أقلام وأراء

أحمد المالكي: أوروبا بين المظلة الأمريكية والبحث عن الاستقلالية الاستراتيجية

أحمد المالكي* 4 فبراير 2026 أوروبا بين المظلة الأمريكية والبحث عن الاستقلالية الاستراتيجية 

تقف أوروبا حائرة بين المظلة الأمريكية التي تهدد الوجود الأوروبي وتسعى في الاستراتيجية الأمنية الجديدة إلى تفكيك الدول الأوروبية واحتلال أراضيها، وبين نهج جديد تسعى إليه لكي تحافظ على استمرارها ،وتتجه نحو الانفتاح الاقتصادي والدفاعي والامني على دول تعتبرها الولايات المتحدة من الأعداء بعيداً عن المظلة الأمريكية التي كانت تحمي الدول الأوروبية واليوم تتخلى عنها وتدعوهم للدفاع عن أنفسهم.

أوروبا تشعر بالخطر اليوم أكثر من الأمس.تسعى إلى واقع جديد يكسر حاجز الخوف من المستقبل ،ويجعلها تتمسك بوحدتها، والحفاظ على القيم الأوروبية، والحفاظ على سيادتها الوطنية . لذلك تقوم بالبحث حل جديد و الخروج من المظلة الأمريكية التي أصبحت تهديداً لها رغم أنهم شركاء في الناتو.مما لاشك فيه أن هذه المظلة الأمريكية في الناتو مازالت قائمة، ولن يتفكك الناتو في القريب العاجل.لكن أوروبا لم تعد تثق على الأقل في الولايات المتحدة التي أصبحت تمارس سياسة الابتزاز السياسي، وتهدد الجغرافيا الأوروبية بعد إعلان ترامب بكل وضوح عن رغبته في شراء جزيرة جرينلاند.هذا الإعلان الصادم لأوروبا جعلها تعلن تمسكها بوجودها، وتعلنها بصراحة أمن القارة العجوز خط أحمر.الاعلان الصادم جعلها في مهب الريح واختبار حقيقي لها تستيقظ على أهم حليف لها يهدد أمنها ،ويعلن أن أوروبا وثروات جزيرة جرينلاند تحت أمر الولايات المتحدة.

الإعلان الأمريكي في ظاهره أن روسيا والصين تطمع في الجزيرة في القطب الشمالي ،وهذه الجزيرة هي أمن قومي للولايات المتحدة أما أن توافق أوروبا على شراء الولايات المتحدة هذه الجزيرة أو تحتل الولايات المتحدة هذه الجزيرة. بحجة أن هذه الجزيرة تريد الولايات المتحدة تنفيذ مشروع القبة الذهبية التي سوف تحمي الولايات المتحدة من الخطر الروسي والصيني.لكن هناك أطماع أمريكية في موارد هذه الجزيرة التي يوجد بها موارد ومعادن تسعى الولايات المتحدة إلى امتلاكها وعلى رأسها البترول، ورغم صعوبة استخراج هذه الموارد وتكلفتها العالية بسبب طبيعة المكان الثلجية يصر ترامب على امتلاك هذه الجزيرة.ويحاول ترامب خداع أوروبا ويتحدث على أنها قطعة من الجليد لا تفيد أوروبا ،وانه (ترامب)يريد مصلحة أوروبا ويريد الخير لها .

الغضب الأوروبي من هذه التصريحات كان واضحا في التصريحات التي أدلى بها المسؤولين في منتدى دافوس الاقتصادي وكل دولة أوروبية عبرت عن رفضها اي محاولات أمريكية السيطرة على جرينلاند. الرئيس الفرنسى هاجم ترامب بشدة في دافوس وأعلن عن رفضه التهديد باحتلال الجزيرة ومحاولات تغيير الوضع القانوني لها . أيضا ألمانيا رفضت واعلنت أنها لن ترضخ للولايات المتحدة.وبريطانيا رفضت أي تدخل أمريكي في أوروبا وأنه إذا كان هناك خطر يجب مواجهته بشكل جماعي من خلال مظلة الناتو.هذا الرفض الأوروبي جعل ترامب يتراجع قليلا بعد الضغوط الأوروبية عليه، ورفض القادة الأوروبيون العنترية الترامبية، والعنصرية التي يتعامل بها ترامب مع القادة الأوروبيون.خاصة أن ترامب أصبح يتعامل بكل سخرية واستهزاء مع قادة أوروبا ،ويسخر من القارة العجوز، ومن تراجع دورها وضعفها.بلاشك أن الرد الأوروبي كان قوياً على ترامب لسببين:

السبب الأول:الرفض الأوروبي للطموح والأطماع الأمريكية في جرينلاند ،والحفاظ على سيادة الدول الأوروبية.

السبب الثاني: أوروبا تعلنها أوروبا موحدة وسوف تكون أكثر استقلالية عن الماضي وتنتهج سياسة (الاستقلال الاستراتيجي) السياسة التي سوف تضع علاقتها مع الولايات المتحدة على المحك .نعم أوروبا أصبحت تحتاج إلى واقع جديد حتى لو كان هذا الواقع مع دول منها الأعداء لأمريكا مثل الصين .

استقلالية أوروبا سوف تعطي أوروبا قوة وتحفظ لها ماء الوجه أمام شعوبها .الشعوب الأوروبية غاضبة من السياسات الأوروبية القديمة التي جعلت القارة العجوز تعتمد في كل شيء على الأخر وتراجعت كثيراً مع صعود دول اخرى سبقت أوروبا .لذلك الاستقلالية الاستراتيجية سوف ترسخ لأوروبا مكانتها، وتجعلها ليست تحت تهديد أحد أو بالأحرى تحت الابتزاز السياسي والاقتصادي والعسكري من الولايات المتحدة.
الولايات المتحدة تركز في سياستها على استراتيجية أمريكا أولا والواقع يقول إن ترامب ونائبه جي دي فانس يريدان (أمريكا فقط). وأن مصلحة الشعب الأمريكي اهم من الحلفاء والأصدقاء للولايات المتحدة. السياسة الجديدة التي تركز على ترحيل المهاجرين غير الشرعيين من الولايات المتحدة ،ومحاربة الإرهاب من وجهة النظر الأمريكية ،وحماية نصف الكرة الغربي وفق مبدأ مونرو بتحديث ترامب.واعطى ترامب الشرعية للولايات المتحدة بعيدا عن القانون الدولي الحق في تغيير الأنظمة كما حدث في فنزويلا ،وتهديد كوبا بأنها قد يكون مصيرها مثل فنزويلا، ويسخر ترامب دائما من هذا الأمر،ويلوح بتعيين وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو رئيسا لكوبا لأنه جاء من هافانا ويمكن أن يكون رئيس لها. كما ينصب نفسه حاكم فنزويلا.انتهاك سيادة الدول في عصر القوة أمر يريد ترسيخه ترامب.

الرئيس الفرنسي ماكرون عبر بكل وضوح على سياسة الولايات المتحدة الجديدة في دافوس ،تحدث على أن القانون الدولي أصبح يداس بالاقدام.للاسف هذه حقيقة الدول الكبرى لم تحترم القانون الدولي على مدار تاريخ الأمم المتحدة ومجلس الأمن ،وهي التي تبكي اليوم من انتهاك الولايات المتحدة للقانون الدولي لأن الأمر أصبح في ملعبها بعد أن كان في ملعب الدول الضعيفة.لكن أتفق أو تختلف معي الأمم المتحدة بحاجة إلى صيغة جديدة حتى يمكن الاستمرار في ظل أنظمة دولية تبحث عن ترسيخ فكرة القوة العسكرية بعيدا عن فكرة القانون الدولي، واحترام سيادة الدول ،وعدم التدخل في شؤون الدول.

أوروبا اختارت مبدأ الاستقلال الاستراتيجي بعيدا عن مبدأ مونرو الأمريكي.

روسيا أكبر تهديد للقارة الأوروبية بعد حربها على أوكرانيا.ورغم الدعم الأوروبي لأوكرانيا مازالت الحرب قائمة، ولم تحسمها أوروبا بل هناك مخاوف من قيام ترامب بالضغط على أوكرانيا من أجل التنازل عن أراض تهدد أمن أوروبا في المستقبل.خاصة أن روسيا ترفض الضمانات الأمريكية التي تتعلق بنشر قوات أوروبية تابعة للناتو قد تهدد روسيا.التخوفات الأوروبية والروسية والضغوط الأمريكية تجعل انعدام الثقة بين جميع الأطراف وتجعل احتمالية حل الأزمة في الوقت الحالي صعبة جداً مع احتمالية نشوب صراع في المستقبل القريب.
أوروبا اتجهت نحو الهند حول سوق حرة تمثل ربع الناتج المحلي العالمي ،واتجهت نحو أمريكا الجنوبية الميركوسور رغم معارضة الشعوب الأوروبية لهذه الاتفاقية وانقسام بعض الدول الأوروبية إلا أن القرار الأوروبي وافق على الانضمام إلى الميركوسور .اتجهت بريطانيا نحو الصين وزيارة رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إلى الصين أغضب ترامب الذي وصف هذه الزيارة بالأمر الخطير جدا .لكن بريطانيا تسير مع الاتجاه الأوروبي نحو الاستقلالية الاستراتيجية ،والبحث عن علاقات جديدة خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية التي تعاني منها بريطانيا ،ورغم أن الزيارة لم تنتج عنها مكاسب اقتصادية كبيرة .لكن هناك توقعات بتحقيق مكاسب اقتصادية وأيضا أمنية في المستقبل القريب إذا قام الرئيس الصيني بزيارة إلى بريطانيا وتوقيع اتفاقيات معها.ايضا هناك دول مثل فرنسا وكندا وفنلندا اتجهت إلى الصين .

الاتجاه الأوروبي من الحلفاء للولايات المتحدة والأصدقاء ربما يكون سبباً في فشل سياسة ترامب أمريكا أولا لأنه إذا أرادت الولايات المتحدة عالم متعدد الأقطاب يخدم مصالحها عليها إحترام الدول، وعدم الاستهزاء بها واحترام القيم، والسيادات الوطنية للدول .
أوروبا اليوم بدأت عصر جديد وبدأت تتخلى عن ضعفها وتبعيتها للولايات المتحدة ولن تدفع ثمن خدمة مصالح الولايات المتحدة والسياسة التي تسير بها اليوم سوف تعطي القارة العجوز زخما أكبر بعيداً عن محاولات اضعافها وتفكيكها كما تسعى الولايات المتحدة إلى ذلك . حماية القطب الشمالي سوف تظل في إطار الناتو وربما يكون هناك في القريب جيش اوروبي موحد خاصة أن أوروبا تضع هذا الأمر في أولوياتها وترفع ميزانيات الدفاع لها حتى لو كان على حساب التضامن الاجتماعي والرفاه الاجتماعي كما فعلت فرنسا وبريطانيا وألمانيا.القوة العسكرية سوف تحكم العالم والدول التي تستعد جيداً، وتجهز جيوشها وتحمي حدودها هي التي سوف تنجو. والدول التي سوف تظل تعتمد على الآخرين سوف يسهل انتهاك سيادتها في هذا العصر الذي يبدو أن الاعتراف بالقوانين الدولية أصبح من الماضي.

أوروبا تسعى اليوم إلى تطوير الصناعات الدفاعية ووضع خطط مستقبلية لتمويل صناعاتها الدفاعية وتطوير دفاعاتها الصاروخية .كما تسعى إلى مواجهة كافة الأخطار والتهديدات المحتملة سواء الأعداء لها وعلى رأسهم روسيا أو من الحليف القديم لها الولايات المتحدة. وايضا مواجهة التهديدات التي تتعلق بالأمن السيبراني، وإدخال الذكاء الاصطناعي في الصناعات الدفاعية . أوروبا تكشر عن أنيابها وتعلن شعارها الجديد الاستقلالية الاستراتيجية وحماية سيادتها الوطنية أهم أهدافها اليوم .إذا ظلت الولايات المتحدة مصدر تهديد لها سوف تخرج من المظلة الأمريكية ولن تأخذ بنصيحة مارك روته الأمين العام حلف الناتو الذي دعا أوروبا إلى عدم الخروج من المظلة الأمريكية.

أوروبا لم تعد تقبل التبعية إلى الولايات المتحدة ولن يكون الأوروبيون عبيدا تحت المظلة الأمريكية ولن تربط مصالحهاالسياسية، والاقتصادية ،واستقرارها، وأمنها بالسلاح الأمريكي والمصالح الأمريكية.هناك إتفاق أوروبي لأول مرة منذ عقود طويلة بعد الحرب العالمية الثانية والحديث عن تفكيك أوروبا بهذه السهولة لن يحدث وترامب تراجع كثيرا أمام الضغوط الأوروبية وسوف يتراجع إذا ظلت أوروبا موحدة وقوية وسوف يرضخ لمطالب أوروبا التي لاتريد تدخلات في شؤونها واحترام سيادتها وشعوبها.

*رئيس مركز شؤون دولية باللغة العربية للدراسات السياسية والإعلامية

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى