أحمد دخيل: في قلعة الوعي المقاوم: دمشق تستعيد صوت فلسطين
أحمد دخيل 10-1-2026: في قلعة الوعي المقاوم: دمشق تستعيد صوت فلسطين
من قلب دمشق، المدينة التي ما زالت تحمل في حجارتها عبق الياسمين وعبير البرتقال المرّ، ومن بين جدران مقر المجلس الوطني الفلسطيني حيث تتنفس الجدران همسات القرارات المصيرية وصدى خطى المناضلين، انبعث صوتٌ ظنّه البعضُ غائباً. في الرابع من كانون الثاني ٢٠٢٦، تدفقت دماء جديدة في شرايين اتحاد الكتاب والأدباء الفلسطينيين–فرع سوريا، في مؤتمر حمل اسم شهيد القصيدة والدم: سليم النفّار، الذي ما زال وعائلته وأخوه وعائلته تحت الأنقاض منذ بداية الإبادة الجماعية والثقافية في غزة .
لم يكن النفّار اسماً لمؤتمرنا فقط. كان حاضرا. كحضور الجرح الدامي في خاصرة الوطن. استشهد هو وعائلته كلها في غزة، فصارت كلماته التي كتبها بمداد الحب والألم وصايا ناطقة. جسده احترق تحت الركام، لكن صوته كان يصدح في القاعة، يذكر كل من فيها بأن الثقافة الفلسطينية ولدت من رحم المأساة، وأن الكاتب فيها إما شهيد أو شاهد، لا مكان للمحايد. لقد عاد سليم النفّار، وكل شهداء الثقافة الوطنية الفلسطينية وشهداء غزة ومن رحل من كتابنا المؤسسين على اتساع الخارطة من الأسماء اللامعة كمعيار. معيار للوفاء، وللقلق الوطني، وللإصرار على أن يكون القلم سلاحاً لا يقل فتكاً عن الرصاصة. ألم تثبت “قائمة جولدا” أن من يخاف من الكتّاب أكثر ممن يخاف من القناصة؟
كان المؤتمر، في جوهره، عملية استعادة. استعادة لفرعٍ خطفه الزمنُ والتشرذمُ لأكثر من أربعة عقود. سنواتٌ طويلة من التيه، حيث عبثت الأيدي العابثة، وحاولت قوى شتى، داخلية وخارجية، تدجينَ الصوت الفلسطيني، وتحويلَ مؤسسته الثقافية إلى أداة باهتة في خدمة أجندات غريبة. لكن الذاكرة الفلسطينية أقوى من النسيان، والإرادة أصلب من كل محاولات الكسر.
وكان مراد السوداني، الأمين العام للاتحاد، بحكمته التي تشبه صبر النهر، وبحنكته التي تعرف كيف تسير في حقول الألغام دون أن تنفجر، هو مهندس هذه المعجزة الهادئة. مهمة شاقة كإعادة تركيب لوحة فسيفساء متناثرة. مهمة قادها بكل تحمل . وبحضور الدكتور سمير الرفاعي، سفير فلسطين في سوريا، الذي مثّل إرادة القيادة الفلسطينية الموحدة في استعادة البيت الثقافي وترميمه. وحضر الدكتور واصل أبو يوسف مؤكداً أن منظمة التحرير، بكل مؤسساتها، تسعى لاستنهاض كل قوى شعبنا، وأن الجبهة الثقافية هي خط دفاعنا الأول عن الهوية.وكان لحضور الرفيق ماهر الطاهر الذي هو عضو أصيل في الاتحاد معنى عاليا في أهمية وحدة الكتاب .
توافدنا تحت القبة نفسها التي شهدت تاريخاً طويلاً.
جمهرة من الكتّاب جئنا نحمل رسالة واحدة: النضال لا يقتصر على ساحة المعركة. إنه يمتد إلى حقل الكلمة والفكرة. إلى ساحة الاحتراب الثقافي ضد النسيان، ضد التطبيع، ضد التزوير. ها هي دمشق، الملاذ القديم للشعراء والمنفيين، تعيد للصوت الفلسطيني رنينه الخالص.
يأتي هذا التحول في لحظة عاصفة. لحظة يشتد فيها الاستهداف لفلسطين المبنى والمعنى، في الوطن والشتات. في ظل حرب الإبادة والتهجير، يغدو تجميع الصف الثقافي مهمة وجودية. الكاتب الفلسطيني في مخيمات سوريا، الذي عاش عقوداً من التشرد فوق أرض التشرد، يحتاج إلى بيته الجامع. إلى إطار يحمي سرديته من الاختزال، وصوته من التلاشي. كان انقسام الفرع جرحاً نازفاً في الجسد الثقافي الواحد. واليوم، بدأ الجرح يلتئم.
انتُخبت قيادة جديدة. خمسة عشر كاتباً. وانتُخب الروائي حسن حميد أميناً للسر بالإجماع. خطوة على طريق طويل. طريق إعادة الروح. المؤتمر لم يكن حدثاً إدارياً ونقابياً خالصاً. كان رسالة. رسالة تقول: لقد عاد الاتحاد ليكون بيتاً لكل قلم مخلص. والعضوية فيه فعل مشاركة ونضال. ليكون نافذة نحو “الأفق الذي لا يُغلق بالشعارات”.
في النهاية، ما حدث في دمشق هو علامة فارقة. علامة على أن روح الوحدة أقوى من كل عوامل التفرقة. وبينما تعصف السياسة بأمواجها المتلاطمة، تبقى الثقافة حصننا الحصين. تحمل رسالة الأمل العنيد، والإصرار الذي لا ينكسر. هي الكلمة التي تنتصر للحياة رغم الموت، وعقارب ساعة غسان كنفاني ظلت تدور رغم الشهادة وخبز ماجد المرّ لا يزال طعمه على لسان الوجدان الفلسطيني.
مارثون توحيد أصر عليه مراد السوداني الذي ارتفع عن الفصائلية واتسع بما يليق بفلسطين وثوابتها الجامعة وهو موقفه من قبل ومن بعد الخمول على وحدة الموقف والمقولة للمثقف، فمادمنا نتفق على الثابت الثقافي والوطني فلماذا كل هذا الاحتراب منذ ما يزيد على أربعين عاماً ؟ ولماذا يترك المثقف دون إسناد وهل تخلى السوداني عن كل من أقام في سياق الاعتراض والرفض ، على العكس لقد قام بواجباته لكل الكبار وفعل فوق استطاعته دعماً ثقافياً وعلاجاً في الوقت الذي وقف كل من عملوا على تخريب وحدة الاتحاد على حياد الفرجة ، فعل ذلك في كل ساحة ومساحة انطلاقاً من واجبه وأن الاتحاد هو للكل ويتسع لكل الاجتهادات الثقافية ربطاً بالثابت وهو مقاله في المؤتمر بكل وضوح دون مواربة . وقال نحن أدباء نقوم بدور نقابي وأن كان لكل توجهه السياسي وهذا شأن يخص الكاتب أما الاتحاد فهو بيت الكتاب وآن الأوان للفصل وتوحيد الجهد في الوطن والشتات . زجاجة ماء وفنجان قهوة هذا هو ما كان موجوداً على طاولة المؤتمر ، وليس مالا سياسيا حراماً عمل ويعمل على شراء ذمم الكتاب . الصندوق الوطني هو للشعب وللمنظمة لكل أطيافها وللكتاب وللاتحادات فيه حق وإن كان قليلا فهل هذا مال سياسي .؟!
كفى فرقة وتمزقاً ، وإن تفرق الساسة فالثقافة جامعة وهي الثابت والاستراتيجا أمام الممكنات السياسية .كما قال السوداني في مداخلته .
ها هو تاريخ جديد يُكتب. وستواصل الأقلام الفلسطينية في سوريا، تحت راية اتحادها الأم، سيرها. ستظل الكلمة صادحة، شجاعة، تنبض بالحياة والحق. ستكتب فلسطين كما هي: مفتوحة الجرح، واضحة الملامح، أبداً.



