#شؤون اقليمية

يوسف بدر – حسابات الرّبح والخسارة في الموقف الإيراني من حرب أوكرانيا

يوسف بدر ٥-٣-٢٠٢٢م

لم يكن الموقف الإيراني من الاجتياح الروسي لأوكرانيا والاعتراف باستقلال إقليم دونباس، بقدر جلل الحدث؛ إذ أن طهران باتت في موقف حرج؛ فهي لديها مصالح مشتركة مع كلا البلدين، وهو ما دفعها إلى توجيه الخطاب الرسمي والإعلامي بما ينبع من محدداتها الداخلية ويخدم سياستها الخارجية. 

جاء التعليق الإيراني أولاً في شكل تغريدة لوزير الخارجية الإيراني حسين عبد اللهيان، قال فيها: “جذور أزمة أوكرانيا تعود إلى استفزازات حلف الشمال الأطلسي، ولا نعتبر اللجوء إلى الحرب طريقاً إلى الحل”. 

يخدم هذا الرد السياسة الخارجية التي تتبعها إيران تجاه الغرب، فقد عبّر أن هذا الاجتياح هو رد دفاعي على السلوك الاستفزازي للغرب، وأن هناك رفضاً للوجود الغربي في المنطقة، وكذلك هناك جدية في مقاومة هذا الوجود المسلح إذا ما هدد الأمن القومي للدول. وهو ما تستمر في ترديده أدبيات الخارجية الإيرانية تجاه الوجودين الأميركي والإسرائيلي في المنطقة، بخاصة في منطقة الخليج.

لكن أيضاً، تنزعج إيران من فكرة دعم “انفصال الأقاليم”، وهو أمر يهدد مناطقها الحدودية حديثاً. فضلاً عن ألم “العقل الإيراني” من معاهدة “تركمنتشاي” مع روسيا، قديماً، التي فقدت بموجبها أجزاءً من مناطقها الشمالية. 

ولذلك تعامل الإعلام الإيراني بحذر مع الاجتياح الروسي ولم يصفه بـ”الهجوم” أو “العدوان”؛ بل بـ”العمليات الخاصة”.

انتصار للمحافظين

عززت حوادث أوكرانيا من وجهةِ نظر المحافظين الذين يسيطرون على السلطة في إيران، تجاه الغرب، على النحو الآتي:

إن قدرة نظام روسيا المعادي للغرب الليبرالي على مواجهته، تعزز من قدرة النظام الإيراني أيضاً على هذه المواجهة.

فشل رهان حكومة أوكرانيا على مساندة الغرب لها أمام روسيا؛ يعزز من وجهة نظر المحافظين الرافضة لسياسة الحكومة السابقة (حسن روحاني) التي راهنت على الانفتاح على الغرب في دعم الاقتصاد الإيراني. وأيضاً يدعم سياسة الحكومة الحالية (إبراهيم رئيسي) التي تراهن على التوجه شرقاً وجواراً في دعم الاقتصاد الإيراني. 

كما أن حكومات أوكرانيا المتعاقبة لطالما كانت أمام معضلة الاختيار بين الشرق والغرب، والتجربة العملية برهنت صحة نظرة المحافظين في إيران المعارضة للتوجه نحو الغرب. 

تدعم الصورة الضخمة التي ظهرت بها روسيا الاتفاقيات الاستراتيجية التي عقدتها إيران مع القوى الشرقية: الصين وروسيا؛ حيث سيبدو حلفاء طهران وكأنهم أصحاب وزن كبير في العالم.

التفوق العسكري لروسيا ودوره في محاصرة أوكرانيا، سيدفع المحافظين للإصرار على طموحاتهم العسكرية في المجال الصاروخي، والاحتفاظ بالعتبة النووية ولو مجمدة، والحيلولة دون تفكيك البرنامج النووي، ودون تفكيك الميليشيات الشيعية في المنطقة؛ إذ تدل هذه الحرب على أن الاتفاقيات السياسية لا قيمة لها، ما لم يكن هناك قوة تحافظ عليها؛ فكما سقطت “اتفاقية مينسك”، من الممكن أيضاً أن يفشل “الاتفاق النووي” مرة أخرى.

إن ظهور روسيا بالقوة المنافسة للولايات المتحدة، يعزز من إمكان صعود الدور الإقليمي لإيران، في إطار الاستفادة من هذا التنافس، وهو ما يعزز استراتيجية المحافظين حول السياسة الخارجية والتفوق الإيراني عسكرياً في الإقليم، بخاصة أن إيران استفادت من كل أزمات الشرق الأوسط في تعزيز نفوذها وتصدير ثورتها في المنطقة.

صفقة الاتفاق النووي

وصلت الجولة الثامنة من المحادثات النووية الدائرة في فيينا إلى مراحلها الأخيرة، وسط حديث عن أن إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن، تريد التوصل لاتفاق نهائي، سواء بالإيجاب أم بالسلب، بحلول نهاية شباط (فبراير)، أي اليوم. وهذا يأتي في ظل أجواء الأزمة الأوكرانية، التي تتباين الآراء حول الاستفادة منها، على النحو الآتي:

نقل موقع “دولت بهار” التابع للرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد، تصريحات له في 27 كانون الثاني (يناير) 2022، قال فيها إن “روسيا أبرمت صفقة مع الولايات المتحدة بشأن إيران وأوكرانيا، يُسمح فيها لروسيا بالهجوم على أوكرانيا، في مقابل قدوم الطرف الآخر إلى إيران”. 

وقد اختلفت التفسيرات حول هذه التصريحات؛ لكن البعض فسّر دور الوساطة الذي تلعبه موسكو اليوم في إقناع طهران بالتفاوض والتوصل لاتفاق مع الغرب، بأنه جزء من هذه الصفقة، لا سيما أن وزير الخارجية الإيراني السابق محمد جواد ظريف، كشف في تسريب له أن روسيا لعبت دوراً بالتعاون مع الحرس الثوري الإيراني في إفشال الاتفاق النووي المبرم عام 2015. ما يعني أنه حالياً، في ظل وجود المحافظين الموالين للحرس الثوري في السلطة؛ هناك رغبة لديهم في إتمام الاتفاق النووي، بعد التنسيق مع روسيا في ذلك. ولهذا التفسير؛ ربط البعض بين زيارة الرئيس الإيراني موسكو في 19 كانون الثاني 2022، والمحادثات النووية في فيينا.

تلعب الأزمة الأوكرانية دوراً في دفع واشنطن إلى نجاح هذه المحادثات والاستجابة لمطالب إيران؛ من أجل تحقيق أي نجاح على الأرض، بعدما تضررت شعبية بايدن. 

كما أن هذه الأزمة قد تخفف من الضغط الأميركي في المحادثات. ويدور الحديث على أن واشنطن وافقت على رفع 90% من العقوبات، بخاصة في ما يتعلق بالنفط والغاز، مع رغبتها في الإبقاء على بعض من العقوبات المتعلقة بالبرنامج النووي، لفترة محدودة، حتى إثبات طهران جدّيتها.

إذا فشلت المحادثات النووية، فالعقوبات الغربية على روسيا ستقرّبها من إيران والتعاون معها. كما أن روسيا ستدافع عن إيران في مجلس الأمن وستستخدم حق النقض (فيتو)؛ إذا ما تم إرسال ملف إيران النووي إلى مجلس الأمن.

رؤية أخرى تحملها وجهة النظر الإصلاحية، اعتبرت أن موسكو في ظل تصاعد الأزمة الأوكرانية، يمكنها أن تستخدم الورقة الإيرانية في محادثات فيينا، وأن طهران يجب عليها أن تجلس مباشرة مع واشنطن؛ لمنع موسكو من استخدام هذه الورقة.

مكاسب وخسائر اقتصاديّة

تُرجمت مشاركة الرئيس الإيراني في قمة الدول المصدرة للغاز في 21 شباط 2022، في الدوحة، بأنها تأتي استثماراً للأزمة الأوكرانية، إذ إن إيران هي ثاني أكبر مالك لاحتياطات الغاز الطبيعي في العالم، والعقوبات الغربية على روسيا، ستدفع الأوروبيين للبحث عن مصادر بديلة للغاز الروسي، وهو ما يعزز فرصة إيران للعودة إلى أسواق الطاقة العالمية، من خلال منصة قطر لتصدير الغاز المسال، التي يمكن أن تساعد في وصول الغاز الإيراني إلى الأسواق الأوروبية؛ بخاصة أن التزامات الدوحة تجاه عقودها المبرمة مع دول آسيا، تشجعها على تسييل الغاز الإيراني لإيجاد فائض لديها يمكن تصديره إلى أوروبا، فضلاً عن وجود رغبة لتركيا في لعب دور والاستفادة من هذه الأزمة، بما سيعزز من علاقتها الاستراتيجية بإيران؛ من أجل نقل الغاز الإيراني، باعتبارها الطريق الآمن والأرخص للوصول إلى أوروبا.

كما أن إيران في حال استمرار الأزمة الأوكرانية، ونجاح المحادثات النووية ورفع العقوبات عنها؛ ستحصل على عائدات ضخمة من أسعار النفط المرتفعة.

 وفي جانب الخسارة، فالتجارة مع روسيا ستتأثر، لأنها تمثل سوقاً للمنتجات الإيرانية، والتجارة بينهما تتجاوز 4 مليارات دولار. 

أما مع أوكرانيا، فالخسارة أقل؛ لأنها لا تمثل سوقاً لإيران، وتبادل التجارة معها هو 160 مليون دولار. كما أن إيران تتخذ من الأراضي الأوكرانية مزارع لسلتها الغذائية من القمح والحبوب، تعويضاً لأزمة الجفاف ونقص المياه لديها. 

لكن الحرب لن تطول، لأن أهدافها سياسية وليست اقتصادية، وهو ما يقلل من جانب خسارة إيران من هذه الأزمة.

محصّلة 

يميل الموقف الإيراني من الأزمة بين روسيا وأوكرانيا، إلى جانب موسكو؛ بالنظر الى حسابات المصلحة، ولا يُعلن هذا صراحة؛ لأبعاد تتعلق بالأمن القومي، وليس من أجل أوكرانيا؛ إذ إن كفة المصالح تميل تجاه روسيا، وكفة الأيديولوجيا تقول إن كييف لن تساند طهران إذا ما تعرضت لهجوم روسي مشابه.

إن المحافظين الذين يهيمنون اليوم على السلطة في إيران، يعتبرون هذه الأزمة فرصة لتبرير سلوك نظامهم الخارجي تجاه المنطقة، بل تعزز من رؤيتهم تجاه الغرب.

هناك انقسام حول مستقبل المحادثات النووية في ظل اندلاع الأزمة الأوكرانية؛ لكن هناك رؤية تعتبر هذه الأزمة فرصة مواتية لتحقيق إيران العديد من المكاسب مع الغرب، الذي يبحث عن بديل للغاز الروسي لتنويع مصادره من الطاقة.

 

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى