يونس السيد يكتب – في المفهوم الأمني «الإسرائيلي»

يونس السيد *- 30/9/2019
ما كشفه رئيس الأركان «الإسرائيلي» السابق جادي ايزنكوت، في مقابلة مع صحفية، قبل أيام قليلة، عن أن «إسرائيل» ليس لديها قوانين أو ثقافة حرب، وأن بإمكانها شن حرب مفاجئة دون أن يدرك أحد كيف حدث ذلك، وأنها كانت على وشك الدخول في حرب مع قطاع غزة قبل نحو أسبوعين، يعد خليطاً من التضليل المتعمد والحرب النفسية، ويجافي تاريخ الصراع والأسس التي قامت عليها «إسرائيل» نفسها.
جنرال «إسرائيلي» من وزن ايزنكوت يعلم أنه لا يقول الحقيقة عندما يتحدث عن ثقافة الحرب، ويدخل في صميم التضليل والحرب النفسية؛ عندما يقول: «إسرائيل دولة لا يمكن الانتصار عليها، ولا توجد قدرة للانتصار عليها، وليفسر كل واحد ذلك كيفما يفهم»، وهو في هذا المقام يحاول إدانة قيادته السياسية أكثر مما يحاول إظهار قدرات «إسرائيل» الخارقة، خصوصاً عندما يشير إلى أن جيشه كان على وشك الدخول في حرب مع غزة قبل أسبوعين، ومع لبنان قبل نحو شهر، من دون أن يكشف الأسباب التي حالت دون ذلك، باستثناء الحديث عن أن «المجلس الوزاري المصغر» اتخذ قراراً بذلك من وراء ظهر المستوى المهني (الأمني)، واضطر إلى التراجع؛ بعد تدخل أجهزة الأمن والمستشار القضائي للحكومة، لافتاً إلى أنه «يرى في ذلك فشلاً كبيراً للقيادة، التي لم تتبن حتى يومنا هذا أية وثيقة من بين عشرات الدراسات التي كُتبت في مجالي المفهوم الأمني والسياسة الأمنية».
وبالعودة إلى المفهوم الأمني «الإسرائيلي»، فانه خلافاً لما يقوله ايزنكوت لا يوجد أصلاً لدى «إسرائيل» سوى ثقافة الحرب؛ ذلك أن «إسرائيل» نفسها ولدت من رحم الحروب، و«الإسرائيلي» العادي نشأ وترعرع في ظل هذه الثقافة، وهو لا يعلم شيئاً عن السلام؛ لأن كل ما يمكن اعتباره «إنجازات إسرائيلية» تحقق عبر الحروب، وليس من خلال السلام، ناهيك عن ثقافة شحن المهاجرين والمستوطنين الاستعماريين التي تبناها قادتهم الأوائل (هيرتسل وجابوتنسكي وغيرهم) والقائمة على نفي الآخر والغطرسة والاستعلاء على المحيط بما يقتضيه ذلك من قتل وخراب ودمار وتهجير للفلسطينيين، وارتكاب مجازر جماعية بحقهم، على قاعدة أن العربي متوحش وغدار وغير مؤتمن، وبالتالي يجب قتله بأي ثمن، فبالنسبة لجولدا مئير «العربي الجيد هو العربي الميت». أما السلام فقد ظل مفهوماً ضبابياً بالنسبة ل«الإسرائيليين»، يقول يوري افنيري في كتابه «صديقي العدو»: «بعد معاهدة كامب ديفيد، ذهبت لإلقاء محاضرة في كيبوتس قرب «تل أبيب»، تحدثت فيها عن السلام وعن علاقات اقتصادية وشرق أوسط مزدهر.. وعندما انتهيت وقف شخص ضخم يشبه سائق دبابة، فقال.. يعني إنك تريد باختصار أن نتنازل عن ثروة سيناء النفطية وعن يهودا والسامرة (الضفة الغربية) وعن قطاع غزة وهضبة الجولان مقابل ماذا.. قصاصة ورق؟!». الحديث يطول هنا، ولكن هذا يعد جزءاً من ثقافة الحرب «الإسرائيلية» ومفهومها الأمني، والذي يتناقض تماماً مع ادعاءات ايزنكوت.
younis898@yahoo.com



