أشرف العجرمي: القواعد العسكرية الأميركية.. من حامٍ إلى عبء
أشرف العجرمي 11-3-2026: القواعد العسكرية الأميركية.. من حامٍ إلى عبء
الفكرة الأبرز لإنشاء قاعدة عسكرية في أي بلد آخر هي إما لحماية هذا البلد من إمكانية الاعتداء عليه من عدو خارجي، أو أنها تكون مرتبطة بحلف عسكري يتيح للبلد صاحب القاعدة موقعاً متقدماً في وجه عدو من المفترض أن يكون مشتركاً للدولة المضيفة وتلك صاحبة القاعدة المتقدمة. وعندما أنشأت الولايات المتحدة قواعدها في عدد من البلدان العربية، كان المبرر هو حماية هذه البلدان من عدو، إما عربي كنظام صدام حسين بعد احتلال الكويت على سبيل المثال، أو خارجي كإيران بعد اندلاع الثورة فيها ورغبة حكامها في تصدير الثورة إلى الدول والشعوب الأخرى، وكان هذا هو السبب الأبرز الذي أقنعت فيه الولايات المتحدة الدول العربية التي تعتبرها حليفة ومحمية منها، أو أنها فرضت هذا عليها من خلال الضغط. ومع الوقت تحولت هذه القواعد إلى محاولة لابتزاز الدول العربية وجباية أموال طائلة منها؛ بحجة أنها تحميها من عدوان إيراني محتمل. مع أن الولايات المتحدة عموماً بنت القواعد في الدول العربية لمواجهة أعداء حلف «الناتو» مثل روسيا والصين، ومنعهم من التموضع في هذه المنطقة الإستراتيجية المليئة بالثروات، خاصة البترول والغاز التي تقول أميركا: إنها تريد ضمان تدفقهما بحرية.
الحرب الإسرائيلية – الأميركية على إيران كشفت حقائق مهمة بخصوص التفكير والإستراتيجية الأميركية من جهة، وأهمية ودور القواعد العسكرية في المنطقة من جهة أخرى، على الرغم من أن الكثير من الأمور كانت واضحة حتى قبل هذه الحرب. ومن بين الأشياء البالغة الأهمية، التي باتت عنواناً للسياسة العدوانية لكل من أميركا وإسرائيل، انتفاء القانون الدولي والنظام العالمي كناظم لسلوك أي منهما. فإسرائيل بعد أن ارتكبت إبادة جماعية وجرائم حرب غير مسبوقة ضد الشعب الفلسطيني بدعم واضح من الولايات المتحدة، قادت الأخيرة لحرب ضد إيران لتدميرها وتغيير النظام فيها. وهذا ينسجم مع جنون الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي يريد تغيير العالم بالقوة. والذي لا يتورع عن خطف رؤساء دول منتخبين لأنهم لا يتماشون مع سياسته ولا يسلمونه ثروات بلادهم، كما حصل مع رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو.
القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة باتت تخدم السياسة المشتركة للحلف المجرم الإسرائيلي – الأميركي. وللتذكير فقط، لقد استخدمت بعض هذه القواعد لنقل القنابل التي قصفت بها إسرائيل الشعب الفلسطيني وارتكبت بحقه مجازر، وهذا ينطبق بالطبع على لبنان وأيضاً على دول عربية أخرى كالعراق وسورية واليمن التي قصفت من القوات الأميركية. ولكن ما كشفته الحرب الحالية هو قصور هذه القواعد عن حماية نفسها بشكل كامل وحماية الدول التي تتواجد فيها. فهي لا تمنع قصف إيران لعدد من دول الخليج، كما أن القواعد نفسها أصيبت بأضرار، وقُتل فيها جنود، وربما تضررت منظومات الرادار ومراكز تواجد القوات الأميركية. وأضحى الدور الأكبر لهذه القواعد هو منع وصول الصواريخ والمسيّرات لإسرائيل والدفاع عنها.
طبعاً لا شيء يبرر لإيران الإقدام على الهجوم على أي دولة عربية وانتهاك سيادتها. وكل الهجمات الإيرانية ضد الدول العربية مدانة ولا يمكن القبول بها. ولكن من المفروض على الدول العربية أن تعيد النظر في وجود القواعد العسكرية الأميركية والغربية على أراضيها؛ لأنها تحولت من مدافع وحامٍ لهذه الدول – كما هو مفترض حسب البروتوكولات والاتفاقات – إلى عبء ثقيل يضع الدول العربية من حيث لا ترغب في مواجهة مع أعداء أميركا؛ بسبب هذه القواعد التي تعتبر مراكز متقدمة للقوات الأميركية التي تخوض حروباً ضد أعدائها، وضد من ترغب في تطويعهم دون وجه حق أو دون سبب يتوافق مع قواعد القانون الدولي كما هو الحال في الحرب ضد إيران. والأفضل التخلص منها على وجه السرعة بسبب فشلها أولاً في حماية الدول من الاعتداءات عليها واستهدافها. وثانياً، لأنها تضع الأشقاء العرب في دائرة عداء لا يقصدونها.
والسؤال هنا: هل تحتاج الدول العربية إلى حماية؟ وإذا كانت تحتاج فعلاً، فهل السبيل الوحيد هو المظلة الأميركية؟ في الواقع، لا تحتاج الدول العربية إلى حماية أميركية والخلافات مع إيران وغيرها يمكن حلها بالوسائل السلمية. وللحقيقة قبل اندلاع هذه الحرب – التي تشنها إسرائيل والولايات المتحدة ضد إيران – قامت الأخيرة بجهود لتحسين علاقاتها مع الدول العربية من مصر إلى دول الخليج والإطار الإقليمي الأوسع. ولم تعد العلاقة بمثل هذا السوء الذي كان يميزها في عقود سابقة. وبالتالي لا تهديدات خارجية جدية تستدعي وجود القواعد الأميركية. وإذا كانت هناك حاجة لحماية دول عربية من أي اعتداء خارجي، فالأفضل أن تتم بأيدٍ عربية، أي أن يجري الاعتماد على الجيوش العربية. وفي هذا السياق لا بد من تفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك التي لم تستخدم بشكل كامل بعد. وبدلاً من ضخ الأموال للأميركيين وغيرهم كضريبة حماية، يجب الاستثمار في تطوير وتسليح الجيوش العربية لحماية الدول العربية من كل عدو قائم حالياً أم محتمل في المستقبل. ويمكن الاستثمار حقيقة في الجيش المصري الذي يمثل أحد أقوى الجيوش ليس فقط في المنطقة، بل على مستوى العالم؛ ليكون النواة الحقيقية لقوة عربية ضاربة تحمي الدول العربية من أطماع إسرائيل والسياسات المجنونة التي تهدد الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم.



