل عدواني وفظ، وبطريقة لا تُبقي مجالاً لأي نظام أو شرعة دولية، حتى أنه يكفر في مبدأ العولمة الذي ساد منذ بدايات القرن الحالي.
المطامع الأميركية في فنزويلا تتعلق بالبترول والثروات الكبيرة في هذا البلد، وقد قالها ترامب صراحة بأن بترولها يعود للولايات المتحدة وبأن أميركا تريد أن تديرها وتستثمر فيها وتسيطر عليها. صحيح انه قد لا ينجح في ذلك مئة بالمئة، ولكن يحاول الآن مع زعيمة البلاد نائبة الرئيس التي تم اعتمادها رئيسة جديدة بأن تتبنى سياسة موالية لأميركا. ومن الواضح أن فنزويلا هي البداية وقد تتبعها دول أخرى في أميركا الجنوبية مثل كوبا والبرازيل التي تحكمها أنظمة غير صديقة للولايات المتحدة. ولكن عين الولايات المتحدة على إيران في منطقة الشرق الأوسط وتحاول واشنطن بالتعاون مع تل أبيب إسقاط النظام هناك.
موضوع إيران يحتل أولوية كبيرة لدى الولايات المتحدة، وهي الآن تريد أن ترى الأمور داخل إيران، خصوصاً مع توسع الاحتجاجات تتطور باتجاه إسقاط نظام آية الله خامنئي، وخلق نظام بديل أقرب إلى واشنطن والغرب، ولا ينشغل في موضوع تطوير القدرات العسكرية الصاروخية وغيرها، بالإضافة إلى القدرات النووية التي تقدمت فيها إيران كثيراً نحو امتلاك السلاح النووي لو أرادت. ولكن إذا لم تنجح الثورة الداخلية ضد النظام فالاستعداد للتدخل العسكري على أشده في كل من الولايات المتحدة وإسرائيل. وهناك تجهيزات كبيرة لحرب قادمة بانتظار أن يرتكب النظام الإيراني أي خطأ أو في حال صموده أمام حركة الاحتجاج الحالية.
الغريب فيما حصل مع فنزويلا هو ليس فقط غياب قواعد العمل السياسي الدولي، بل الصمت الرهيب الذي يجتاح العالم وباستثناء أصوات قليلة نددت وأدانت، من الواضح أنه لا يوجد توجه دولي قوي وصريح بالوقوف في وجه سياسة راعي البقر الأميركي الذي يفعل ما يحلو له دون حسيب أو رقيب. وهذا قد يشجع واشنطن على المضي قدماً ليس فقط تجاه أميركا الجنوبية وإيران، بل أيضاً تجاه دول المنطقة خصوصاً بعد التغير الكبير في موازين القوى لصالح إسرائيل والولايات المتحدة بعد انهيار المحور الإيراني. وقد تجد بعض الدول العربية غير الصديقة للولايات المتحدة تحديات كبيرة في المستقبل القريب، وقد تشهد عمليات اعتداء أو تخريب أو محاولات لإثارة الفوضى فيها. وباختصار العالم كله مشروع سيطرة أميركية.
في واقعنا الفلسطيني، الدرس الأهم هو الحفاظ على الشعب وعلى الهدف الوطني الأكبر المتمثل في تحقيق الاستقلال وإقامة الدولة الفلسطينية، وهذا لا يتم إلا بالوحدة القائمة على أرضية وحدة الأرض والشعب. ويتطلب ذلك قيام «حماس» فوراً بالتخلي عن حكم قطاع غزة والتخلي عن سلاحها والسماح بتطبيق المرحلة الثانية من خطة ترامب لإفساح المجال، إما عملية سياسية قد تؤدي إلى الدولة أو على الأقل وحدة الوطن، بدلاً من محاولة استرضاء أميركا للبقاء في غزة واستمرار الانقسام والسماح بتطبيق المشروع الأميركي في غزة، والذي سيؤدي لتهجير غالبية المواطنين والقضاء على فكرة الدولة الفلسطينية.
والمطامع الأميركية أصبحت واضحة وتفعل واشنطن ما تريد عندما ترى الأرضية مهيأة في البلد المعني. فهل نتعلم الدرس أم نضحّي بكل شيء من أجل أحلام غبية وخبيثة؟.



