أقلام وأراء

رحل ‘خان’ وجاء ‘شريف’… واشنطن لا تريد ‘أردوغان’ جديداً في باكستان

يوسف بدر

يوسف بدر 18-04-2022

أسبابٌ مُجتمعة أطاحت رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان؛ لكن هناك محددين رئيسين في إدارة الدولة الباكستانية هما: الجيش والعلاقات الخارجية. فقد جاء خان إلى السلطة قبل أربع سنوات، بدعم من الجيش الذي أراد التخلص من الأحزاب التقليدية (الرابطة الإسلامية وحزب الشعب)، ما وضع حزب “حركة الإنصاف” الباكستانية الوَسطي الذي يتزعمه عمران خان إلى جانب الأحزاب الكبرى.

لكن الجيش لم يكن يرغب في تكرار نموذج الرئيس رجب طيب أردوغان في تركيا، الذي استطاع أن يقلص دور الجيش في إدارة الملفات الداخلية والخارجية؛ إذ سعى خان إلى تقمص شخصية أردوغان، خارجياً يلعب على خط التوازنات في العلاقات الدولية من أجل فتح مساحات جديدة من العلاقات لبلاده. وداخلياً يتبنى خطاباً شعبوياً يؤكد استقلالية باكستان وعدم التبعية للهيمنة الأميركية، ويغطي على فشله في تحقيق وعوده الانتخابية التي أولها بناء باكستان الجديدة والنهوض الاقتصادي. 

حجبتْ الجمعيةُ الوطنية الثقة عن خان، وتم تنصيب شهباز شريف رئيساً للوزاراء في 11 نيسان (أبريل) 2022، ورغم أنه يتمتع بشخصية مشدودة الأعصاب وانفعالية على عكس أخيه رئيس الوزراء الأسبق نواز شريف، إلا أن اختياره يتماشى مع رغبة الجيش في إصلاح ما أفسده خان، فهو زعيم للمعارضة بحكم رئاسته لحزب “الرابطة الإسلامية” (فرع نواز)، كما أنه داعم للعلاقات التقليدية لباكستان مع الولايات المتحدة الأميركية. وبذلك يكون شهباز قد وصل إلى السلطة على أخطاء سلفه خان، ما يعني أن سياسته الداخلية والخارجية يجب أن تضع هذه الأخطاء في الاعتبار، لتكون مهمته الأولى دعم الاقتصاد المُتعثر، وإصلاح العلاقات مع المؤسسة العسكرية، وكذلك مع الولايات المتحدة.

أميركا أولاً

كانت تصريحات المسؤولين الأميركيين عقب فوز شهباز لا تعبّر عن أهميةِ مَن الذي أتي، بقدر ماذا سيفعل بالنسبة الى العلاقات بين البلدين وبشكل استراتيجي، فقال وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن: “نتطلّع لمواصلة تعاوننا القديم مع الحكومة الباكستانية”، أي ما قبل عهد خان. وقد رد مكتب شهباز بـ “نتطلع إلى تعميق هذه العلاقات الهامة على أساس المصالح المتبادلة”. وهذا يعني أن رئيس الوزراء الجديد يدرك أن الولايات المتحدة الأميركية هي حجر الزاوية في إدارة العلاقات الخارجية ومعالجة الملفات الداخلية بما فيها إصلاح العلاقة بين الجيش والحكومة والحصول على الدعم الخارجي لدعم الاقتصاد المتأزم. 

وتأتي تصريحات المتحدث باسم البنتاغون الأميركي، جون كيربي، لتؤكد عقبة حكومة خان، في وجه الخطط العسكرية الأميركية في المنطقة، إذ قال: “نتوقع أن نتمكن من مواصلة العلاقات العسكرية مع باكستان”. فقد عارضت الحكومة السابقة استضافة قواعد عسكرية أميركية على أراضيها، كما اتخذ خان موقفاً معارضاً للعمليات العسكرية ضد “طالبان” ورحب بالانسحاب الأميركي من أفغانستان ودعم صعود حركة “طالبان” في آب (أغسطس) 2021.

أيضاً، قد يكون دعم واشنطن لشهباز الذي يمتلك رؤية تعتمد على الحوار مع الهند وحق تقرير المصير بالنسبة الى قضية كشمير، فرصة لواشنطن من أجل إبعاد حلفائها عن الصراع، والتفرغ لاستراتيجيتها في تلك المنطقة.

ماذا عن الصين؟

لا تمنع الولايات المتحدة باكستان من تحقيق مساحة من العلاقة مع الصين، المهم ألا تكون على حساب المصالح الأميركية، وألا تخرج عن زمام واشنطن. لذلك كانت الصورة التي جمعت عمران خان مع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، قبل الهجوم الروسي على أوكرانيا، النقطة التي أفاضت الكأس، حيث بدا خان متمرداً وظهر في صورة الحليف لموسكو، في تناقض مع رغبة الجيش الباكستاني من جانب وواشنطن طبعاً من جانب آخر.

وبحسب التسريبات الإعلامية، فإن شهباز يعتزم زيارة الصين والسعودية في أولى جولاته الخارجية. وقد أعلنت الخارجية الصينية، أن “الصين وباكستان شريكان استراتيجيان، وتسعى للاسراع في استكمال الممر الاقتصادي بين البلدين”. وقبل هذه التصريحات كان شهباز قد أعلن أن حكومته ستسرع في ربط بلاده بمشروع الصين “الحزام والطريق”. 

وتدرك الصين حاجة باكستان للعلاقات معها للتوازن مع جارتها المنافسة الهند؛ ولذلك لا تقلق بكين من التحولات السياسية في إسلام آباد، بخاصة أن الأحزاب الرئيسية (الرابطة الإسلامية والشعب) لديها علاقات قوية معها، وتعتبر أن ما تستطيع واشنطن فعله هو مجرد حرب نفسية ودعاية سلبية من مستقبل مشروع الممر الاقتصادي واستدامته، اذ تسعى إسلام آباد للحصول على قروض من بكين لدعم البنية التحتية لهذا الممر الاقتصادي.

قلق “جيوسياسي” لدى إيران

في أول تصريحاته حول إيران، قال شهباز: “نحن ندعم تعزيز العلاقات التجارية الثنائية بين إيران وباكستان”، أي أن علاقة بلاده مع إيران ستكون على خطى علاقتها مع الصين؛ بما يصب في مصلحة الاقتصاد أولاً، بخاصة أن الوضع الاقتصادي والتضخم هما المعضلة الأكبر التي يواجهها في الداخل.

لكن بالنسبة الى إيران، تعتبر إطاحة حليفها عمران خان، بمثابة لعبة الشطرنج وحصار الملك (كش ملك)، فالجغرافيا السياسية حول إيران باتت في مصلحة الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها، في العراق وتركمانستان وأفغانستان وأذربيجان وتركيا وأرمينيا؛ وكانت حكومة خان بموقفها الصلب أمام سياسة الولايات المتحدة، قد أعطتْ الأمل لطهران، بأن أميركا لم تعد لها فاعلية في منطقة غرب آسيا، وأنه الآن تُمكن إدارة المشاريع الاقتصادية والسياسية بعيداً من القرار الأميركي. 

كما أن إيران التي أدعت أنها تطارد الوجود الأميركي في سوريا والعراق وأفغانستان، وجدت أن واشنطن ما زالتْ لها اليد الطولى في إدارة المسرح السياسي في هذه البلدان.

أيضاً، بدأ القلق يعود الى إيران من وجود حركة “طالبان” في أفغانستان؛ إذ استطاعتْ بالتعاون مع حكومة خان، التواصل مع هذه الحركة وترويضها للحفاظ على الاستقرار هناك بما يخدم المصالح الأمنية والاقتصادية لدول المنطقة. لكن الهجوم الذي تعرضت له القنصلية الإيرانية في مدينة هرات الأفغانية، تزامناً مع رحيل خان؛ جعل طهران تعيد النظر في “طالبان”، وباتت التحليلات الإيرانية تنظر إليها كنقطة انطلاق للتهديد الأمني ضد إيران والمنطقة. 

وفي المنظور الإيراني، فإن رحيل خان الذي سعى الى الوقوف حائط صد أمام الخطط الأميركية، يجعل من باكستان مرة أخرى ركيزة أساسية في التنافس بين واشنطن وبكين، ونقطة للعبور نحو أفغانستان وآسيا الوسطى، بما يدعم الاستراتيجية الأميركية الجديدة التي تركز على محاصرة أعدائها (الصين وروسيا). ويشارك إيران في هذا المنظور، كل من بكين وأنقرة وموسكو ودول آسيا الوسطى التي كانت تراهن على “باكستان-خان” في إدارة أمن أفغانستان من أجل المصالح الأمنية والاقتصادية المشتركة. 

موقف خليجي

بسبب مواقف إسلام آباد من الأزمة اليمنية، كانت العلاقات الباكستانية – السعودية تمر بحالة من الفتور في عهد خان، الذي تقارب مع دول إسلامية مثل إيران وتركيا وماليزيا على حساب العلاقات مع دول الخليج. ولذلك سارعت كل من السعودية والإمارات والبحرين وعُمان الى تقديم التهنئة إلى رئيس الوزراء الجديد، الذي سيعيد العلاقات معها كما كانت من قبل. 

كما أن شهباز الذي يضع زيارته السعودية في أول أعماله، يضع أيضاً المسألة الاقتصادية على رأس أولويات حكومته، وهو يطمع في الدعم الاقتصادي والمالي من دول الخليج. ويدرك أن الدول الواقعة داخل الخليج لديها مصالح مع بلاده وترغب في الاستثمار في المشاريع الكبرى، مثل ميناء “جوادر” الذي يمثل بوابة مشروع الممر الاقتصادي على مياه المحيط الهندي ومنطقة بحر العرب.

المحصلة

أيدتْ الأحزاب المعارضة رحيل عمران خان، طمعاً منها في السلطة، لكن هذا الرحيل لن تنتهي تبعاته بتعيين رئيس وزراء جديد؛ إذ ستحمل ذاكرة الشارع والموالين للتغيير، كيف صادرَ الجيش وبالتنسيق مع الأحزاب السياسية إرادةَ قطاعٍ كبير من الشعب الباكستاني.

رئيس الوزراء الجديد، سيتحرك في مسار لا يبتعد من رضا الجيش والاستخبارات الباكستانية، وهو ما سيجعله يدور في فلك الأولوية لمصلحة اقتصاد بلاده أولاً، قبل الدخول في أي مغامرة سياسية تطيحه، على غرار ما فعل سلفه.

رحيل خان، يعيد باكستان إلى قبضة الولايات المتحدة الأميركية، بما يساعدها على إدارة استراتيجيتها تجاه عدويها الصين وروسيا؛ بخاصة أن موسكو استطاعت في ظل حكومة خان، أن تتمادى عسكرياً واقتصادياً وسياسياً في منطقة آسيا الوسطى وشبه القارة الهندية، بما يدعم طموحاتها الأوراسية. ولذلك تعتبر إطاحة خان من تبعات الأزمة في أوكرانيا.

تشعر طهران بخسارة كبيرة لرحيل حليفها خان؛ لأن وجوده منحها شعوراً بالانتصار على الوجود الأميركي في المنطقة. بالإضافة إلى اطمئنانها الى السيطرة على الأوضاع داخل أفغانستان.

رحبتْ دول الخليج بمجيء حكومة شهباز شريف؛ لأنه سيعيد إسلام آباد إلى دائرة التقارب معها، بخاصة أنها لطالما استثمرت في الدولة الباكستانية، بينما جاء عمران خان وقابل هذا بالفتور.

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى