يديعوت: وقف الحرب في مراحل مبكرة كان سيمنع عن إسرائيل الإنجاز الاستراتيجي الاوسع للحرب
يديعوت 20/1/2026، د. داني اورباخ: وقف الحرب في مراحل مبكرة كان سيمنع عن إسرائيل الإنجاز الاستراتيجي الاوسع للحرب
بعد اعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن هوية أعضاء “مركز السلام” في غزة ادعى بعض المحللين بان نتنياهو قاد إسرائيل الى فشل مطلق. وحسب هذه الادعاءات كان يمكن انهاء الحرب قبل ذلك بكثير، في صيف 2024 مثلا مع الإنجازات إياها بالضبط، لكن مع خسائر اقل. لكن نتنياهو رفض كل الاقتراحات لـ “تسويات إقليمية” وبالتالي قادنا الى هزيمة استراتيجية. بعض من مؤيدي نتنياهو يدعون بالمقابل بـ “نصر مطلق”. لكن الطرفين مخطئان. سواء مؤيدي نتنياهو ام معارضيه ينبغي أن يعترفوا بالحقائق التالية حتى لو لم تكن مريحة لمن يسعى لان يروي قصة بسيطة عن هزيمة ساحقة او نصر مطلق.
أولا، ينبغي أن يقال باستقامة: في اثناء الحرب لم تطرح على الطاولة أي صفقة كانت معقولة من ناحية إسرائيل. فالمطالب التي طرحتها حماس كانت متطرفة تقريبا من المرحلة الأولى: انسحاب شبه كامل من القطاع مقابل قسم من المخطوفين، وانسحاب كامل مقابل الجميع، “احياء او اموات”. والاسوأ من ذلك يكاد لا يتبقى لإسرائيل أوراق مساومة إقليمية لاستخدامها لتحرير باقي المخطوفين. وكان معنى الامر إعادة قوات حماس الى حدود بيري وكفار عزة، فيما ان قيادة المنظمة بقيت على حالها، شبكة الانفاق ومسارات التوريد لها نشطة، وقوتها العسكرية بعيدة عن الانكسار. هذه لم تكن “تسوية أليمة” بل عودة واعية لنقطة بداية 7 أكتوبر، مع اقل شرعية دولية فقط. وحتى لو طرح على إسرائيل مقابل إقليمي في شكل تطبيع مع السعودية ما كانت أي دولة خليجية يمكنها أن تجبر حماس على التنازل عن مطالبها او حل المشكلة الإسرائيلية في غزة.
التسوية الحالية، بكل نواقصها، مختلفة جوهريا. فهي تبقي في يد إسرائيل سيطرة في نحو نصف أراضي القطاع كورقة مساومة – بما في ذلك أراض مشرفة من ناحية طوبغرافية، النطاق الشمالي، رفح ومعبر رفح، الاتصال الوحيد للقطاع بالعالم. وهي تخلق فاصلا ماديا هاما بين حماس وبلدات الغلاف وتخلق مجالا مفتوحا اسهل بكثير السيطرة فيه والرقابة عليه. المنظومة العسكرية لحماس كانت منسوجة بحيث لا يمكن التعرف عليها في المنطقة المبنية، طالما بقيت هذه مدمرة، وسيستغرق سنوات عديدة ترميمها، دولة حماس لن تتمكن من إقامة المنظومة العسكرية التي استخدمتها في 7 أكتوبر. ليس صدفة أن الضربة الأشد لمنظومة حماس كانت في المرحلة المتأخرة من القتال، بعد تصفية المستوى الأعلى، واساسا في حملة “عربات جدعون 2” التي انكسرت فيها قدرات أساسية للمنظمة. كما ان إسرائيل نجحت في ان تدمر على نحو شبه مطلق القدرات الصاروخية لحماس، التي بواسطتها فرضت علينا الرعب على مدى سنين.
فضلا عن ذلك، فان وقف الحرب في مراحل مبكرة، كما اقترح المرة تلو الأخرى محللون مختلفون كان سيمنع عن إسرائيل الإنجاز الاستراتيجي الاوسع للحرب: تفكيك محور المقاومة الإيراني. حماس ليست جزيرة منعزلة بل جزء من منظومة إقليمية. كسرها، الى جانب المس بحزب الله ووكلاء آخرين غير ميزان القوى الإقليمي ما كانت صفقة مبكرة لتتيحها.
ومهم بقدر لا يقل: هدف تجريد حماس، الذي لم يتحقق بعد منصوص عليه بتعهد امريكي وباسناد غير مسبوق من مجلس الامن. إسرائيل يمكنها ان تحتفظ بالمنطقة التي تحت سيطرتها وتمنع الاعمار وإدخال مواد البناء كورقة مساومة للتجريد. لم تكن لها أوراق مساومة كهذه لو كانت انسحبت من كل القطاع، بما فيها ذلك معبر رفح وفقا لما عرض في صفقات سابقة.
مع ذلك، في التسوية الحالية توجد أيضا إخفاقات عديدة. وجود تركيا وقطر في لجنة الاشراف مقلق. وكذا ادخال جهات أوروبية معينة يبعث علامات استفهام كبيرة. لكن الصورة الكاملة اكثر تعقيدا: نصف اللجنة على الأقل تتشكل من جهات ودية لإسرائيل او متعلقة بالولايات المتحدة. وعرض كل الالية كمعادية عديم الدقة على الأقل.
ان منتقدي الاتفاق من المعارضة محقون عندما يدعون بان نتنياهو لم يحقق بعد “نصرا مطلقا” مثلما تباهى في اثناء الحرب. ليس واضحا مثلا كيف ستتصدى اللجنة الحاكمة في قطاع غزة لتهديدات مسلحة من جانب حماس، وكيف سيكون ممكنا فرض التجريد على منظمة الإرهاب. للأسف الشديد يحتمل بالتأكيد ان تحقق حماس في غزة “نموذج حزب الله” أي نفوذ مسلح من خلف الكواليس. سيتعين على إسرائيل أن تجري الكثير جدا من الشقلبات الدبلوماسية، استخدام أوراق المساومة التي في ايديها وتهديدات عسكرية مصداقة كي تقلص نفوذ حماس على الحكم الجديد الى الحد الأدنى الممكن.
والاهم من كل ذلك هو ان الطابع الاشكالي والجزئي للتسوية ينبع من رفض مبدئي، يتجاوز المعسكرات، لفرض حكم عسكري إسرائيلي في القطاع. في هذا الموضوع لا يوجد فرق حقيقي بين رئيس الوزراء وبين معظم المعارضة ومحلليها. اذا كانت إسرائيل غير مستعدة لان تحكم مباشرة السكان المدنيين في غزة – وثمن مثل هذه الخطوة كان سيكون باهظا للغاية – فان أحدا ما آخر كان سيحكمها. وان لم يكن هذا حماس، فسيكون جهة فلسطينية أخرى بالمشاركة مع قوة دولية، مع كل القيود والمخاطر التي تنطوي على ذلك. للسلطة الفلسطينية، في وضعها الحالي، لا توجد قدرة سيطرة فاعلة حتى في الضفة، وبالتأكيد ليس في غزة، على الأقل حتى تجتاز إصلاحات عميقة. وبمراعاة القيود التي فرضتها إسرائيل على نفسها فان الاتفاق الذي تحقق هو الأفضل الممكن.
وأخيرا، توجد حقيقة واحدة محظور دحرها: هوية الحكم في غزة هامة لكن ليست كافية. فبدون نزع تطرف عميق لجهاز التعليم والمجال الثقافي لعله يمكن اضعاف دائرة العنف، لكن ليس قطعها. من يتحدث فقط عن مبان سلطوية ويتجاهل الأيديولوجيا يفوت جذر المشكلة. بدون تغيير للوعي لا يمكن لاي تسوية – مهما كانت ناجحة – ان تصمد على مدى الزمن.



