أقلام وأراء

أحمد المالكي: الولايات المتحدة واستراتيجية القوة في تفكيك الدول وفرض سيطرتها على العالم

أحمد المالكي * 10-1-2026: الولايات المتحدة واستراتيجية القوة في تفكيك الدول وفرض سيطرتها على العالم

يظن البعض أن السياسة الأمريكية المتبعة حالياً جديدة على العالم وأنها من وحي المؤلف ترامب الذي يعرف عنه أنه متهور ومجنون وأنه قد يفعل أي شيئا يخطر على باله والحقيقة أن النهج الأمريكي من قبل ترامب ثابت لا يتغير وأن الولايات المتحدة الأمريكية هي اخر الدول التي تحترم المواثيق والقوانين الدولية وتفرض سيطرتها على الدول التي يمكن أن تمثل فرصة سيطرة على ثرواتها وتكون في الغالب دول ضعيفة أو دول معرضة للسقوط والتاريخ يتحدث عن جرائم كثيرة قامت بها الولايات المتحدة في دول عديدة قبل أن تفكر بالانسحاب منها وتترك أيضا خلفها فوضى كبيرة في هذه الدول بالإضافة إلى الإرهاب الذي يهدد العالم أجمع ونفس السياسية الأمريكية الفاشلة يسير ترامب على نهج أشد فشلاً في جعل أمريكا أولا بل الوحيدة في العالم التي يجب أن تمتلك العالم وتحتل من تراه مناسباً لفرض سيطرتها ونهب ثرواتها وهذا الخطر أصبح يهدد حلفاء الولايات المتحدة قبل الأعداء لأن العدو يعرف خطورة الولايات المتحدة عليهم لكن الحلفاء لم يتوقعوا أن السياسة الأمريكية التي كانوا شركاء في الماضي أصبحت مصدر تهديد لهم وبالطبع أتحدث هنا عن أوروبا التي أصبحت الولايات المتحدة تنظر إلى أوروبا بأنها ضعيفة ويمكن تفكيكها وبدأ ترامب اللعبة بالأبتزاز وتهديد أوروبا وأمنها وهذا ما جعل الاتحاد الأوروبي يستيقظ متأخرا ويعلن عن ضرورة أن تكون الدول الأوروبية موحدة وقوية ولابد أن يكون لها جيش اوروبي موحد حتى لا تصبح أوروبا لقمة سائغة للولايات المتحدة الأمريكية وهذه الانتفاضة الأوروبية جاءت بعد الوثيقة التي أعلنها ترامب عن الاستراتيجية الأمنية الأمريكية التي تتجاهل أوروبا ولم تعد أولوية الولايات المتحدة الأمريكية الحفاظ على أمن أوروبا كما كانت في السابق ورغم أن الولايات المتحدة وأوروبا حلفاء في الناتو أصبحت أوروبا ترى أن الناتو انتهى بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية وهذا الأمر جعل هناك تخوفات للدول الأوروبية خاصة التي لا ترى أي مظلة أخرى غير الناتو وترى نفسها تحت حماية الولايات المتحدة وليس الناتو وهذا الأمر جعل أوروبا منقسمة بين من يرى أنه لابد أن تكون أوروبا لها قوة يمكن احترامها وبين من يرى أن جيش أوروبي سوف يكون صعباً من ناحية التنفيذ والتخلي عن السيادة وبين من يرى ويؤمن بالبقاء تحت مظلة الولايات المتحدة في الناتو لكن مع تصرفات ترامب تجاه أوروبا يرى البعض أن أوروبا في خطر اليوم وأن التصرفات الأمريكية سوف تنهي الناتو وأن الحسابات الأمريكية تغيرت كثيرا.

الولايات المتحدة لم تعد تنظر إلى الحلفاء بشكل كبير وترى أن الولايات المتحدة لابد أن تكون أولا وتكوين تحالف كبير مع دول كبرى وترى أن قوة أوروبا انتهت ولم تعد موجودة وأنه حان الأن وقت دول أخرى لها اقتصاديات كبرى ولابد أن تكون لها تحالف معها بعيداً عن مجموعة العشرين ومجموعة السبع الكبار تحالف فقط يضم من يخدم مصالح الولايات المتحدة وليس العكس وأن الجميع يجب أن يدفع للولايات المتحدة هذا هو النهج الأمريكي الجديد.

تصريحات إدارة ترامب واضحة وحقيقة تحولت التصريحات إلى أفعال على أرض الواقع من كان يصدق أن اعتقال رئيس فنزويلا وتهديد أمريكا اللاتينية سوف يكون بالافعال وليس التصريحات فقط بالإضافة إلى إعلانها بكل صراحة النفط الفنزويلي هدف امريكا والسيطرة على أكبر احتياطي في العالم تحت تصرف الولايات المتحدة عوائد النفط سوف تدخل الخزينة الأمريكية بالاضافة إلى أن ذلك سوف يؤثر على لاعبين كبار مثل الصين وروسيا بالإضافة إلى شركات النفط الأوروبية أيضاً وتصبح الشركات الأمريكية والإدارة الأمريكية لها السيطرة الأكبر على النفط .

الولايات المتحدة تسعى بكل قوة إلى امتلاك النفط والمعادن النادرة تريد منافسة الكبار ومنها الصين التي سبقت الولايات المتحدة بل هناك تهديد للصين بالعلاقات بين تايوان والولايات المتحدة وحاول ترامب خنق الصين بالرسوم الجمركية الكبيرة على واردات الصين التي تدخل إلى الولايات المتحدة الأمريكية من أجل الضغط على الصين.

الولايات المتحدة بتصرفاتها أعلنت نهاية الأمم المتحدة ومجلس الأمن واعلنت بداية عصر جديد من سيطرة القوة وليس للقوانين والأعراف الدولية أي وجود بعد اليوم خطف رئيس فنزويلا وتهديد دول أمريكا اللاتينية يؤكد أننا أصبحنا أمام عصر جديد من القوة هو أن تفعل الولايات المتحدة ماتريد ولاعزاء للضعفاء الذين مازالوا يعتمدون على الأمم المتحدة ومجلس الأمن.

الولايات المتحدة سيطرت على ثروات الشرق الأوسط من النفط واليوم تبحث عن السيطرة على ثروات أمريكا اللاتينية وأيضا ابتزاز اوكرانيا إذا أرادت السلام عليها أن تحصل الولايات المتحدة على ثروات اوكرانيا من المعادن النادرة لكي تنهي الولايات المتحدة الحرب الروسية على أوكرانيا والسيطرة الأمريكية على معادن اوكرانيا هي السبيل الوحيد للضغط الأمريكي على روسيا لوقف الحرب على أوكرانيا وهذا تهديد لدول الاتحاد الأوروبي التى ترى أن ثمة تحالف أمريكي روسي سوف يهدد أوروبا وأمنها ولذلك أعلنت فرنسا وبريطانيا أنها مستعدة لنشر قوات في اوكرانيا بعد توقيع اتفاق وقف الحرب الروسية على أوكرانيا ووقعت فرنسا وبريطانيا اتفاق نوايا مع أوكرانيا كضمانات أمنية لأوكرانيا التي ترى أن الضمانات الأمنية لم تعد حديثاً فقط بل تم ترجمتها إلى أرض الواقع بإعلان إتفاق النوايا مع فرنسا وبريطانيا.

بلاشك أن تصرفات الولايات المتحدة سوف تغير الكثير من التحالفات وتخلق أنواع جديدة من التحالفات سوف يكون هدفها أما استعراض للقوة أمام قوة الولايات المتحدة لكي تجبرها على احترامها وأما تحالفات لمجابهة التحالف الاقتصادي الكبير الذي سوف تشكله الولايات المتحدة على رغبتها أو بالأحرى رغبة إدارة ترامب وفي كل الحالات تبقى السياسة الأمريكية سياسة ثابتة تجاه الجميع وهي مصلحة الولايات المتحدة فوق الجميع وسوف تتخلص من الأعباء القديمة والالتزامات التي كانت عليها للحلفاء ومن على شاكلتهم من الدول التي تعتمد على الولايات المتحدة لكن هناك دول عرفت وبدأت تتعلم من أخطائها ورصدت ميزانيات كبرى للدفاع على حساب الرفاه الاجتماعي تحسبا لأي مواجهات في المستقبل ومن هذه الدول فرنسا وألمانيا.

تهديد ترامب وصل إلى غرينلاند ويريد الحصول عليها أما بالشراء أو عسكريا وحسب الرؤية الأمريكية غرينلاند تمثل أهمية للأمن القومي الأمريكي ويمكن السيطرة عليها عسكريا.

لكن المشهد معقد إلى أبعد الحدود في ظل استعدادات أوروبية خوفا من هجوم روسي على أوروبا ربما لن يكون هذه الأيام لكن هناك تخوفات في المستقبل القريب وهذا جعل هذه الدول ترفع ميزانيات وزارات الدفاع في بلدانهم على حساب حتى التضامن الاجتماعي والرفاه أيضا وهذا سبب غضب عند الشعوب الأوروبية ومراكز الدراسات الأوروبية أيضاً التي تحدثت عن صعود التيارات القومية العنصرية التي تعادي السياسات الأوروبية وترى أن الاستراتيجية الأوروبية فاشلة وأن السبب في ذلك التغاضي عن قضايا هامة ومنها الأمن الأوروبي الذي أصبح مخترقا بعد استقبال عدد كبير من اللاجئين والمهاجرين غير الشرعيين أو الهجرة الغير منضبطة والتي جعلت هاجساً ليس عند الأوروبيين فقط بل عند الولايات المتحدة الأمريكية التي ترى أن وجه أوروبا سوف يتغير في المستقبل القريب بسبب اللاجئين وبلاشك الخوف الأن على وصول المسلمين إلى الحكم أو تولي مناصب كما حدث في بريطانيا وأيضاً الولايات المتحدة الأمريكية.

سياسات أمريكا في الشرق الأوسط جعلت المنطقة تعاني من الفوضى والحروب والانقسامات ولا تقدم الولايات المتحدة حلولا جادة أو ناجحة لقضايا المنطقة بل تثير الفتن وتزيد من الفوضى وتهدد دول في المنطقة مثل إيران ولبنان وخاصة إيران التي وجهت إليها الولايات المتحدة ضربات إلى مفاعلات نووية للقضاء على البرنامج النووي الإيراني وتسعى اليوم لمساندة الاحتجاجات وممارسة مزيدا من الضغوط على إيران من العقوبات التي ولدت الانفجار الشعبي في إيران وإذا فكرت بالتدخل العسكري سوف تدخل المنطقة في حرب كبيرة وهذا لايعني أبدا أن النظام الإيراني أخطأ في حق الشعب الإيراني هناك كثير من الاخطاء على مدار حكم نظام الملالي لكن التدخلات العسكرية في الدول تؤدي إلى مزيد من الفوضى والإرهاب ولن تكون حل المشكلة والعراق وافغانستان دليل على الفشل الامريكي وسوريا اليوم إذا لم تضع الولايات المتحدة النقاط على الحروف وتجعل هناك توافق بين جميع الفصائل السورية من الشعب السوري وتجعلهم شركاء في الحكم سوف يظل نزيف دماء الشعب السوري مستمراً لكن يبدو من المشهد أن هناك سلبية كبيرة من الولايات المتحدة الأمريكية في سوريا في ظل تدخلات دول اخرى في المشهد السوري دون اعتراض على هذه التدخلات وأصبحت سوريا كعكة يريد الجميع اقتسامها على حساب الشعب السوري.

دول كثيرة معرضة إلى الإنقسام وضياع سيادتها بسبب سياسة ترامب التي أصبح الجميع ينتقد ها ويرى أن هذه السياسة تهدد العالم وتهدد بحروب جديدة وقد تكون حروب عالمية كبرى.

 

*احمد المالكي رئيس مركز شؤون دولية باللغة العربية للدراسات السياسية والإعلامية

 

 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى